حال اللغة من حال أصحابها:
ما هو دور مجامع اللغة العربية؟


د. ياسر ريناوي


** واجبات وأهداف
مجمع اللغة العربية، الذي أحد أهم أهدافه، الحفاظ على اللغة وتطويرها، لا نراه يحرك ساكنا ويلقي ‏بثقله ليمنع هذه الكارثة. فمن الواجب أن لا تقتصر نشاطاته على الندوات والاحتفالات وتوزيع ‏الجوائز، رغم ما لذلك من أهمية، بل عليه استعمال كل الوسائل المتاحة لرفع مستوى تعليم اللغة ‏العربية من حيث الأساليب وساعات التدريس، بمقدار ما تستحقه هذه اللغة، وهذا ما لا نراه أو ‏نشعر به. فشمروا عن سواعدكم أيها الرجال والنساء وانتشلوا اللغة العربية من الدرك الذي وصلت إليه


تأسس أول مجمع للغة العربية في سنة 1932 في القاهرة وكان أعضاؤه علماء في اللغة العربية من العرب والمستشرقين، وكان من أهم مبادئه وأهدافه الحفاظ على اللغة العربية وتطويرها بما يواكب العصر والتقدم العلمي واستنباط التعابير والمصطلحات أو تعريبها وتحديثها (ليس على طريقة الشاطر والمشطور)، وتلا إنشاء مجمع القاهرة مجمع دمشق ومجمع عمان ولا أدري ما هي الحاجة الملحة إلى هذه الزحمة من المجامع التي لم تحافظ على اللغة العربية بالشكل الذي أنشئت من أجله.
قد يسأل سائل: ما لطبيب الأطفال هذا وللغة العربية، قواعدها، صرفها ونحوها وبلاغتها؟ ولماذا يحشر أنفه في ما ليس من اختصاصه، ولا يترك هذه الامور لذوي الاختصاص؟ وللتوضيح أقول إنني لا أسوق هذا الكلام بصفتي متخصصا بعلوم اللغة بل بصفتي عاشقا للغة العربية الجميلة التي أعتبرها، بلا تعصب، أجمل لغات الأرض، وقلقا على مصيرها، بعد أن كثرت، في الآونة الأخيرة، التعليقات والمقالات التي تؤبن اللغة العربية وتتحسر على حالها وما وصلت إليه من مهانة، فتكاد لا تسمع مذيعا إلا ويتعثر لسانه، ولا كاتبا إلا ويسود وجه الورق بأخطائه، صرفا ونحوا وإملاء، والأمثلة كثيرة، ومن يتقن لغته الام يسهل عليه إتقان اللغات الأخرى.
قبل سنوات، في أحد معارض الكتب، اقتنيت كتاب الكواكبي "طبائع الاستبداد"، كتب مقدمته كاتب أتبع اسمه بلقب دكتور، ولا أدري ما إذا كان للقب صلة باللغة العربية، وفي أول سطر من المقدمة وجدته ينصب نائب الفاعل مرتين، مثل الذي "من أول غزواته كسر عصاته"، فتركت المقدمة وبدأت بقراءة الكتاب بلا مقدمات. وقبل مدة وجيزة نصحني أحد الأصدقاء بقراءة كتاب لكاتب من الأراضي المحتلة، وعندما فتحت الكتاب قرأت الإهداء، فإذا به يهدي الكتاب "إلى زوجتي وابنتاي "، فوضعت الكتاب جانبا! فكيف يمكن أن أحترم "كاتبا" يجهل حروف الجر، والمكتوب يقرأ من عنوانه، ولدي الكثير من الأمثلة على هذا الانحطاط اللغوي.
 أسوأ ما وصلنا إليه أن ترى كاتبا يدافع عن جهله بلغة الام، مستشهدا بأقوال لكاتب أكثر منه جهلا، مدعيا أن الفكرة تصل إلى المتلقي، سواء كان الفاعل مرفوعا أو منصوبا، ويدافع عن جهله بالإملاء (مستوى صف رابع ابتدائي)  بكتابة "بدا" بالألف المقصورة، بادعاء أن الفكرة وصلت، ويجهل الكاتب أن الفرق شاسع بين الألف المقصورة والممدودة، بين علا و على وبين غلا وغلى وغير ذلك من الأمثلة.
اللغة هي وعاء الفكر فإذا كان الوعاء ملوثا، فلا بد أن يطال التلوث ما بداخله، والفرق بين الفتحة والضمة هو أحيانا كالفرق بين الكفر والإيمان: (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ)، فتغيير حركة الهاء من الفتحة إلى الضمة، يغير المعنى من الإيمان إلى الكفر، فاللحن في القرآن حرام لأنه يغير المعنى وفي الفاتحة يبطل الصلاة. وقد عمل بعض الفقهاء وعلماء اللغة في الماضي على إعراب القرآن لا حبا بالإعراب بحد ذاته، بل لأن معرفة محل كل كلمة أو جملة من الإعراب يساعد على تفسيرها وفهمها.
 روى الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري  أنه بدأ يكتب الشعر في سن الثامنة عشرة، ولم يجرؤ على الكتابة والنشر إلا بعد أن حفظ القرآن ونهج البلاغة ومئات القصائد وأبيات الشعر الجميل، مما جعله يمسك باللغة من ناصيتها، حتى قيل: "لو وضعت اللغة العربية في حبة لوجدتها في جيب الجواهري".
وعلى هذه الطريقة، عودونا في المدارس، في المراحل الابتدائية والثانوية، على حفظ القصائد الجميلة واستظهارها، مما كون لدينا ملكة اللغة، بحيث نقارن تلقائيا ما نسمع بما نحفظ، دون أن نفكر بإعراب الكلمات أو الجمل، وحتى معلم الرياضيات كان يطلب منا أحيانا أن نعرب كلمة أو جملة من النص لنفهمه. ونرى اليوم، وللأسف الشديد، الكثيرين من خريجي المدارس الثانوية، لا يحفظون بيتا من الشعر ولا حتى جدول الضرب، لانشغالهم بالآلات الحاسبة، ولا إعراب كلمة، ولا يجيدون القراءة بلغتهم الام، وإذا أجادوا القراءة فلا يفهمون. مجمع اللغة العربية، الذي أحد أهم أهدافه، الحفاظ على اللغة وتطويرها، لا نراه يحرك ساكنا ويلقي بثقله ليمنع هذه الكارثة. فمن الواجب أن لا تقتصر نشاطاته على الندوات والاحتفالات وتوزيع الجوائز، رغم ما لذلك من أهمية، بل عليه استعمال كل الوسائل المتاحة لرفع مستوى تعليم اللغة العربية من حيث الأساليب وساعات التدريس، بمقدار ما تستحقه هذه اللغة، وهذا ما لا نراه أو نشعر به. فشمروا عن سواعدكم أيها الرجال وانتشلوا اللغة العربية من الدرك الذي وصلت إليه.

الأثنين 8/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع