أمّي


د. نبيه القاسم


لوحة للفنان الفلسطيني نبيل عناني


** لماذا أنا..
كان يسير خلف جثمان ابنه وهو ينظر إلى السماء ويتساءل بإنكار:‏ لماذا اخترتَ ابني بالذات؟ ولماذا تمتحنني أنا؟ ماذا مع كل الآخرين؟ أهذا هو عدلك ‏الذي يتحدّثون عنه؟ خذني أنا أيضا، أَمتني، لماذا تتركني أتعذّب وأموت كل لحظة. إذا ‏كان هذا هو عدلك فأرفضه. وسأكفر بكل شيء. بكل ما له علاقة بك.‏ استنكر معظمُ مَنْ سمع كلام نمر العرسان وقالو له محذّرين:‏ إياك يا شيخ تكفر، هذه حكمة الربّ وإرادته. وهو غفور رحيم، ولكنه شديد الانتقام ‏فاستغفره وتَقرّب إليه...



اعتاد وزملاؤه في العمل على قراءة مثل هذه التّعازي التي تتكرّر أسبوعيا، حتى أخذوا يتندّرون على السكرتيرة ويُنادونها بعمّي النّاعي، ويسألونها كلّ صباح:
-هل مَن فقدناه هذا اليوم؟
وهي تُجيب متبرّمة متظاهرة بالتّعقل:
-لا أحد حتى الآن. أرجو أن يفوت اليوم على خير.
ولكن أيّ خير هذا والعديد من المرّات في السنة الواحدة نُشيّع أحدَ أفراد الأسرة لهذا الزميل أو ذاك، وأيّ إحْراج يحدث للواحد منّا إذا  صدف ولم يُشارك في هذا اليوم!
وكان هو الأكثر تضايقا لأنّ الرئيس المحترم إذا تأخر عن حضور الجنازة طلب منه أن يلقي كلمة نيابة عنه. ولهذا كان يستعد لمثل هذا الموقف، ويهتم أن تكون كلمته قوية وعميقة ومثيرة ومحزنة ومختلفة، وأهم شيء أن لا ينسى الاعتذار عن حضرة الرئيس الذي اضطرته مشاغله ومسؤولياته العديدة على التأخر، وأنه سوف يقوم بواجب العزاء في أقرب فرصة.
كان في كل مرّة يعود بعد مشاركته في مراسيم الدّفن بمشاعر متناقضة فتسمعه يُدندن لحنا حزينا وهو يستحم، وتلحظ بريق الدمعة في عينية، وبين الفينة والأخرى يكرر قائلا:
- طز على هيك دنيا. شو يعني، ما كلّنا ميّتين، وشْمعنا بضَخْموا  وبكبْروا مصيبتهم!!
هذا الشهر كان ثقيلا على الجميع فلا يمرّ أسبوع إلّا ونَعْي جديد، حتى بتنا نتشاءم من السكرتيرة ونرجوها أن ترفق بنا، فعندنا أولاد ولا نريد أن نموت مبكرا ! وتُحرَج السكرتيرة وتُجيب بحزن:
- وأنا شو أعمل مجبوره أعلن الخبر!
فقد ماتت هذا الشهر الدكتورة عبير والسكرتيرة سلام وأم الدكتور حسين وزوجة الدكتور زكنون وأم الأستاذ عصام وزوجة المفتش جلال إضافة إلى ابنة الدكتور خالد وأم الدكتور فتحي، وخيّم الحزن على الجميع فألغيت كل الاحتفالات واقتصرت على الكلمات الروتينية الجافّة.
كان في الليل، بعد أن ينام الجميع، يجلس في فراشه، ويستعيد كلّ ما مرّ عليه ساعات اليوم. وكثيرا ما كان يسأل نفسه:
- أحقا الموت بكل هذه البشاعة. وإذا كان كذلك فلماذا يسارعون ويقولون إنه حقّ، ويرضون به لأن الحياة بدونه لا تستمر، وإذا ما أظهر واحد عدَم رضاه بموت عزيزه سارع الكثيرون ليحذروه:
- إياك أن تكفر. الله قرّر ذلك، هذا حكمه ولا رادّ له. والله عادل في حكمه وهو يجرّب الناس ليختبر صدق إيمانهم.
-وتُثيره هذه الكلمات "الله عادل في حكمه ولا رادّ له، وهو يجرّب الناس ليختبر صدق إيمانهم".
  ويتساءل باستنكار: 
- أين عدلُه؟ ولماذا يُجرّب الناس؟ ومَن كلّفه بذلك! كيف يَحرم الأم من أولادها والأولاد من أمّهم والزوج من زوجته والأخ من شقيقه أو شقيقته، وبعد كل ذلك يقولون: إنّه عادل، وحُكمه لا رادّ له!
ويتذكّر مشهد جنازة ابن الشيخ نمر العرسان ، كيف تعاطف الناس معه وشاركوا في الجنازة، فنمر رجل فقير مقطوع من شجرة وابنه وحيد لم يُرزق بغيره، فقد ماتت أمه بعد ولادته. كان قُرّة عين والده، فرعاه ووفّر له كل حاجياته وأصرّ على تعليمه، حتى تخرّج طبيب عيون قَدّ الدنيا، وعلى غير موعد وبدون أيّ إشارات سابقة مات ابنه اثر سكتة قلبية. وحزن كل أهل البلدة، وبكاه الجميع. لكن الذي لم يُعجب الأغلب وانتقدوه، تصرّف الوالد نمر العرسان. فقد كان يسير خلف جثمان ابنه وهو ينظر إلى السماء ويتساءل بإنكار:
-لماذا اخترتَ ابني بالذات؟ ولماذا تمتحنني أنا؟ ماذا مع كل الآخرين؟ أهذا هو عدلك الذي يتحدّثون عنه؟ خذني أنا أيضا، أَمتني، لماذا تتركني أتعذّب وأموت كل لحظة. إذا كان هذا هو عدلك فأرفضه. وسأكفر بكل شيء. بكل ما له علاقة بك.
استنكر معظمُ مَنْ سمع كلام نمر العرسان وقالو له محذّرين:
-إياك يا شيخ تكفر، هذه حكمة الربّ وإرادته. وهو غفور رحيم، ولكنه شديد الانتقام فاستغفره وتَقرّب إليه.
ويعلو نحيب نمر العرسان:
-هو غفور رحيم؟! شديد الانتقام ؟؟ أستغفره..؟! أتقرّب إليه؟!!
ويتدافع نحيبه، ويسارع الكثيرون لتهدئته وتخفيف حزنه.
لم ينم تلك الليلة، ولم يجد الرّاحة ولو للحظة، كان ينتقل من مكان إلى آخر في الغرفة، يفتح الشباك وينظر نحو البعيد كأنّه يبحث عن شيء أو إنسان افتقده. يحاول كبتَ روحه ومسح بعض الدموع التي تساقطت..
كانت صور الأعزاء الذين تركوه وفارقوا الحياة تتراءى له بين أضواء أعمدة الكهرباء المنصوبة في الشارع أمام بيته، هذا والدُه يُشرّقُ نحو قطعة الأرض التي قضى عمره يعمل فيها، وهذا شقيقه الدكتور الذي فجأة سقط وفارق الحياة، وهذا شقيقه الثاني فاتح العينين ولكنه فاقد الحياة وحده في الغرفة بينما الآخرون لاهون، وهذا رفيق عمره يذبل ويموت ببطء.
وأخذت الوجوه تتسارع وتبتعد وهو يُجهد نفسه للتعرّف عليها، وسقط على سريره ولم يستيقظ إلا ساعات الصباح الأولى.
استعاد في ذاكرته كل أصحاب الوجوه الذين رآهم، فجأة شعر بوخزة قويّة وتساؤل كبير حول غياب وجه أمه، ولماذا لم تظهر له ولو مرة واحدة؟ وتوقف ليستغرب تساؤله حول غياب أمه وعدم ظهورها:
-هل كانت لي أم كباقي الأولاد؟ إلى أين ذهبت؟ لا أذكر وجها لها ولا صوتا ولا شكلا. أذكر مشهدا واحدا: كانت عشرات النسوة تتجمعن في صحن الدار الواسع تُحطن بامرأة تلبس النقاب، تغمض عينيها وتستلقي بطولها على السرير لا تُحرّك ساكنا. كان تعليق بعض النسوة يُثير تساؤله وهنّ ينظرن إليه وهو يلتهم عروسَ الخبز مع اللبنة بتلذذ:
-مسكين هاليتيم مين بدو يدير بالو عليه!
ينظر إليهن باستغراب فتخجلن ويوارين وجوههن.
لم يبك تلك الليلة التي فقدَ فيها أمّه، وحتى لم يحزن: فقد اعتاد على غيابها بعيدا في المستشفى، ووجهها بالكاد يتذكّره. لكنه يذكر ما أحسّ به مساء أحد الأيام والبكاء الذي بكاه.
فقد خرج يلعب مع أبناء عمومته وأصدقائه الصغار بفرح وسرور حتى سمع زوجات أعمامه كل واحدة تنادي أولادها للعودة إلى البيت فقد عتّمت الدنيا. وابتعد الرفاق وتباعدوا، وظلّ وحده في الشارع ينتظر مَن يناديه ليعود.
وتكرر المشهد يوميا، ويوميّا بدأ يزداد حزنا ويُحسّ بالغربة والوحدة والرغبة في الانزواء عن الجميع.
يجلس وحيدا ساعات طويلة من النهار بعيدا عن عيون الجميع ليسأل عن أمّه؟ وهل بالفعل له أم؟ لماذا ذهبت ولم تعد؟ لماذا تهمله ولا تعتني به كباقي الأمهات؟ كيف لا يذكر لها صورة. وفي المساء وبينما كانت شقيقته تروي له قصة الأمير حسن سألها:
- وأنا يا أختي، أين أمي؟ لماذا توجد أمّهات للجميع إلّا لي؟
وتحضنه شقيقته، وتُهدهده باكية وتقول:
-أمّك أحلى أمّ، ذهبت في مشوار طويل اختارها الرب له، وستعود مُحمّلة لك بكلّ ما تحبّ من الألعاب والحلوى.
يملؤه الفَرَح، ويكتسي وجهه الصّغير بابتسامة كبيرة، ويروح في حلم جميل، تحضنه فيه أمّه وتغني له بصوتها الناعم الجميل:
نام يا حبيبي نام
لَأذبَحْلك جوز الحمام
يا حمام لا تخافوا
بسّ بدّي حبيبي ينام.

الأثنين 8/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع