القروي والمدني (45)


نمر نمر


**مصروف جيب
إسْتَنا يَمّا يا حبيبي تَيْبيضوا الجاجات، إلَكْ وْلاْخوك بيضتين من راس الكوم، بتروحوا لعند عمكو علي، إيدو سْخِيّة، بْتِشْتْروا: قضامة صفرا أو مالحة، قُمْبُز، مْلَبّس عَ جوز، بزر ميّال الشّمس، شو ما بدكوا، إيديكوا إلكو، لا تنسوا تْطعموا صْحابكو وجيرانكو، هذول حالتهم شحيحة، ما بدّي أوَصّيكو، أنا وأبوكو رايحين ع َ الدّبشة ، بعد عنّا شويّة حَبّ بذرناهن إمبيرح وما لْحِقنا نُنْكُشْهن، بس سيعتين زمان، في عنّا كمان حِمِل حطب مقطوع، سلابيط كبيرة، النّار فاكهة الشّتا، كلّ سلبوط/قرميّة بيطعمي النّار نهار كامل، منجيب في دربنا شْوَيّة بلّوط مَلّ، أطيب من الكستنا


هما شقيقان لِأبَوَيين فلاّحَين،عائلة مستورة ، نشأت على رزق الحلال وعرق الجبين، كاتفوا بعضهم في السّرّاء والضّرّاء، قوم يا عبدي تَأقوم معك، نام يا عبدي ما بَنْفَعَكْ،حَرٌّ وقَرّ،، إصْبَح تِسْرح ، قلع وزرع ، من طلوعها لَمْغيبها، الصّغار جميعًا لم يعرفوا الطّفولة ، لا شقاوتها ولا دلالها، إندعكوا وتعبوا، خرق الزّمهرير عظامهم الغضّة، لكل فرد منهم مهمّة،الأمّ قويّة تجيد توزيع الأدوار وتبادلها،كي تزرع في نفوسهم المساواة وحُسن التّعاون ،بين فترة وأخرى تدلّلهم بوجبة ساخنة دسمة، تذبح ديكًا أو دجاجة عِتْقِيّة، الدّهن في العتاقي، وتعِدّ طبخة مغربيّة  مِحِرزة، دِسْتْ أبو حلق ،هي التي تجيد صناعة المفتول على الأصول، ذاع صيتها في البلدة وخارجها، تكثر من البهارات، البصل والحُمّص في الزَّفَر، مصفاة المفتول فوق الدّست، حتى يتسلّل البخار عبره، وتضع فوق المصفاة رغيف خبز عربي بلدي، مدَوّر ع َ البيكار، كي يمنع تسرّب بخار الزّفر إلى أعلى ، فيفقد المفتول دسامته! ولم تنس دعوة الأقارب والجيران على العشاء، ومن يتعذّر عليه الوصول، الأبناء على أهبة الاستعداد  لإيصال نصيب الغائبين من عظام الرّقبة، لا تمزج المرقة مع المفتول، لِئلاّ يُجَبّل ، ولن تنسى قطعة لحمة لكلّ أسرة، كل شي ع َ الأصول،أحسن مصروف جيب يومي وأسبوعي: إسْتَنا يَمّا يا حبيبي تَيْبيضوا الجاجات، إلَكْ وْلاْخوك بيضتين من راس الكوم، بتروحوا لعند عمكو علي، إيدو سْخِيّة، بْتِشْتْروا: قضامة صفرا أو مالحة، قُمْبُز، مْلَبّس عَ جوز، بزر ميّال الشّمس، شو ما بدكوا، إيديكوا إلكو، لا تنسوا تْطعموا صْحابكو وجيرانكو، هذول حالتهم شحيحة، ما بدّي أوَصّيكو، أنا وأبوكو رايحين ع َ الدّبشة ، بعد عنّا شويّة حَبّ بذرناهن إمبيرح وما لْحِقنا نُنْكُشْهن، بس سيعتين زمان، في عنّا كمان حِمِل حطب مقطوع، سلابيط كبيرة، النّار فاكهة الشّتا، كلّ سلبوط/قرميّة بيطعمي النّار نهار كامل، منجيب في دربنا شْوَيّة بلّوط مَلّ، أطيب من الكستناـ وْكمان شْويّة قلقاس، سُكّر عجوز، وِعْقالين بُزّيز، في الوعر خير الله،بَسْ نِحِمْدو وْنُشكرو.
 في هذه البلدة الوادعة، أمّ الخير، الكلّ سواسية، ما بتعرف تْمَيّز حدا عن حدا، الدّرزي والمسيحي والمسلم بتشاركوا أو بتجاملوا على الفلاحة، بيكاتفوا بعضهن ع َ الخير والشّر، إن شا الله ما حدا يشوف شَرّ!، وبما أنّ اكثريّة السّكّان من الدّروز، فَإنّ النّساء المسيحيّات والمسلمات يرتدين نفس الأزياء المُحْتَشَمة، حتّى النّقاب/ التّخفيفة/ الفوطة، لَفّة الرّاس والسُّترة، الله يُستر ع َ جميع خلقو، وهذا ليس إكراهًا لا سمح الله، ولا مُساترة ، ولا خشية من أحد، إنّما واجب، كول كما يطيب لك والبس كما يليق بالنّاس، هيك تْربّوا، وهيك عاشوا، بس ما فيه زواج مختلط، احترامًا للجميع، تذكّر سمعان قصّة الباشا العكّاوي الذي خَلَف الجزّار باشا، والذي أصدر فرمانًا عامًّا، قبل شي ميتين سنة، تُمنع النّساء المسلمات من الخروج إلى الشّارع سافرت، عليهنّ إرتداء الحجاب/ألْحَبَرة، فما كان من الخوري إلاّ أن يُطبّق الأمر على النّساء المسيحيّات، استدعى الباشا الخوريَ لجلسة مشتركة لاستطلاع الأمر، وبعد استفسار ومجاملات، قال الباشا: أمري ينطبق على النّساء المسلمات، وليس على نسائكم! قال الخوري ضاحكًا: يا باشا! إذا أنا ما بشوف وجه مَرَتَكْ، ليش إنتي تشوف وجه مرتي! ضحك الباشا وصرفه باحترام، وما دمنا في سيرة الباشوات، فِلكلّ منهم حسنات وسيّئات، حتى أحمد باشا الجزّار البوسني والي عكّا، رغم البَقْر والبطش والرّمي في حيطان الكلّين /الدَكِّة، كانت له بعض المواقف العادلة، ليس مع بائعة الّلَبَن وحسب، بل في مواقف أخرى،فقد وشى بعض الوُشاة والعيون بأنّ قرويًّا من بلدة أمّ الخير وجد كنزًا طبيعيًّا في أرضه، وأخفى ذلك عن الباشا أو مبعوثيه، استدعى الباشا ذلك الفلاّح مُتهمًا شامتًا متوعّدًا، وبعد التّحقيق والتّهديد والاستفزاز، اعترف القروي  بأنّه حقًّا وجد كنزًا!
- وما هو هذا الكنز، أفْصِحْ حالًا؟
- يا باشا! حَرّاثي ابن مَرّتي (ابني)، وْثوري ابن بَقْرتي، وْأرضي ورثتها من بوي وْجدّي، وِوْلادي جنبي! شو بدّك أحسن من هيك ثروة طبيعيّة!
تغرّب الكبير واكتسب ثقافة شكليّة  واستمدن وتفرنج، وصار يحكي لهجة المدن: ألّي، ألْتِلّو،ألولي ألْتِلْهن وهو كَزلكْ ، إتْنين، تلاته ، إزَن ... ، تَمَكْيَجَ وَتَمَنْكر، صبغ شعره ، تَبَوْدرَ وَتَحَمَّرَ كبنات حوّاء ، ربطة العنق لا تفارقه، يدخل البيوت دون إحِّمْ ولا دستور، ولا يا ساتر، وبدون أن يقرع الباب، يبدأ الهَشْتْ على المْكَبّر، قابلتُ الملك، ونصحتُ مَلِكَتَهُ، غَنَّيْتُهُ المواويل وأنشدته القصائد والعتابا والميجانا، أحسنَ استقبالي ووفادتي، واعتبرني أحد أفراد أسْرته! صُرنا خوش بوش، وحدة حال، عال إلعال، ثم تنازل المُسْتمدن عن بعض كبريائه، فقابل كبار النّجوم العرب،كما زعم، وصَحّحَ بعض الألحان لفريد الأطرش وعبد الوهّاب، أعجب الوّهاب بثقافته الموسيقيّة وصوته الجبلي الصّافي، فبادره قائلا:
- إنْتَ كُنْتَ مِسْتَخَبِّي فين يا راجِل! دَا إحنا عاوزينكْ جنبنا خالص، أوي أوي تمام ! ونسي القاف المُفخّمة والرّعِيّة بالعنزات والبقرات .وَتَقَرْوَنَ الصّغير واكتسب ثقافة حقليّة ميدانيّة إلى جانب والدَيه، تمسّك بجذوره وأصوله، طوّر فلاحته بالأساليب العصريّة، وشكر وحمد ربّه على هذه النّعمة التي رزقه بها، وصار مثالًا حيًّا للفلاح المجتهد، فلاح مكفي مَلك مخفي.
يلتقي الأخوان في المناسبات العامّة في بلدة أمّ الخير، يزور المدني مسقط رأسه، يُطوطِحُ بيدَيه، لا قُدّامو ولا وراه، يستقبله القروي بالتّأهيل والتّرحاب، ويحمله على الرّاحات،وينصرف لمزاولة أعماله اليوميّة قائلًا: خيّا البيت بيتك، إيدك إلَكْ! خلّيني أروح عا شغلتي، والملتقى مساءً!
- رافقتك السّلامة ، وأنا سأزور أصدقائي ، ولن أشعر بالوحدة أو الغُربة!
- أنا بَتّْكِلْ عليك، بَسْ ما تْعَزِّر غلينا عند أهل بلدنا، إحْترم حالك بْيِحْترموك!
- لا تْوصّي حريص ، وأنا ما بَبيع رْخيص!
  يتقصّد المدني بيوت من يدّعي صداقتهم  ومزاملتهم، بعد أن يسكب على نفسه عِدّة أنواع من العطور النسائيّة والرّجاليّة معًا،فيختلط الأفتر شيب مع الشَّيْب والبصل والثّوم والبريليَنْت كريم، وقبل أن يقرع باب أحدهم، يصيح  ويزعق بأعلى صوته: حيّاكَ يا كَنْزٍ ظهر من موزَعي   رَنِّ نقودك في الضّواحي تلمعي!
 يُذْعَرُ الصّغار وأهل الدّار من هذه الضّوضاء المُفتعلة، يختبئون خلف الأبواب والكنبات قائلين: يابا إجا عُزْرايّين!
- لأ يابا هذا مش غراب البين، هذا عمّكو سليم!
 يبدأ بالهَشْتْ، طالع نازل، شروي غروي، الفنّانان المصريّان : بيجو وأبو لمعة، ما بيوصلوا لَزُمْعو! تقول له ثَخَّنْتها يا رجل، إتَّقِ الله! ولكن، لا حياة لِمن تنادي! فيواصل المدني مُطلقًا العنان لمخيّلته وغيبيّاته وقفشاته الجِحَوِيّة  والدّونكوشوتيّة والخنفشارية، لا بتنزان في ميزان ولا بيشيلها قبّان! قُلْ : غربالًا، كربالًا،حالولًا، تحاول أن تضع له حدًّا، يقلب الموجة ويبدأ بِأخرى أسوأ من الأولى ، فيصنّف البشر طبقًا لمزاجه وأهوائه، تقول له: نحن الإثنان دفنّاه معًا! يُطَنِّشْ، ما عند قريش خبر! دُقّو ما بيندَق ، بِلّو ما بِنْبَلْ! تشكوه إلى أخيه وذويه، يقولون لك بلغة الفلاّحين: قَطَع شْكالو وْدّشَر، تْغَرّب وِتْعَوّد ع ّ الفّشَر،يجمع له القروي ما في بيته من حاجيّات وامتعة ضروريّة كهديّة ويقول له: رافقتك السلامة، لَمْ تهدني أيّ حَمَل، خُذ وانصرف  ألْفَي جمل! تشفق لحاله،ينفطر قلبك وجعًا، غاب وغاب صوابو، العوض بسلامتكو، ما بيغيب راسو حتّى يْطُلّوا إجريه، بِتْحُطّ الحُزن بالجرّة والمُتّكَل على الله! الله ما بيبلي حتى يْعين، لِمَن تشكو أمرك؟تقول له: للصبر حدود! يتظاهر بالطّرَش!
عرف عبد الله أنّه لن يفلت من مرصد وردار أبي إياس، القاعد في المتراس، عينان ساهرتان يقظتان، أيقظ من نوم الغزلان  عند أبي علي! لن تغفوَا أو تكبوَا، رغم تراكم العمل والالتزامات، ولديه من الوسائل التّقنيّة،قلّما يوجد نظير لها لدى الآخرين، يشرع ميزان الحق، (وإذا حكمتم بين النّاس فاحكموا بالعدل)، (ولا تبخسوا النّاس أشياءهم)، فهمس بإذن عبد الله:ألا تشبه حكايتك حكاية الأخوَين المغتربين: رشيد سليم الخوري (القروي) الذي لُقِّبَ بشاعر: جُرْن الكُبّة، سُخْريةً، فاعتزّ بذلك وافتخر، وشقيقه قيصر رشيد خوري (المدني)، وهما من بلدة البربارة اللبنانيّة؟ ويُذَكّرانا بعيد بربارة والبليلة، وشرّ البليّة ما يُضحك، ورواية راوية في الصّدارة! واحذر العبور من السّياسة الى الأدب ، أو من الأدب الى السّياسة، كما فعل الحبيبي والنّفّاع! يا أخا العرب! على مهلك، ع َ الدّقّة وْنُصّ!
- يخلق الله من الشّبه أربعين! ومن مثلك يعي أشِقّاء التّاريخ ، منذ قابيل وهابيل، والخلفاء والملوك، وما كان بينهم من قطع رقاب وتعليق مشانق في السّاحات العامّة! وتضيف، خلّيها على الله، شوف شُغلك والباقي على الله وَخَلِّ الحساب ليوم الحساب!


**وسنة يُمْن، بركة وسلام عادل

الأثنين 8/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع