إلى آمنة... ستي يا صدر البيت يا قلعة.. ستي يا خبز وزيت... وسراج مضوي على بيوتنا


رلى يوسف خليل دخيل حامد – اونيل


**القّوة والحنان
لم تكن آمنة علمانية، بل كانت مؤمنة مسلمة تمارس دينها بمفهومها الشخصي والخاص للدين ‏والايمان. كانت تصلي وتصوم رمضان، لكنها كانت مؤمنة بالإنسانية والعدالة الاجتماعية ‏وكانت تكرر "الدين لله والوطن للجميع" كل هذا وابتسامتها وروح الفكاهة لا تفارقها. لقد كانت ‏نموذجا حقيقيا للعطاء بلا حدود وللشجاعة وحب الناس، تمكنت من تنظيم حياتها، الخاصة ‏والعامة، وعائلتها، والأصدقاء، والنشاط السياسي، انطلاقا من الإيمان بأهمية دورها وأثرها على ‏التغيير. جدتي، "آمنة"، تلت جدي وأصبحت عضوا في الحزب الشيوعي في فلسطين، وبعد ‏‏1948 في إسرائيل، بالإضافة إلى كونها عضوا في حركة النساء الديمقراطيات. لقد تعودت على ‏الاحتجاج والنضال، وبقدر عنادها الذي فرضته عليها النكبة، مثلها كباقي أفراد شعبنا الفلسطيني، ‏إلا أن حنانها الفطري كان يسيطر على بيتها وأفراد عائلتها


(في البداية أود الاعتذار للغالية أمل مرقس على التغييرات في أغنيتها)
ومرّ عام على رحيلك الجسدي يا آمنة، وانا بين المتشككة وغير مصدقة، إلا أن الغربة جديرة بتعليمنا الحياة ودروسها بالطريقة التي تختارها  لنا.
حاولت خلال هذا العام تخليدك بطريقتي الخاصة والتي تعكسها عمق هذه العلاقة، فبدأت بتدريس آمنة وسيرة حياتها في الاكاديميا، بالاضافة الى مداخلات في مؤتمرات ومقال أكاديمي سوف يصدر في صيف 2018. فقد قدمت في آذار 2017 مداخلة بعنوان "النسوية والتنفيذ على أرض الواقع" في الجامعة ضمن برامج  مختلفة على شرف يوم المرأة وذلك بتنظيم برنامج الدراسات النسوية في جامعة كورك – ايرلندا (مكان عملي واقامتي) وبالتعاون مع حركة اجتماعية جديدة باسم Her story (تاريخها – قصتها) تهدف لنشر حكايات وقصص لنساء "غير مرئيات" في المجتمع، حيث ان التاريخ لا ينصفهن. لقد قررت الحديث عن "الشخصي"، والذي هو أساس الاكاديميا (على الأقل هذا هو ايماني)، لذلك قررت الحديث عن "ستي آمنة" .. أو بطريقتي الخاصة للتواصل معك "آمنة"، الاسم الذي كان جدي خليل الدخيل يخاطبك به.
"ستي آمنة" إمرأة كنساء شعبي الفلسطيني الكثر اللواتي لا نرى نضالهن وكفاحهن في كتب التاريخ النخبوي التي تتجاهلهن وتتجاهل دورهن النضالي اليومي، إلا أننا نرى في الآونة الأخيرة أكاديميات، وأنا واحدة منهن، قررن الكتابة عن قصص وتجارب النساء "اللا مرئيات" كنوع من تسليط الضوء اليهن والى أهمية تجاربهن في وجودنا، بالاضافة الى وسيلة لايفائهن قسما من حقهن علينا.
"ستي آمنة" بالنسبة لي شخصيا هي معلمتي ونبراسي في السياسة والنسوية ... "ستي آمنة" لم تقرأ نظريات النسوية ولم تدرك مدارسها المختلفة ولم تأبه بها، لأنها كانت مشغولة بممارسة النسوية بكل معانيها وحيثياتها على أرض الواقع... "ستي آمنة" لم تسمع كلمة  "نسوية" او "فمينيزم"، ولم تأبه بهما إلا أنها هي، وتجاربها المختلفة في جميع الميادين، مدرسة في النسوية وترجمته على أرض الواقع بدون نظريات وفذلكات.
بدايات بلوغي السياسي، عندما كنت في العاشرة من عمري، أيلول 1982، عندما ذهبت مع جدتي الى منطقة عين العذراء للتظاهر ضد "مجزرة صبرا وشاتيلا". فجأة انقض على المتظاهرات والمتظاهرين رجال الشرطة والجنود، ما زالت رائحة الغاز في انفي. أذكر "آمنة" و"شدة ايدها على إيدي" وطريق "هروبنا" الى بيت الصداقة ومكاتب الحزب في الطابق الأول، وكيف أغلقت الرفيقات بوابة المدخل الحديدية  لحمايتنا.. لا أذكر كم من الوقت بقينا هناك قبل عودتنا الى البيت.
مع بلوغي، وبحكم كوني ثاني حفيدة للعائلة، وبكر يوسف بكرهم، كانت علاقتي مع "سيدي خليل" و"ستي آمنة" خاصة جدا، ففي عيد ميلادي الثلاثين "شلحت ستي آمنة اساورها الفضة" واهدتني اياها، وما زالت في معصمي اليمين، اما في عيد ميلادي الاربعين فقد اهدتني "آمنة" هي مرافقتي الدائمة، اضافة الى قصص "سيدي خليل" و"ستي آمنة" عن ايام الانتداب البريطاني، وبعدها النكبة والحكم العسكري ليليها "يوم الارض الخالد" سنة 1976 وذلك  قبل بلوغي السياسي في 1982.
أذكر "آمنة" وضحكتها عند سردها "كانو ينادوني يا باذنجانة"، بالفعل، لكن ليس لسمار بشرتك الخلاب والخاص، انما لأنك "ست المعدلات اللي بيطلع بايدها كل شي"، فمن الباذنجان يمكن طهي العديد من الطبخات الشهية، ومنه يصنع أيضًا المخلل والمكدوس او مربى لذيذ الطعم، وهكذا انت، فكنت تصنعين صابون زيت الزيتون في البيت، ومن الخرز والابرة تزينين المناديل وبعدها ابتكرت الحلق والاساور والعقود لتبقى ذكرى لنا ومعنا مدى الحياة وبعدها لأولادنا. كم من أحاديث رويتها لنا عن "البيت القديم" والحاكورة الصغيرة التي "زرعتها كلها خضرة وكنت ألقط وأطبخ للعيلة، وكانت الجارة تيجي وتحوش"، وعن النكبة، ورغم صغر بيتكم إلا انكم احتويتم لاجئين من بلد الشيخ "وفي يوم فقدناهم ما لاقيناهم، راحو على لبنان..". وكيف كان البيت الصغير يستعمل مقرا لرفاق الحزب القدامى الذين كانوا يجتمعون به ويتخذون قرارات مهمة جدا.
تعلمت من "آمنة" الشجاعة وقول ما أومن به بدون خوف .. رأيتها تواجه رجال الشرطة في "زياراتهم" المختلفة لبيت العائلة في الحي الشرقي لاعتقال أبي أو أحد أعمامي .. رأيت مواجهتها لهم ومحاولة منعهم من اعتقال أبنائها .. لم تخف .. لم تخجل، إنما بفخر وبروح الفكاهة الخاص بها، قالت للقاضي الذي أمر بتمديد اعتقال عمي شبيب (على ما أذكر) "أي شو عامل.. بالكاد يكون ايفان  دوميانيوك؟". وما كان من القاضي الا ان انفجر بالضحك وامر بالافراج عن عمي. ومن سماتك الرائعة تقبل الآخر بدون شرط او سبب، فاحبك الجميع، كنت الشيوعية، والمسلمة المؤمنة، وقبلهما كنت الأممية التي تؤمن بعدالة الشعوب وأهمية النضال، كانت جدتي تشارك في المظاهرات بالناصرة وحيفا وتل ابيب دعما للفقراء والمظلومين من اجل الحرية.
من "سيدي خليل" تعلمنا أن لا نتنازل أو نساوم على مبادئنا التي تربينا عليها، ومن "ستي آمنة" تعلمنا مواجهة الحياة اليومية وتدبير الحال بشطارة واتقان وجهد ومثابرة وعدم الحاجة لأحد، والمحافظة على الكرامة الشخصية والوطنية.
"ستي آمنة" وبحكم مر السنين والظروف الشخصية والصحية، تركت المجال "العام" و"الشعبي" وتمركزت أكثر بمحيطها "الخاص" وعائلتها الصغيرة والكبيرة، إلا أن بيتها كان مفتوحا أمام الجميع لغاية آخر أيامها، ومن خلال زائريها وتلفزيونها كانت متابعة مثابرة لأخبار العالم ومحتلنة بآخر مجريات الأمور، وعندما كان يسقط شهيد او شهيدة كانت تضرب عن الطعام تضامنا.
قصص وأحاديث "آمنة" تمزج العاطفة، السياسة، والتاريخ، لأنها من المصدر الأول للتاريخ الحالي لشعبنا، من نساء يستعملن مصطلحاتهن البسيطة لتفسير وتحليل القضية الأكبر للتاريخ الوطني والطبقي .. نساء يستعملن تقنية التاريخ الشخصي وتجاربهن الشخصية لتحليل كتب وموسوعات نخبوية.
كانت "آمنة" سخية جدا في مشاركة قصصها الشخصية والجماعية والذكريات مع الآخرين في كل وقت. جاء العديد من الباحثين والناشطين للاستماع إليها حتى أيامها الأخيرة. كانت ذاكرتها قوية وحادة جدا، بالإضافة إلى شخصية قوية جدا وثقة عالية بالنفس، فوثقت سردا وقصصا عن نضال المرأة منذ 1920 وكان آخر من زارها لسماع قصصها رفيقنا الغالي توفيق كناعنة (ابو ابراهيم) الذي اتمنى له دوام الصحة ومديد العمر.
 كانت تتحدث عن الحياة الصعبة التي عاشها الفلسطينيون في ظل "الانتداب البريطاني"، والنكبة، والحكم العسكري 1966؛ والاقامة الجبرية التي كانت ترسل لجدي ولجدتي؛ عن الفقر، والافتقار إلى العمل، والمقاومة، وإدارة الحياة الأسرية وحدها عندما كان جدي في السجن بسبب نشاطه السياسي. ولا أزال أتذكر قصصها عن الاحتلال الإسرائيلي إلى الناصرة في يوليو / تموز 1948: كان والدي طفلا يبلغ من العمر يومين فقط، حينما قام الجنود بجمع الرجال بوحشية في الحي الشرقي ووضعوهم جانبا، دخلوا البيوت للبحث عن أسلحة، لكنها لم تخف وتصدت لهم بشجاعة.
لم تكن آمنة علمانية، بل كانت مؤمنة مسلمة تمارس دينها بمفهومها الشخصي والخاص للدين والايمان. كانت تصلي وتصوم رمضان، لكنها كانت مؤمنة في الإنسانية والعدالة الاجتماعية وكانت تكرر "الدين لله والوطن للجميع" كل هذا وابتسامتها وروح الفكاهة لا تفارقها. لقد كانت نموذجا حقيقيا للعطاء بلا حدود وللشجاعة وحب الناس، تمكنت من تنظيم حياتها، الخاصة والعامة، وعائلتها، والأصدقاء، والنشاط السياسي، انطلاقا من الإيمان بأهمية دورها وأثرها على التغيير. جدتي، "آمنة"، تلت جدي وأصبحت عضوا في الحزب الشيوعي في فلسطين، وبعد 1948 في إسرائيل، بالإضافة إلى كونها عضوا في حركة النساء الديمقراطيات. لقد تعودت على الاحتجاج والنضال، وبقدر عنادها الذي فرضته عليها النكبة، مثلها كباقي أفراد شعبنا الفلسطيني، إلا أن حنانها الفطري كان يسيطر على بيتها وأفراد عائلتها. لقد كانت تعمل بلا كلل أو ملل لرفع وتحسين ظروف ووضع عائلتها."آمنة" مثلها مثل بنات جيل النكبة، جيل "مر علينا كثير اشيا يا ستي"؛ فمهما كتبنا ونظّرنا وحللنا دوركن وتجاربكن، إلا اننا لن نوفيكن حقكن ولن ننصفكن لأنكن سطرتن وجودنا في هذه البلاد وعلى هذه الأرض.
"آمنة" لقد رحل جسدك، لكن إرثك الزاخر والغني بالذكريات المشرقة والتاريخ هي كنزنا وإرثنا، وهي تعاليمك لنا لحب الحياة وقبلها حب العدل والخير وممارسة الصدق بشكل يومي، ويكفينا فخرا ما نسمعه من الناس عنك وعن "سيدي خليل".
وفي النهاية، بعيدًا عن الاكاديميا والنظريات والفصحى، انما من منظوري الخاص والشخصي، سوف أخاطبك بالعامية وكيف تعودت دايما ... هيهه يا آمنة .. بعد ما اني اشتقت لك كثير ومشتاقة لقعداتك وحكاياتك ومقارعتك.. وضحكتك وانت تقولي لي "ولك استحي شوي، صرتي كبيرة"، بعرف كثير تعبك وكيف صحتك وقدرتك على المواجهة ضعفت كثير بعد آذار 2015 لما رحل جسد بكرك، يوسف. شفت بعينك الضعف والحزن والحسرة، وهذا أثر على صحتك كثير، وتأثرت كمان ذاكرتك بس ضلت قوية. كنت واقعية كثير بالتغييرات اللي مرقت عليكي... رحيل يوسف المبكر ترك بصمته الكبيرة عليكي، بس حافظتي على روحك الحلوة ...
ستي آمنة، انت وأبوي يوسف، رحلتو عنا لكن مستحيل ترحلو منا ومن حياتنا وذاكرتنا ومخيلتنا.
وستبقى ذكراكما عطرة وخالدة الى الأبد.


*محاضرة في قسم العلوم الاجتماعية؛ مركِّزة الدراسات النسوية ودراسات التنمية وحقوق الانسان الدولية، جامعة كورك ـ إيرلندا

الأثنين 8/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع