داء نقص التروية القلبي(1)


// د. خليل اندراوس




داء نقص التروية القلبي مرض متعدد المظاهر ومختلف الشدة، وله اسباب مختلفة تؤدي لفقد التوازن بين حاجة القلب إلى الاكسجين وبين ما يزود به منه. وأكثر ما يكون ناشئا عن نقص مطلق في جريان الدم الاكليلي بسبب انسداد تصلبي عصيدي في الشرايين الاكليلية الكبيرة.
ويمكن ان تصاب العضلة القلبية بنقص التروية بآفات انسدادية اكليلية غير عصيدية كالانصمام وتضيق الفوهة الاكليلية المتشارك مع التهاب الابهر السفلسي وتشنج الشريان الاكليلي وبسبب نادر جدا هو التهاب الاوعية الاكليلية.
وقد ينجم عدم التوازن بين طلب العضلة من الاكسجين وما هو متاح لها منه عندما تزداد الحاجة للاكسجين عن الامكانيات المتاحة حتى في الشرايين الاكليلية السوية، كما يحدث في ضخامة العضلة القلبية المفرطة، ويمكن ان يحدث نقص التروية عندما تنقص قدرة الدم على حمل الاكسجين كما في فقر الدم او وجود الكاربوكسي هيموجلوبين، او نتيجة لقصور الضغط الاروائي كما يحدث في نقص التوتر الدموي بأي سبب كان، وتقرر امكانية ظهور نقص التروية السريري الهام مكان الآفات العصيدية التصلبية في الدوران الاكليلي ودرجة تضيق اللمعة.
ذلك ان ضيق اللمعة هو العامل المهم، لأن الجريان في انبوب يتناسب مع نصف قطره مرفوعا إلى القوة الرابعة اذا بقيت الظروف الاخرى ثابتة، وهكذا فإن المكان يدل على حجم الكتلة العضلية التي يرويها الشريان، مثال ذلك، انسداد الشريان النازل الامامي الايسر الداني يعطل الحاجز وجدار البطين الايسر الامامي الحر، بينما ينجم عن آفة مماثلة في نفس الشريان في مكان ابعد نقص الجريان في كتلة عضلية اصغر.
كما ان لحالة الدوران الجانبي ايضا اهمية في ظهور نقص التروية، علما ان عوامل تكامل هذا الدوران الجانبي وتأثيره على سير الداء لا تزال غير مؤكدة، ويبدو ان امكانية حدوث اوعية جانبية قائمة في كثير من القلوب وربما في كل القلوب، غير ان هذه الاغنية لا تنمو بما فيه الكفاية لترى الا اذا اصبح نقص التروية واضحا.
ويتكامل داء الشريان الاكليلي دون اعراض وبنسب مجهولة لأنه لا يكتشف الا بعد ان يموت المريض بسبب آخر كالرخى مثلا، او عندما تشاهد الاوعية الاكليلية بالتصوير الشعاعي، ويبدأ المرض باكرا في الحياة اذ شوهدت آفات انسدادية بينه في الجنود القتلى اثناء الحرب وأكثر ما ينكشف الطور العرضي بشكل ذبحة صدرية او احتشاء في العضلة القلبية او موت مفاجئ يظن انه مسبب عن اللانظمية البطينية، وقد تكون الصورة السريرية البديلة معقدة عرضيا بين الذبحة والاحتشاء يدعى بالمتلازمة المتوسطة.
وهناك صورة سريرية اقل شيوعا تبدو عادة بشكل خلل في النظم او بدرجة شديدة من عدم الثبات الكهربائي البطيني بحيث يمكن ان تحدث اعراضا دون وجود ذبحة او احتشاء، غير ان هذه الحالة لا تترافق بأعراض في كثير من الاحيان ويوحي بالتشخيص الفحص الفيزيائي الروتيني الذي تكتشف اثناء اللانظمية، وقد ادى الحماس الجديد للفحوص الدورية وتقييم تخطيط القلب اثناء الراحة وبعد الجهد إلى نظرة جديدة في طائفة جديدة من مرض التصلب العصيدي الشرياني اللاعرضيين، الذين يشك بوجود المرض لديهم على اساس المخطط اللاسوي اثناء الراحة او بعد الاجهاد، في اختبار التمرين.
وعندما يبدأ الطور العرضي تظهر اعراض المريض إما كذبحة صدرية ثابتة او بسير مترق او العودة إلى الدور اللاعرضي او بالموت فجأة، وتبلغ نسبة الموت بعد الدخول في الطور العرضي من داء القلب بنقص التروية 4% كل سنة دون علاقة فيما اذا كانت الحادثة الاولى التي نقه منها المريض ذبحة صدرية او احتشاء في العضلة القلبية الا ان الاوضاع الثانوية تختلف في هذه الطائفة من الناس، مثال ذلك: نتوقع ان تصبح نسبة الوفاة في المرضى الذين يصبح مخططهم القلبي الكهربي وضغطهم الشرياني سويين 2% كل سنة، بينما تزداد النسبة في اصحاب الضغط العالي والمخطط القلبي الكهربي الشاذ إلى 8% كل سنة.
ومؤشرا الانذار الرئيسيان هما حالة البطين الايسر الوظيفية وسعة مرض الشريان الاكليلي. ويزيد في الخطر نقص وظيفة البطين الايسر، ويبدو هذا النقص بأعراض قصور القلب الاحتقاني او بضخامة القلب بالتصوير الشعاعي مع او بدون ظواهر في التصوير الوعائي القلبي تشير إلى تبدل في اداء القلب (نقص نسبة القذف وارتفاع حجم البطين الايسر في نهاية الانبساط".
وتبلغ نسبة الوفاة في المرضى الذين يملكون وظيفة بطينية يسرى سوية مع مرض الشرايين الاكليلية الرئيسية الثلاثة او في اثنين منها 11 و 8% كل سنة بينما هي 2% فقط عند اصابة شريان واحد، اما في مرضى انسداد الشريان الاكليلي الرئيسي فتبلغ نسبة الوفاة 25%.
وكل درجة من تضيق الاكليلي اذا اضيفت إلى نقص وظيفة البطين الايسر تزيد في نسبة الخطر، وضمن كل زمرة وعائية تصويرية يمكن فرز عدد من المجموعات الفرعية ذات انذار مختلف، مثال ذلك: المرضى المصابون بانسداد شريان اكليلي واحد ينقسمون من حيث خطر الوفاة إلى عدة زمر، فالآفات المنفردة في الاكليلي النازل الامامي اخطر من الآفات المنفردة في الاكليلي الايمن او الشريان المحيط.
ومع ان هناك متغيرات كثيرة تؤثر على نسبة الوفيات في داء الشريان الاكليلي الا انه لا يوجد حاليا تحليل اساسي يجسد كل هذه العوامل ويضعها في منسب واحد يرجع اليه في تقرير الانذار.
ويستحسن اعتبار التصلب العصيدي الاكليلي حدثا يؤدي إلى تخريب نسيج العضلة القلبية بسرعة لا يمكن التنبؤ بها مما ينقص احتياطي القلب. وكلما ازدادت درجة موت الخلايا القلبية في مرحلة ما من الزمن نقص الاحتياطي وقل تحمل المريض لمزيد من الاذى وارتفعت نسبة الوفاة المتوقعة. وعلى ضوء ذلك يجب ان تؤخذ المناسب المختلفة التي تدل على زيادة الخطر، كتخطيط القلب الكهربائي الشاذ، وقصور البطين الايسر كبينات على درجة متقدمة من موت الخلايا القلبية، غير ان الموت المفاجئ يمكن ان يحدث عند مرضى دون خراب كبير في العضلة، وقد يكون ذلك بسبب لا نظمية تصيب مريضا مصابا بعصيدة شريانية منتشرة.
وتبقى امراضية الاحتشاء القلبي مدار نقاش، اذ ان من الواضح ان المفهوم المبسط للخثار المنزوع على عصيدة او النزف في آفة عصيدية، غير كاف، وان هناك عددا من الاحتشاءات بامراضيات مختلفة ويكون المرض العصيدي الشديد موجودا الا ان دور الخثار يحتاج إلى توضيح.
الوقاية:
عندما يصبح المرض الاكليلي عرضيا تكون حدثيات التصلب العصيدي قد تقدمت كثيرا في الشرايين الاكليلية، لذا يكون مثاليا ايجاد وسائل للوقاية في الطور اللاعرضي من المرض، ويعتقد الآن ان برنامجا يعتمد على ضبط عوامل الخطر المعروف انها تتشارك مع تقدم المرض يكون له تأثير كبير اذا بُدئ به في الطفولة.
اما في الطور العرضي من المرض فيجب الاهتمام بدقة بعوامل الخطر في محاولة لمنع تقدمها. فقد دعمت بعض المشاهدات الحديثة امكانية تراجع بعض الآفات العصيدية التصلبية في المقدمات مما يبرر اللجوء لمثل هذا البرنامج الوقائي. ومن عوامل الخطر الرئيسية المعروف انها تؤثر في حدوث داء الشريان الاكليلي وفي مرضيته زيادة كولسترول الدم وفرط التوتر والتدخين.
وتبلغ نسبة الوفاة في امراض التصلب الشرياني العصيدي، عند الرجال الخالين من العوامل الثلاثة، خمس الرجال الذين يحملون هذه العوامل الثلاثة وثلث الرجال الذين يحملون عاملين منها.
ويمكن ضبط فرط كولسترول الدم إلى درجة ما بالحمية والدواء، كما يضبط فرط التوتر، ويجب ان يضبط بالتداوي ويجب ان يمنع التدخين خصوصا بين الشباب ومن عوامل الخطر الاخرى التي يمكن ضبطها:
السمنة وقلة النشاط الفيزيائي وحياة القعود والتوتر النفسي الاجتماعي، وقد اتهمت بعض سمات الشخصية دون ان تثبت علاقتها السببية بتكامل داء الشريان الاكليلي.
وعند وجود تاريخ اسري (عائلي) للاحتشاء الباكر فان من المهم البحث عن عوامل خطر يمكن ضبطها، كفرط كولسترول الدم وفرط التوتر.
ويشكل داء السكري عامل خطر مستقلا، ولكن ليس من الواضح ان يقدر ضبط مستوى السكر في الدم على انقاص الخطر.
الفيزيولوجيا المرضية:
يستخلص القلب في الشروط القاعدية نسبة مئوية مرتفعة وثابتة نسبيا من اكسجين الدم الشرياني، وبما ان زيادة هذا الاستخلاص غير ممكنة فلا بد لتلبية مطالب القلب من الاكسجين من زيادة الجريان الدموي الاكليلي. وإذا زادت احتياجات العضلة القلبية من الاكسجين على امكانية تلبيتها يحدث الاحتشاء، حتى ولو لم يكن الشريان مسدودا كاملا وذلك اذا بقي التفاوت بين الطلب والتزويد كبيرا لفترة طويلة من الزمن.
ويؤدي قصور الاكسجة في العضلة القلبية الناجم عن حدثيات التصلب العصيدي إلى شذوذ في وظائف القلب الكيماوية الحيوية والكهربائية والميكانيكية.
وتتعطل وظيفة التقلص في العضلة القلبية الناقصة التروية بشكل ملحوظ، ويؤدي نقص التروية العابر كما في الذبحة الصدرية إلى هبوط عكوس في وظيفة العضلة القلبية. ويحدث نقص التروية المتمادي وما ينتج عنه من احتشاء نخرا في باحة من نقص التروية في النسج المجاور لمركز النخر، ويسبب النخر فقدا غير عكوس في الوظيفة التقلصية وتتشكل مكانه فيما بعد ندبة، بينما يبقى تعطل تقلصية المنطقة الناقصة التروية عكوسا ويمكن لهذه المنطقة الناقصة التروية ان تترقى حتى النخر اوان ترجع إلى الحالة السوية، ويتوقف ذلك على تأثير عوامل عديدة متشابكة لا تزال غير محددة تماما.
(يتبع)
الأربعاء 6/12/2017


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع