شتاء

فريد غانم


ها هي المواقدُ تزغردُ؛ ألسنتُها من البرتقال، أرديتُها حنّاءُ.
وها هي الأحطابُ تهمسُ وتُهدهدُ وتنحني وتذرفُ دموعَ الفرح السّاخنة. فقد جاءنا مولودٌ جديد، شعرهُ من الرّياح والعواصف، قبّعتُهُ غيمةٌ، عيناهُ جدولانِ، حاجباهُ قوسا قزحٍ ووجهُه طافحٌ بحبّات عرقِ الآلهة القديمة.

**ميتامورفوزا
وإذن، ها هم ما يزالون يخرجون من كهوفِهم، يستردّون الصّباحَ الذي تبخّرَ في اللّيلة الفائتة، يطرحون ظلالَهم الرّماديّةَ خلفَهم أو أمامَهم وينطلقونَ خلفَ الكلأ؛ جعبتُهم ملآى بالغرائز، أقدامُهم مشحونةٌ بالوثَباتِ، سيقانُهم معبّأةٌ بالرّيح، أيديهم مدجّجةُ بالمخالب، ووجوهُم جاهزةٌ لكلّ الاحتمالات.
عندَ جدارِ وول ستريت، تحتَ شمسٍ تتناقصُ كلَّ يوم، تتساقطُ لِحاهم، فيغتسلون بالعطورِ المحبوسةِ في القوارير، يرتدونَ خيوطَ دودةِ القزِّ وقطعانِ البوفالو ووبرِ الدّلتا، يتقنّعونَ بوجوهِ الملائكة المستوردة من الأسطورة ويرقصون تحتَ زخّات الضّوء المزركشِ بال"كيتش".
ثمَّ يعودونَ إلى كهوفِهم المضاءة باللّون البارد، بطونُهم مكتنزةٌ بالورقِ الميّت، عيونُهم تطفحُ بالأوهام، أناملُهم أصابعُ ديناميت، أقدامُهم المطّاطيّةُ تدوسُ على رُفاتِ دُمى الأطفالِ من الحربِ الأخيرة، وعيونُهم مبلّلةٌ بمشروب الكوكا. ثمَّ يفتحونَ نوافذهم على أفقٍ ملتصقٍ بالجدار، تحتَ غيمةٍ مُخاطيّة، يخلعونَ جعبتَهم المكتظّة بالبلاستيك، يُشعلونَ شاشةً تندفُ احتفالاتٍ افتراضيّة، وينتظرون، فوقَ الأرضِ المحروثةِ حتّى العظام، ينتظرونَ عودةَ ظلالِهم المُهشّمة في الصّباحِ الأعرجِ التّالي.

**حزنٌ عتيقٌ
لولبيٌّ هو هذا الحزنُ العتيق. عتيقٌ هو هذا الحزنُ اللّولبيُّ. أراهُ يدلفُ منذ بدءِ الزّمان، من سقفِ مغارةٍ لم تُكتشفْ بعدُ. لهُ طعمُ الماءِ الباطنيِّ وحفيفُ مناديلِ الأمّهاتِ وقتَ الوداعِ ورائحةُ الظّلالِ حين يكنِسُها الضّياءْ.
يقولُ لي جدّي، كلّما عادَ إليَّ في شكلِ الصّدى، خارجًا من خوابي الزّيتِ على ظهرِ موّال لا ينتهي: "كن ما تشاءْ،
ولكن لا تكنْ ظلًا لغيرِك، كي لا تُداسَ حين ينتصفُ النّهار، أو تَمَّحي حين ينهمرُ المساءْ.
لا تكُن، يا بنيَّ، ظلًا لغيرِك، كي لا تموتَ كلّما خلعَتْ غيمةٌ فساتينَ شتائِها فوقَ أروقةِ السّماءْ".
ويقولُ لي، كلّما فرَّتْ من عينِيَ دمعةٌ أو مرَّ سربٌ من الطّيورِ فوقَ حجارةِ بيتِه: "واحرصْ أن يكونَ حزنُكَ موسميًّا. فاجعلهُ قمحيًّا في ليالي الصّيفِ، نُحاسيّا في الخريفِ، رماديًّا عند الشّتاءْ،
وورديًّا كلّما طاردَتْ سنونوّةٌ سربَ ذبابٍ في الفضاءْ".
لكنَّ حُزني عتيقٌ. أراهُ كلّما مرَّ قابيلُ في حيِّنا، أو كلّما تبخترَتْ دبّابةٌ على هديلِ حمامةٍ أو نقرَتْ نسورُ الجبال عيونَ المحاربينَ القُدامى أو شقَّ صراخُ يتيمةٍ جسدَ الهواءْ.
وحزني لولبيٌّ، ما يزالُ يصعدُ ثمّ يهوي، ثمَّ يصعدُ ثمّ يهوي، في دورةِ المياهِ الأولى من البحرِ الكبيرِ إلى البحرِ الكبيرِ، من القلبِ إلى القلبِ، منذُ ما قبلَ الابتداءِ إلى ما بعدَ الانتهاءْ.

الأثنين 8/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع