الحبّ بين العشق والهوى


عفيفة مخول خميسة


كما وعدت حفيدي وفيت. حكيت له قصة المدرّس معلم (مِش المدرّس المدرّس وبسّ).ما كان عليّ إلّا فتح باب ذاكرتي الأولى وسحب واحدة تتلاءم مع العنوان الموعود به، وإذ بالعنوان أعلاه يطفو على وجه القصص الباقية. لكنه لا يزال دون الإحساس بما تخبئ في ثنايا حروفه.لكن البديل حاضر، وبطلها حيّ يُرزق مدّ الله في عمره... إنه معلم الرياضة والزراعة في الصفوف الابتدائية، والموضوعان محكومان لإرادة الطقس، خاصة الشتويّ.الفراغ غير وارد،واحتياطي ملء فراغ الحصة حاضر على طاولة المعلم... طباشير بيضاء وملونة... وقد سمّى الحصة البديلة حصة رياضة عقلية، خيالية وترفيهية! وكان في كل حبسة مطر يستحدث شكلًا آخر من الرسم، كان يلزمنا في كلّ مرة على رسم موضوع مختلف عمّا سبقه: أرسموا خارطة البلاد... أرسما كرم زيتون... حديقة... شوارع القرية انطلاقًا من... العين، المدرسة و.... وكنّا نسميه في الشتاء معلم الرسم رقم 2 ... أما الأبقى في ذهني فهو قوله: سأحاول ما استطعت إيصال أجمل الرسمات لمصنع البلاط كنماذج... هذا، أثناء رسمنا البلاط الملون بخطوط وأشكال هندسية. فقد درج رصف المصاطب بالبلاط هذا كنوع من الترف تمكّن البعض من دفع ثمنه.
على جذع هذه القصيصة تمكنت من رفع فروع وأغصان شكّلت قصة ذات فقرات لملمتها من ماَثر كل معلم جملة، من معلمة الأشغال اليدوية، معلم الرسم (الأصيل)، الموسيقى، وكلهم يعلم مادة أخرى رئيسية كالحساب، الطبيعة، الجغرافيا والتاريخ إلى جانب هذه... أما معلمو اللغات فانحصر عملهم على اللغات لكّل الصفوف. وما أدراك من هؤلاء خاصة معلمي العربية ومديرهم وسيدهم المرحوم حنا مخول خطاط الكلام على اللوح وخطاط الأفكار في الأذهان... لك أن تتخيل بأي أسلوب تنتقل عدوى شغفهم إلى تلامذتهم. جدّ السرّ في عند قدرة الحبّ على توصيل كل الرسائل لكل الجهات. فقد كانوا آباء محبّين... علق الصغير بحسرة: "نيالكو كنتو تتعلمو بكيف"!.
أكتفي بالتعليق: "بحكيكي يا كنه تاتسمعي يا جارة". فهل من جارة/مدرّسة أو مدرّس تسمع ولو بنصف أذن؟! هذا نداء مخيبة عارفة حقّ المعرفة أن صدى صوتها لن يصل أبعد من أذنها إلّا قليلًا، إلى آذان المتألمين الناجين من محارق العلوم الجارية على قدم وساق...
هم أولئك المحشورة صدورهم بأفّ مكتومة خوفًا من وصولها إلى ما تبقى لديهم من أوراق مبيضات مدارسهم. أعتبر أن رسالتي مجرّد فضفضة لا تدفئ طرفًا بردان، مع أنني أتمنى أن أكون مخطئة.
لا تختلف قصة هؤلاء المدرسين المعلمين جوهريًا، عن قصة معلم اللغة في الثانوية، ذاك الذي بالرغم من ضلوعه وطول باعه في موضوعه لمّ يدّعِ علمًا يجهل بعضه، ولا نفخ صدره غرورًا يثبت تفوقه علينا، بل أصرّ وأقرّ بأنّ لكلّ مادة خيالها المؤهل لتقديمها كاملة الوضوح والأناقة. هذا بالإضافة إلى الكيف الشائق الذي قدّم المادة به، (ما زال حيًّا، فألف تحية له).
من علاماته المنقوشة في أذهاننا صياغته النصيحة قبل نقلها إلينا قولًا: من يسعى لإثراء ملكة اللغة والقبض على نواصيها عليه الالتزام بثلاثة: عدم حفظ القواعد، حتى الصرف منه.. فالاعتماد على الحفظ يسخف منطق القواعد، حافظ القاعدة لا يختلف عن مسافر بقطار شحّ وقوده، وفروا طاقة الحفظ لحفظ ما أمكن من درر الأبيات الشعرية... حتى ترسخ. إقرأوا الصور الأدبية قراءة صامتة فهي أقرب إلى الذهن... هذه نصائح صارمة تقدّم مع بداية السنة الدراسية... ولا تنتهي مدة صلاحيتها مع انتهاء السنة.
أما قصة عنواني فقد بدأت في حصة الأدبِ بيت شعر من قصيدة بشار بن برد... "إن العيون التي في طرفها حَوَر.."وانتهت في حصة الفلسفة الاجتماعية، وكان زنادها بيت شعر منها صوانه لا يبرى ولا يذوب...
"يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة       والأُذن تعشق قبل العين أحيانا"
وقد استفزني عدم اعطائه حقّه من الشرح، بينما استفاض في شرح البيت الأول.. إنه بيت قصيدي، أنا الطالبة من الله باستمرار ألّا يسمح بالذهاب بسمعي بعيدًا عن عقلي: "استرجع يا ربّ مني ما شئت، وأبقِ لي أذنًا واحدة (بدبر حالي فيها)! فجرؤت على قطع حبل حماسه بالتعليق: فأذن لي -: أظنها تعشق قبل العين دائمًا... فهي قلب العاشق... كما أظنّ أن العين معملّ تختص بالهوى... ركن الطبشورة على رفّ اللوح مما لفت انتباهنا، وهو الذي لا يسقطها من يده مدة الحصة، كأنها بندقية لاصطياد أيّ عابرة في فضاء الأدب أو الشعر لصالح تغذية القواعد ...فبدا مدخنًا مدمنًا لا يترك السيجارة إلا قرعومة... يستغلها لإشعال الثانية منها...
لحظات وعاد إلى "السيجارة": جدل مثير للاهتمام، لكنني سأعطي الخبز لخبازو ليحلّ الإشكال بين العين والأذن حول ملكية العشق. أما الخباز فهو كاهن وقور، متخصّص بعلم اللاهوت الاجتماعي تبرع بحصتين أسبوعيًا للصفين العاشر والحادي عشر.
وكانت الإدارة قد رأت حكمة بتغيير اسم حصة التربية الدينية إلى فلسفة اجتماعية، هذا بعد تدفق أعداد كبيرة من الطالبات المسلمات إلى المدرسة بفضل قسمها الداخلي... من الجدير بالذكر أنه أصرّ على أن الموسيقى وترٌ مهمٌ لتهذيب وترفيه النفس في آن. فكان لها منه حصة الأسد كما كان للموسيقى معلمها المتخصص (ثانوية وموسيقى!) صدّق... يا لنشوتي! صدر اللوح مرسوم ببيت قصيدي مطرزًا بحركاته الكاملة ومنمقًا برسم خطّاط بعرض ثلث طبشورة "الحبّ بين العشق والهوى".
وانتهينا بالاتفاق على أن العشق البصريّ المكشوف للدنيا قد يعرّض الحبّ للابتزاز، وأن العشق السمعيّ له بين العاشق والمعشوق دفيئة كتلك التي بين الأحلام وخيالها، وهو المكان الآمن لصيانة الحبّ، لعل هذا كان بيت قصيد الشاعر "قتيل طرف عينٍ حوراء".
(معليا)

الخميس 8/2/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع