اتركوه نائمًا


راوية جرجورة بربارة


** الغافي الغافل
ما أصعب أن يختاروا لك أن تكون جنديًّا! وهل يُعقَل أن يليق التجنّد بكلّ الناس؟ هذا الغافي الغافل قربي هل سألوه رأيه؟ ولماذا أُشغل بالي وأفكاري به، ألومه؟ أشفق عليه؟ وما أدراني كيف يكون جنديًّا؟ إنّي أراه الآن بكامل هزيمته، بكامل إنسانيّته، بكامل غفوته التي لم تطل.. فالرجل الأجنبيّ مقابله لم يتوقّف عن التحديق به، يرمقه، وكأنّ له ذكريات حرب قديمة، ما الذي يزعجه هذا الآخر؟ انحنت رقبته بسهولة اتّجاه زوجته وشوشها شيئًا لم أسمعه...


دخل الجنديّ، الوحل قد جفّ على حذائه، حقيبته الكبيرة بلون ملابسه لم تسلم هي أيضًا من الوحل، فرشةٌ متّسخة لفّها ووضعها أسفل الحقيبة، وقف قربي لاتّساع المكان، فقد اخترتُ المقاعد الطوليّة في القطار، والتي لا تكون عادةً محطّ الأنظار، بل محطّ الدرّاجات وأصحابها، وقف وانتظر صديقه الذي يحمل شبيه حملِه، وضعا الحقائب مكان الدرّاجات، جلس زميله مقابلي، وجلس هو قربي، عن يساره وعلى مقعدين متجاورين جلست صبيّة محجّبة وبيدها رواية أليف شافاك "الفتى المتيّم والمعلّم"، لم تفتحها ولم تضعها في حقيبتها الجامعيّة، لكنّها أصرّت على احتضانها بين يديها، وبقربها فتاة وضعت سمّاعات الهاتف في أذنها إلّا أنّ صوت الأغنية العبريّة كان يصلنا جميعًا...
الجنديّ الجالس قربي يبدو متعبًا، بدأت أجفانه تلتصق بعضها ببعض.. وغفوته تحاول أن تهبه حلمًا جميلًا، قسطًا من الراحة.. وضع قدمًا على قدمٍ فاتّضحت لي الرؤية، بسطار بمقاس 46، فيه من الوحل ما يكفي للوشاية بما مرّ عليه.. وبدأت غفوته، تمنّيت أن تغفو كلّ جنود العالم" عن ثعالبها"، أن يمحى الجذر "ح. ر.ب " من قاموس البشر.. لا بدّ أنّه بدأ يتمتّع بغفوةٍ مشتهاة، فرأسه بدأ يثقل ورقبته بدأت تنحني.. مؤكّدٌ أنّه كان متأهّبًا لفترة طويلة، فرقبته تستصعب الانحناء، ما أصعب أن يختاروا لك أن تكون جنديًّا! وهل يُعقَل أن يليق التجنّد بكلّ الناس؟ هذا الغافي الغافل قربي هل سألوه رأيه؟ ولماذا أُشغل بالي وأفكاري به، ألومه؟ أشفق عليه؟ وما أدراني كيف يكون جنديًّا؟ إنّي أراه الآن بكامل هزيمته، بكامل إنسانيّته، بكامل غفوته التي لم تطل.. فالرجل الأجنبيّ مقابله لم يتوقّف عن التحديق به، يرمقه، وكأنّ له ذكريات حرب قديمة، ما الذي يزعجه هذا الآخر؟ انحنت رقبته بسهولة اتّجاه زوجته وشوشها شيئًا لم أسمعه، ولماذا أراقبهم؟ أسأل نفسي، أراقبهم لأكتبهم، لأقرأهم، لأفهمهم، لأتسلّى في سفرتي الطويلة...
الأجنبيّ لم يهدأ، توثّبت رقبته، عينه لا تفارق بارودة النائم، مدّ يده.. ربّت على رِجل الجنديّ، أيقظه وطلب منه أن ينزل فوّهة البارودة إلى الأسفل، باستغراب تامّ فتح الجنديّ طرف عينٍ، وأنزل فوّهة البارودة بالاتّجاه المعاكس؛ باتّجاهي.. وعاود يتابع غفوته... لا بدّ سيحلم بحبيبته، بانتهاء الحرب، بالانتصار على الآخر... على الذات.. بالأيّام القادمة.. بالحرب القادمة ربّما، بالحرب الفائتة، بالحرب البائدة، بالعرب العاربة والعرب المستعربة.. بالحرب التي شارك فيها والده، بالحرب التي ستنشب ويشارك هو فيها، أو تلك البعيدة التي سيشارك ابنه فيها.. دائرةٌ هي الحرب بلا هوادة..
هل تلك كانت أحلامه أم تخيّلاتي.. أشعر به وبأفكاره.. لن يخيّب ظنّ تهيّؤاتي وبندقيته موجّهة باتّجاهي..يا إلهي وشُغلتُ عن فوّهتها بتداعياتٍ غريبة، هل أوقظه؟ أربّت على يده؟ أريه خوفي من رصاصة طائشة!؟
ربّما أطلب من صديقه الجندي الجالس مقابلي أن يزيح فوّهة البارودة؟ ماذا لو أنزلتها أنا؟ أيصحو؟ أيغضب؟
أنقذني هاتفه ينذره باتّصال... يصحو، يقرأ، يكتب.. لا بدّ إنّها أمّه.. والده، صديقه، حبيبته، البنك؟ قائد الكتيبة؟ أخته؟ جدّته؟ خاله؟ عمّته؟ صديقته؟ من ذا الذي قطع عليه غفوته، وقطع عليّ تساؤلاتي وأفكاري؟
رمق الهاتف وأراد أن يتابع أحلامه... لا بدّ إذًا أنّها أجمل، وأنّها أفضل.. طأطأ رقبته وأسلم عينيه للنوم..
توقّف القطار ودخلت عربتنا مجموعة من الناس، وكأنّ المكان يتّسع لأفكار أخرى، ارحموني!
كيف سأراقبكم جميعًا وأسبر أغواركم وأعرف قصصكم؟ لو تصمت تلك السيّدة التي تتمتم وتلعن المواطن الذي يدفع النقود ليُحترَم فيقف.. وتلعن الدولة والنظام، ستوقظ الجنديّ، وحين توقظه سأطلب منه توجيه الفوّهة أرضًا، ما زالت تتمتم، لم تجد كرسيًّا، لم تقم لها تلك التي تسمع الموسيقى، ولا حاملة الرواية، ولا الجنديّ مقابلي فهو على صحوةٍ يحرس الحقائب والوحل، ولا أنا، فلتُنزلني من اعتباراتها، دفعتُ مثلها وسفرتي طويلة وحملي ثقيل وأفكاري كثيرة.. أرق الجندي وفتح عينيه.. رمقَتْه وتابعت مسيرها باحثةً عن مجلس شاغر، الناس تدخل والأبواب تغلَق، والحقائب الموحّلة تحتلّ الحيّز وتغلق على كرسيّ شاغر لقفته عجوزٌ بحمرةٍ زهريّة على شفتيها وجاكيت أحمر، وطلبت من الجنديّ الثاني أن يُبعد الحقائب لتجلس، بعض الفوضى في المكان كانت نتيجتها مغادرة الجندي الثاني وحقيبته المكان لأجل العجوز التي سُرّت بمقعدها الجديد واتّصلت بصديقتها لتجلسها قربها.. وإذا بأحدهم يقترب ويجلس ويقطع عليها دعوتها وفرحتها..
والجندي قربي.. يحاول أن يعود لغفوته.
نم.. ربّما لم تنم ليلتك.. لكن لو تنزل حذاءك المرفوع في وجهي، عندي حساسيّة من التراب والطين و... سأبدأ بالسعال... عندي حساسيّة من السلاح والحرب، ليتك تبعد البارودة من جهتي..
هل ستغفو دون أن تسمع أفكاري؟ هل ستوجّه فوّهة بارودتك نحو أليف شافاك؟ هل يزعجك التوجّه التركيّ؟ آه.. ربّما يزعجك هذا الفتى المتيّم الذي لا تستطيع أن تكونه وأنت في الحرب...
كلّا.. ربّما يزعجك هذا المعلّم... وهل للحبّ معلّم كما للحرب.. كلٌّ وقائده!
أفكاري بدأت تزعجك.. أشعر بململتك..
نم.. علّ الجنود إذا نامت.. استيقظ الحبّ.
وما ذنبك أنت؟ هل أنت من أعلن الحرب؟ هل أنت من اختار الملابس والطين والحقيبة والبارودة؟ لو خيّروك هل كنت تختارهم؟
استيقِظْ! علّك تجيب عن تساؤلاتي..
نم! علّ الحبّ ينمو.
احلمْ! اشعرْ! أنزِلْ قدمًا عن قدم! أبْعِدْ فوّهة البارودة! استيقظْ! كيف ينام "الجنود" والأمن غير مستتبّ؟
لو كنت أقبض على الأحلام كنتُ وزّعتها عليك لتنزل قدمك وسلاحكَ...
لو كنت أقبض على اليقظة، كنت أيقظتك من أوهامك..
لو كنت أنظر حولي أكثر لرأيتُ فاحص التذاكر يمدّ آلةً رصاصيّة نحوي يريد فحص بطاقة السفر وصحّتها.. ومصداقيّة ركوبي القطار مع كلّ هؤلاء، مددت يدي إلى حقيبتي، أعطيته بطاقةً خضراء أشحنها لكثرة أسفاري..
تناول من خاصرته آلة كشف الحقيقة.. وضعها على بطاقتي.. سألته: كم سفرةً بقي لي في البطاقة؟
نظر الكلّ إليّ وكأنّهم يريدونني أن أصمت.. هل قطعتُ عليكم أفكاركم؟ يرمقونني كلّهم، ينظرون إليّ وإلى فاحص البطاقات وإلى الجنديّ.. أسأل كم سفرةً تبقّى لي لأكون بينكم، وأرى أحوالكم، ما بالكم ترمقونني، أصابعكم تمتدّ نحو شفاهكم.. أراكم.. وأسمعكم تنبّهونني أنا والفاحص:
هش.. اش اش ستوقظونه.. اتركوه نائمًا!

السبت 13/1/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع