دور الولايات المتحدة في انهيار السلفادور!



مجزرة الموزوت 1981: لا يزال خبراء الأدلة الجنائية حتى اليوم يستخرجون جثث النساء والأطفال والشيوخ


متواطئة بالمجزرة
تود غرينتري، الذي كان ضابطًا سياسيًا شابًا في السفارة الأمريكية آنذاك، قال في مقابلة شخصية من أجل فيلم وثائقي عن المجزرة، أن «الولايات المتحدة كانت متواطئة»؛ فقد أشار غرينتري إلى أن المذبحة قد نفذتها كتيبة أتلاكاتل، التي كانت قد أتمت دورة تدريبية لمكافحة التمرد مدتها ثلاثة أشهر في الولايات المتحدة، بل كانت عملية الموزوت هي أول عملية تقوم بها الكتيبة بعد إكمالها الدورة التدريبية.



حين قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كانون الثاني المنصرم إنه سينهي «حالة الحماية المؤقتة» لنحو 200 ألف سالفادوري، قاربت بذلك أعداد المهاجرين المعرضين للترحيل تحت إدارة ترامب مليون إنسان. ويشمل هذا العدد أُناسًا – كأولئك السلفادوريين – معرضين للترحيل إلى دول حيث ستكون حياتهم في خطر؛ فلدى السلفادور احد أعلى معدلات جرائم القتل في العالم، ويعزى ذلك بقدر ليس بالقليل إلى سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة التي تحاول طردهم في هذه الأيام.
هكذا استهل رايموند بونر، مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية سابقًا، ومؤلف كتاب "ضعف وخداع: أمريكا وحرب السلفادور القذرة"، تقريره في مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية الذي يكشف الدور الأمريكي في المجازر التي اقترفها الجيش السلفادوري أثناء الحرب الأهلية، وكيف أدى التدخل الأمريكي إلى الأوضاع المتردية التي يعيشها السلفادوريون في يومنا هذا.
يقول بونر: إن ترامب قد وعد أن ينهي "حالة الحماية المؤقتة" التي مُنحت للسلفادوريين عام 2001 في أعقاب زلزال مدمر، وبعد ذلك بأيام قليلة أثناء اجتماع في البيت الأبيض لمناقشة سياسات الهجرة، وصف ترامب دولًا مثل السلفادور وهاييتي بأنها "بؤر للقذارة".
ولم يرغب عضو مجلس الشيوخ الأمريكي ماركو روبيو في انتقاد تصريحات ترامب المتطرفة صراحةً؛ فاكتفى "بابداء الشفقة إزاء الدولة المسكينة" قائلًا: "لقد عانى أهل السلفادور وهاييتي بسبب القادة الفاسدين، والجرائم المتفشية، والكوارث الطبيعية"، وتغاضى روبيو عن الإشارة إلى أن إحدى كُبَر الكوارث التي حلّت بالسلفادور – والتي خلقت مئات الآلاف من اللاجئين حتى قبل موجة اللاجئين التالية للزلزال – كانت من صنع البشر، وقد كانت الولايات المتحدة، لا الطبيعة، سببًا رئيسًا فيها.


الدور الأمريكي في الحرب الأهلية السلفادورية


ويوضح بونر قائلًا: "إن هذه الكارثة هي الحرب الأهلية السلفادورية في ثمانينات القرن الماضي، والتي وضعت الثوار اليساريين في مواجهة تحالف من الدول والأقليات الحاكمة وجنرالات الجيش الذين حكموا السلفادور على مدى عقود – بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية – عاملين على إبقاء الفلاحين أميين وفقراء".
لقد كانت حربًا دموية ووحشية وقذرة قُتل فيها أكثر من 75 ألف سلفادوري – يضيف الكاتب – معظمهم كانوا ضحايا الجيش وفرق الموت العسكرية؛ فقد أُطلِقت النيران على الفلاحين بشكل جماعي، غالبًا أثناء محاولتهم الهرب، وأُجبِر قادة الطلاب والنقابات على تشبيك أصابعهم وراء ظهورهم قبل إطلاق النار على رؤوسهم، وتُركت جثثهم على جوانب الطرق تحذيرًا للآخرين.
ويضيف بونر: ربما يتساءل الرئيس ترامب عما كان رونالد ريجان – أحد رؤسائه المفضلين – يفعله بضخه مليارات الدولارات في صورة دعم اقتصادي وعسكري إلى الدولة الصغيرة جدًا. ففي أوائل ثمانينات القرن الماضي، كانت السلفادور تتلقى دعمًا ماليًا وعسكريًا أكثر من أية دولة أخرى، باستثناء إسرائيل ومصر، إضافة إلى أن عدد العاملين في السفارة الأمريكية في السلفادور كان مساويًا لعدد العاملين في السفارة الأمريكية في نيودلهي. فبالنسبة لريجان، كانت السلفادور هي المكان حيث يجب وضع حد للشيوعية.


الولايات المتحدة شاركت في مذبحة الموزوت

يفضل معظم الأمريكيين نسيان ذلك الفصل من التاريخ الأمريكي – يشير الكاتب – فأولئك الذين لم يبلغوا عامهم الأربعين قد لا يكونون على دراية به، إلا أن السلفادوريين لم ينسوه. ففي قرية الموزوت والقرى المحيطة بها، التي كان يسكنها فلاحو الكفاف، لا يزال خبراء الأدلة الجنائية يستخرجون جثث النساء والأطفال والشيوخ الذين قُتلوا على يد الجيش السلفادوري خلال عمليةٍ في شهر كانون الأول من عام 1981، لقد كانت إحدى أسوأ المجازر في تاريخ أمريكا اللاتينية.
ومع أن ترامب قد يحاول تلطيخ صورة السلفادور مستخدمًا لغة غير مهذبة، إلا أن السلفادور في الوقت الحاضر لديها نظام قانوني فعال – فبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على الحادثة، يحاكَم أخيرًا 18 قائدًا سابقًا في الجيش السلفادوري، بينهم وزير جيش سابق،على مذبحة الموزوت.
ويشير بونر إلى أن قوات الجيش قد قتلت حوالي 1200 رجل وامرأة وطفل خلال العملية، فعذبوا الشيوخ، ثم أعدموهم، وفصلوا النساء عن أطفالهن، واغتصبوهن، ثم أعدموهن، واقتادوا الأطفال المرتاعين وصرخاتهم تملأ الهواء إلى أحد الأديرة، ثم أطلق الجنود النار عبر النوافذ ليقتلوا أكثر من 100 طفل؛ كان متوسط أعمارهم ستة أعوام.
يلفت بونر إلى أن تود غرينتري، الذي كان ضابطًا سياسيًا شابًا في السفارة الأمريكية آنذاك، قد أخبره مؤخرًا في مقابلة شخصية من أجل فيلم وثائقي عن المجزرة، أن «الولايات المتحدة كانت متواطئة»؛ فقد أشار غرينتري إلى أن المذبحة قد نفذتها كتيبة أتلاكاتل، التي كانت قد أتمت دورة تدريبية لمكافحة التمرد مدتها ثلاثة أشهر في الولايات المتحدة، بل كانت عملية الموزوت هي أول عملية تقوم بها الكتيبة بعد إكمالها الدورة التدريبية.


الولايات المتحدة دعمت إرهاب الجيش السلفادوري

ويتابع بونر قائلا: عندما ظهرت التقارير حول المجزرة للمرة الأولى في صحيفتي "نيويورك تايمز" و "واشنطن بوست"، أرسل السفير الأمريكي دين هينتون رجلين للتحقيق: هما غرينتري، وملحقًا عسكري، وهو جون مكاي، الذي كان رائدًا في سلاح مشاة البحرية الأمريكية حينئذ، وأخبرني غرينتري بأنهما خلصا إلى أن هناك مذبحة قد وقعت، وأن كتيبة «أتلاكاتل» كانت هي المسئولة عنها.
لكن السفير الأمريكي هينتون، الدبلوماسي المتغطرس الذي توفي في العام الماضي، لم يذكر ذلك في تقريره إلى واشنطن، بل إنه سعى إلى إلقاء اللوم على العصابات المسلحة اليسارية في برقيته المؤلفة من ثماني صفحات، فكتب هينتون: إن اليساريين "لم يفعلوا شيئًا لإبعاد المدنيين من مسار المعركة التي كانوا يعلمون أنها آتية"، ثم اقترح أن الضحايا قد يكونون أصيبوا بالخطأً في تبادل إطلاق النار، أو كما صاغها: "قد يكونون تعرضوا للإصابة بسبب المعركة".
ثم ينقل بونر عن غرينتري قوله: «إن الكونغرس الأمريكي كان متواطئًا أيضًا؛ لأنه استمر في تخصيص التمويل للحكومة السلفادورية، على الرغم من فظائع الجيش»، ويلفت بونر الانتباه إلى أن غرينتري شغل عدة مناصب دبلوماسية في دول أخرى بعد السلفادور، منها أنغولا وأفغانستان، إضافة إلى أنه يحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة أوكسفورد.


تأثير الحرب الأهلية والسياسات الأمريكية على حياة السلفادوريين

ويستطرد بونر قائلًا: «إن الحرب التي أججتها الولايات المتحدة قد دفعت عشرات الآلاف من السلفادوريين إلى الفرار من العنف طلبًا للأمان في الولايات المتحدة». وفي منتصف تسعينات القرن الماضي، سمح الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بانتهاء «حالة الحماية المؤقتة».
ساهم هذا القرار في انتشار عنف العصابات الإجرامية الذي يشكل علامة فارقة في حياة السلفادوريين اليوم: فمنذ زمن ليس بالبعيد، عندما كان يمر يوم دون وقوع جريمة قتل، كان ذلك الخبر يتصدر العناوين الرئيسة؛ فآلاف اللاجئين الذين أعيدوا إلى السلفادور كانوا شبابًا قد هجروا الجيش أو العصابات المسلحة أثناء الحرب، وعندما رجعوا إلى السلفادور استخدموا مهاراتهم القتالية وأشياء أخرى لتشكيل أنوية العصابات الإجرامية.
إلا أن السلفادور قد أحرزت تقدمًا ملحوظًا منذ نهاية الحرب في عام 1992، ومؤكد أنه من الغبن وصفها بأنها «بؤرة قذارة». فبالفعل، أجرت السلفادور خمس انتخابات رئاسية منذ نهاية الحرب، كلها حرة وعادلة نسبيا، مع القليل من العنف. وفي عام 2009، وبعد 15 عامًا من تولي رؤساء يمينيين حكم السلفادور، انتخب السلفادوريون قائدًا ثوريًا سابقًا في حرب العصابات بعد أن تحول إلى السياسة، وخلَفَه في الانتخابات التالية ثوري سابق آخر. وتصف مجلة «ذي إيكونوميست» الأمريكية السلفادور بأنها «ديمقراطية معيبة»، وتضعها في المرتبة 60 على مؤشر الديمقراطية، متقدمة على المكسيك وسنغافورة.
ويختتم بونر مقاله قائلًا: بالنظر إلى تاريخ الولايات المتحدة في السلفادور، قد يعتقد المرء أن الولايات المتحدة مدينة لمواطني السلفادور باعتذار، بدلًا عن وصمهم بصفات مهينة (موقع ساسة بوست).

10/02/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع