ملاحظات على الهامش (7)


إبراهيم طه


**روايتنا الفلسطينية
مستشرقتان كبيرتان من ألمانيا، بروفيسورة سوزانة إندرفيتز والبروفيسورة فريدريكي بانِفيك كتبتا مراجعتين ‏شاملتين في مجلتين اختصاصيتين عن كتابي القديم (2002) "‏The Palestinian ‎Novel: A Communication Study‏"، وهو في روايتنا الفلسطينية المحلية. لقد ‏رأت كلتاهما في هذا الأدب جوانب جمالية كثيرة أكثر ممّا رأيته أنا. وكأنهما تلومانني ‏على نظرتي "غير المتسامحة" إلى هذا الأدب على نحو ما يظهر في الكتاب. وهذا ‏أفضل ألف مرّة ممّا لو كان الأمر معكوسًا. هذا أفضل ممّا لو كنت أنا الذي يستميت في ‏الدفاع عن جماليّات أدبنا المحلي وهما اللتان تصرّان على كشف ما يعيبها... ‏


كنت قد أشرت في الحلقة السابقة من "ملاحظات على الهامش (6)"إلى علاقتي العابرة بإميل حبيبي في ثلاثة مواقف جمعتني به لا تحمل معاني كبيرة. كانت المرّة الأولى في جامعة حيفا، في الثمانينيّات، في ندوة عن "لكع بن لكع"، حيث قال إنّ أسلوبه في "لكع" هو تحوير مسرحي لبعض الممارسات المسرحية في تاريخنا الثقافي القديم. وأذكر أنني سألته: "وهل هناك موروث مسرحي عربي قديم؟" كان سؤالي قد استفزّه قليلا، هكذا شعرت ولم أفهم لماذا، فبدا لي في ذاك الوقت أنه يجيبني جواب العارفين... والمرّة الثانية في بيت الكرمة في حيفا في مطلع التسعينيّات. قلت له حينها إني أكتب عن "المتشائل" دراسة باللغة الإنجليزية فأسعده الأمر، وقلت له أيضًا إنّ لي بعض المآخذ على الرواية فنادى على سهام داوود بصوته الأجشّ وقال لها "هذا ناقد آخر يكتب عن المتشائل"، وطلب منها أن تتابع الأمر معي حين يصدر المقال ليناقشني في هذا الموقف "الجريء". صدرت الدراسة ولم تتابع سهام داوود الأمر... وكانت المرّة الثالثة في كلية بيت بيرل في مطلع التسعينيّات أيضًا. وقد دُعيت إلى المشاركة في ندوة أدبية هناك معه ومع المرحوم سميح القاسم. لكنّ إميل حبيبي غادر القاعة حين رأى سميح القاسم. ولم أفهم آنذاك سبب الخلاف. فهمت لاحقًا من سميح القاسم أنّ الموضوع لا يتّصل بالأدب، فلم أسأل لأنّ الأمر لا يفيدني في عملي كدارس للأدب. وحتى اليوم أنا أجهل سبب ذاك الخلاف... لم أعرف إميل حبيبي بصورة مباشرة لكني قرأت وسمعت عنه كثيرًا ممّن كانوا معه وحوله من رفاق درب ونقّاد وأدباء.    


**الشهادة الأولى:

يتحدّث الصديق الدكتور نبيه القاسم بإسهاب في كتابيه "مراودة النصّ" (2001) وخصوصًا في كتابه "إميل حبيبي: المثقّف الإشكالي" (2014) عن قوّة إميل حبيبي ودوره الحاسم وصوته العالي،الذي لا يعلو على صوته صوت،في كلّ المجالات السياسية والحزبية والأدبيةوالاجتماعية.يقول نبيه القاسم: كان إميل حبيبي "يتمثّل لنا الشخصية الأولى في الحزب، صاحب الكلمة الأخيرة. هو الذي يبتّ في المواقف الصعبة، ورأيه هو المقبول والمتّفق عليه. لا جدال معه، ولا يقبل بذلك". 


**الهامش:

لم ينجُ اختراق إميل حبيبي للقفص الحديدي، الذي فرضه العالم العربي حولنا نحن الفلسطينيين، بفضل "المتشائل"من ظلال تاريخية وسياسية وتنظيمية:
(1) كان إميل حبيبي في تلك الفترة، كما يشهد نبيه القاسم، في عزّ قوته الحزبية والتنظيمية ولا شكّ في أنّ انتماءه هذا قد ساعده في إيصال المتشائل لكلّ راغب في الداخل والخارج على حدّ سواء. مَن منّا لا يذكر دور الحزب بأدواته الإعلامية المعروفة في تسويق كلّ عمل أدبي كان يصدره أحد الكتّاب المحسوبين عليه ودور الناشطين الميدانيين في توزيعه من بيت إلى بيت. قيل عن إميل حبيبي إنه رجل صائت، أوتاره فولاذية، صوته عميق ممتدّ خشن يصل إلى كلّ النقّاد والدارسين.
(2) كانت "المتشائل" أول عمل أدبي فلسطيني جدّي وجريء ينشر بعد نكسة 1967 التي خلّفت وراءها أرضًا محروقة وأمّة عربية جريحة، دامية، مصدومة ومرتبكة. بهذا المفهومكانت الرواية استجابة تاريخية فورية لنتائج هذه الانتكاسة القاتلةتُكتب أمام عيني المحتلّ وتُرفع في وجهه مباشرة. هكذا تلقّاها العالم العربي آنذاك نوعًا من الانتصار الورقي بعد تلك النكسة المشؤومة. وكأنها جاءت في وقتهالتعيد لنا قليلا من ماء الوجه الذي غاض.



**الشهادة الثانية:

ويذكر نبيه القاسم اعتراف إميل حبيبي نفسه بالهفوات المختلفة التي ظهرت في بنية "المتشائل": "أما ما أعجبني في صاحب المتشائل فهو اعترافه أمامنا في الندوة الجميلة أنه ليس راضيًا عن كلّ ما كتبه في قصّته [المتشائل]، وأنه لو كتبها من جديد لكان غيّر فيها الكثير".

**الهامش:

لقد كتبت فصلا كاملا ومطوّلا عن نجاح الرواية وقدرتها على التواصل والتفاعل مع القارئ على ثلاثة مستوياتفي كتابي عن الرواية الفلسطينية المذكور أدناه (ص 55 – 86). وكنت قد أشرت إلى بعض هفوات الرواية في كتابي المذكور (ص 183 - 191) ألخّصها على عجل في ثلاث نقاط:
(1) اعتماد الخصومة التقليدية كثيمة أو موضوعة محورية في الرواية، ما يجعل الرواية متوقّعة في توجّهها الفكري العام. ونعني بثيمة الخصومة منطق التقاطب والصراع بين "الخير" و"الشرّ" ونحن نعلم قبلا، قبل القراءة، من يمثّل الخير ومن يمثّل الشرّ.
(2) ولعلّ الخصومة على النحو المشار إليه هي من أبرز دواعي التنميط في رسم الشخوص الفاعلة في النصّ. يبدو لي أنّ لجوء إميل حبيبي إلى شخصيّات نمطيّة جاهزة، ولو بصفة جزئية، قد حرّره من ضرورة الغوص في أعماقها النفسية وأبعادها المركّبة. وهكذا بالتالي لم تظهر هذه الشخصيّات بكامل خصوصيّتها وتمايزها الفردي.
(3) ولا شكّ في أنّ المباشرة هي أبرز إسقاطات تلك الخصومة وذاك التنميط. في الرواية آليّات تلقينية واضحة يستغلّها إميل حبيبي لضبط المسموح والممنوع في علاقتنا بالسلطة الإسرائيلية. 



**الشهادة الثالثة:

يتحدّث الصديق المرحوم حبيب بولس في كتابه "قضايا ومواقف أدبية" (1997) عن مسألة انكشاف الأدب العربي عامة والفلسطيني خاصة على الشعوب الأخرى وحضوره في الذاكرة الغربيّة. يقول أبو العبد (رحمه الله): "وإذا انتقلنا للحديث عن أدبنا الفلسطيني طبعًا ستكون المشكلة أصعب وأقسى وحارقة أكثر. إذ نحن لا نكاد نعثر على أوروبي إلا بعد جهد يعرف القليل عنا وذلك لقلة الترجمات ولقلة الإعلام عن هذا الأدب. والعملية تأخذ شكل المأساة إذا تحدّثنا عن أدبنا المحلي ولكن الفرق شاسع بين الأمرين. فنحن فعلا وبسبب الظروف لا نستطيع أن نقدّم للغرب إنتاجنا، وحين أقول الظروف أقصدها جميعًا سياسيًا وماديًا وإعلاميًا". 


**الهامش:

المحلية والإقليمية والعالمية هي ثلاث درجات مكانية تراتبية يسعى إليها الأدب الفلسطيني في الداخل بصفة خاصّة لاعتبارات أدبية ووجودية، وهذا حقّه وواجبه.غير أنّ بعض كتّابنا ما زالوا مسكونين بهاجس الهروب من المحلية إلى الإقليمية فالعالمية، هكذا بقفزة واحدةدفعة واحدة من جرن الماء إلى المحيط. وبعضهم يتحوّل الأمر عندهم إلى حالة كابوسية مرَضيّةتؤرّقهويظلّ يلهج بذكره في قيامه وقعوده إلى حدّ الهوس.
لم يصب أبو العبد من الحقيقة لاكبدها ولا قلبها. لقد بدأ أدبنا الفلسطيني عمومًا يقتحمبخطى ثابتةوحثيثة ذاكرة الاستشراق العالمي الحديث في أوروبا وأمريكامنذ عقود، ليس بفضل القضية بل رغم القضية. صحيح ما زال الغرب يتعاملون مع أدبنا الفلسطيني المحلّي كوحدة جشتالتية واحدة، على الغالب، فيدرسونه كظاهرة طولية امتدادية خاصّة ولمّا ينتقلوا إلى الدراسات العرضية والمقاربات العينية. لكنك، رغم كلّ ما قيل، تجد دراسات أكاديمية متأنية ببعض اللغات الأوروبية حول نماذج تمثيلية من هذا الأدب، مثلما تجد ترجمات كثيرة إلى بعض هذه اللغات، وهي في تزايد مستمرّ. وأنا أتابع عن قرب ما يحدث في هذا الاتجاه من عمليّات اختراق لمفهوم المحليّة. وهذا الاختراق يتمّ، على نحو لا يخلو من مفارقة غريبة عجيبة، من المحلية إلى العالمية بقفز عريض فوق الإقليمية. ما يعني أنّ أدبنا بات معروفًا في العالم الواسع أكثر ممّا هو معروف في أقاليم العالم العربي. وممّا يُؤسف له حقًا أن يحظى هذالأدب باهتمام المستشرقين أكثر ممّا يحظى به من اهتمام في العالم العربي كله. يحيطنا "الأشقّاء" العرب بقفص من حديد. وصناعة الأقفاص هي صناعة عربية بامتياز. بعد انهيار الحلم القومي في نكسة حزيران تبعثر مفهوم"الأمّة" العربية وتفتّتت في دويلات وأقاليم ممزّقة، تبخّر مفهوم "القوم" وتجذّر مفهوم "الشعوب"، وتشظّى الأدب العربي إلى آداب عربية إقليمية كما تفرّق النقد الأدبي العربي إلى وحدات نقدية وطنية خاصّة بعد أن كان مدًا قوميًا عامًا...
أعرف الكثيرين في الغرب في أوروبا وأمريكا، وهنّ على الغالب كثيرات، ممّن يُعنون بأدبنا عناية أكاديمية خاصّة. أعرفبعضهم معرفة شخصية عن قرب، وثمة كثيرون لمّا ألتق بهم. كانتمستشرقتان كبيرتان من ألمانيا، بروفيسورة سوزانة إندرفيتز (Suzanne Enderwitz)، رئيسة قسم الدراسات العربية والإسلامية والشرقية في جامعة هايدلبرغ، والبروفيسورة فريدريكي بانِفيك (Friederike Pannewick) رئيسة قسم الدراسات العربية والإسلامية والشرقية في جامعة ماربورغ سابقًا، قد كتبتا مراجعتين شاملتين في مجلتين اختصاصيتين عن كتابي القديم (2002) "The Palestinian Novel: A Communication Study"، وهو في روايتنا الفلسطينية المحلية. لقد رأت كلتاهما في هذا الأدب جوانب جمالية كثيرة أكثر ممّا رأيته أنا. وكأنهما تلومانني على نظرتي "غير المتسامحة" إلى هذا الأدب على نحو ما يظهر في الكتاب. وهذا أفضل ألف مرّة ممّا لو كان الأمر معكوسًا. هذا أفضل ممّا لو كنت أنا الذي يستميت في الدفاع عن جماليّات أدبنا المحلي وهما اللتان تصرّان على كشف ما يعيبها... كنت قبل سنوات قليلة قد استضفت في بيتي اثنين من طلبة الدكتوراة الأوروبيين الدكتورة إيسادورا دي أيمو (Isadora d'Aimmo) الإيطالية حين كانت تكتب أطروحة الدكتوراة بإرشاد البروفيسورة إيزابيلا كاميرا دي أفليتو (Isabella Camera d'Afflitto) المستشرقة الإيطالية المعروفة باهتمامها الخاصّ بالأدب الفلسطيني في هذي البلاد، والتي كنت في ضيافتها قبل سنوات قليلة في جامعة في روما، والدكتور الكاتب جون ماهر (John Maher) من إيرلندا. وكنت قد التقيت أيضًا بالمستشرقة السويدية المعروفة أنيت مانسون (Anette Månsson) من جامعة أوبسالا Uppsala)) في السويد وهي تُعنى بالشعر الفلسطيني عامة وشعر محمود درويش خاصّة. يتّصل بيطلبة دكتوراة من أوروبا وأمريكاباستمرار. أتوقّع أن يستمرّ الاهتمام بهذا الأدب المسجون في قفص من حديد ساهم العرب في صنعه مثلما ساهمت به إسرائيل... على العموم، أنا متفائل ولا مكان للقلق في هذه المسألة.

الأثنين 8/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع