محمّد علي طه: تاريخ وجرافيا ورصد اتساع دوائر الانتماء والوعي


بروفيسور نداء خوري


واقع الأرض
للمبدع خياراتٌ، وله أن يتمثّل بالأفعى ويُماثل في مآلهِ الزّواحف، يلتصق بواقع الأرض يعايش يومه ورؤيتُه تتسع لخطواته. أو ينحو نحو مآل السّمكة ويُماثل المائيّات، يعيش بمائه، لا حياة له خارج حوضه، ونراه يغوص في العمق والبواطن. وله أن يكون أيضا في مآل الطّيور ويأخذ العصفور مثالًا، يحلّق ويرصد الصّورة الكليّة والملمَح الفوقّي الدّالّ المُوجِّه والرّاصد.



أمثال شعبيّة
من سماته، لغةٌ شعريّةٌّ وفصاحةٌ مُطّعَمّةٌ بالمحكيّة. أمّا الكتابةُ فواعيةٌ لذاتها، لها ملامح ميتا قصيّة. تقنياتُه حداثية وما بعد حداثّية، يُنوِّعُ في المنظور السّرديّ وفي استبطانِ العوالمِ الداخليّة من خلال تعدّد الرّواة. أسلوبُه ساخرٌ أخّاذ بلغتهِ البسيطة، يُكثر من الأمثال الشعبيّة ليكشف الذهنيّة التّقليديّة، يوثّقُ التّقاليدَ لفهْمِ أبعادِها وثم نقضها وكسر قوالبَ السّلوك التّقليديّ، في نصِّه دراميّةٌ أخّاذةٌ تتقاطعُ لتزيدَ من تأزُّم الأحداث ووهَجِ الصّراعِ.



مجْمع اللغة العربيّة سِمَةُ ارتقاءٍ لمجتمعِ التّحديات الدّائمة، وجائزةُ المَجمعِ للإبداع هي وسامُ شرفٍ يتقدّم من كاتبنا، وشهادةُ شكرٍ وتقديرٍ لمشروعهِ الفكريّ، لإبداعهِ الأصيل ولعطائهِ المتواصل.
هو المعتّقُ الأصيلُ يتقطّرُ حبرًا يخطُّ سيرةَ بني بلوط، يرسمُ عائد الميعاريّ، يعزف على النّهر الحزينِ لحنَهُ الثّامن والأربعين، رأيناهُ عائدًا من التّلِ وراح يتقدّمُ. حينَ تعثّرَ المؤرّخون تقدّمَ الميعاريّ، تقدّم الأديبُ الرّوائيّ محمّد علي طه وراحَ يستحضرُ الماضي يلاقيهِ بحاضرةٍ تُناجيهِ، ويقدّمُ لحضرةِ الزّمانِ سيرةَ المكانِ وأهاليهِ.
تقدّم الميعاريّ يكتبُ تاريخَ البلادِ بأمّ يديْهِ، يخطُّ بطولاتَ الناس الفردية ويُوثِقُ الهزائمَ الجماعية، يصوّرُ ملامح الفلسطينيّ الأصيل، بفنيّةِ الاسترجاع والسّرد المتداعي. حكايته تاريخيّة أعانَهُ عليها الزّمنُ والمكان، وهي إنسانيّةٌ تتمحورُ حول معصيةِ الوجود التي يعيشُها الفلسطينيُ بلدٌ وإنسان.
من سماته، لغةٌ شعريّةٌّ وفصاحةٌ مُطّعَمّةٌ بالمحكيّة. أمّا الكتابةُ فواعيةٌ لذاتها، لها ملامح ميتا قصيّة. تقنياتُه حداثية وما بعد حداثّية، يُنوِّعُ في المنظور السّرديّ وفي استبطانِ العوالمِ الداخليّة من خلال تعدّد الرّواة. أسلوبُه ساخرٌ أخّاذ بلغتهِ البسيطة، يُكثر من الأمثال الشعبيّة ليكشف الذهنيّة التّقليديّة، يوثّقُ التّقاليدَ لفهْمِ أبعادِها وثم نقضها وكسر قوالبَ السّلوك التّقليديّ، في نصِّه دراميّةٌ أخّاذةٌ تتقاطعُ لتزيدَ من تأزُّم الأحداث ووهَجِ الصّراعِ.
داخل النّص هو قاصّ وراوِ، بمحاذاة النصّ هو شاهدٌ على السردِ والانكتابِ، وخارج النصّ هو ناقدٌ يمارسُ سلطتَه على كاملِ السّياق. يُوائمُ بين الواقعِ وخلفيّاتهِ، يجمع الذّاتي الى الموضوعيّ، يُعنى بالبدايات والنّهايات ويتأنّى في النّشر. مضامينُهُ متنَوِّعةٌ، لهُ موقفٌ من ظاهرةِ التّكفير، وهو نصيرُ قضايا المرأة، واقعيّ يؤكّد على تناغم الانسان ولُحْمته بالأرض وعلى فهمه لغة المكان والبيئة والطّبيعة، إذ نراه يرصد ملامحَ الرّيف ويُعنى في أدقّ التّفاصيل وفي أكثرها شمولّية. أدبهُ ملتزم، همّهُ وطني اجتماعيّ وإنسانيّ، ينتمي للأرضِ وما عليها، يتواصلُ مع التّراث، يرصدُ المقوّمات الوجوديّةِ وكذلك الحركة التّاريخيّة ويُوثّقُ كلَّ ما على هذه الأرض.
على المحورِ القائمِ بين رؤيةِ الماضي ورؤيا المستقبلِ اهتدى الميعاريّ إلى نقطةِ توازنٍ ساوى بها بين الذّاكرةِ والحلم وبين ما كان وما يجب أن يكون. اهتدى إلى نقطة اتّزانٍ حَصَّنَهُ من الاستمالةِ نحو المناصب، ليبقى أديبنا محمّد علي طه مُنزّها عن اللهاث السّياسيّ والمصلحة الشّخصّية، ونراه يُتوَّجُ كأبٍ روحيّ للجانِ مُصالحةٍ وتوافُق، كما نراه فناّنَ التّوازن والحكمةِ يتربّعُ على نقطةِ ارتكازٍ تتقاطعُ فيها المحاورُ والاضدادُ.
فعلى محور المكان في أدب كاتبنا يتقاطعُ ال "هنا" وال "هناك"، إذ يتمّثلُ هذا التّقاطع في قصّةِ "أجمل عريس بالدّنيا" ليُمثِّل لنا كيفّية تغييب الجغرافّية السّياسيّة، إذ نجد أن هذا الامتداد بين جبال الجليل وبين قراوة بني تميم بمحاذاة جبل النار/ نابلس يؤكّد على تواصل أبناء الشّعب الواحد، وفي ذات القّصةِ كذلك نجد تقاطع السّياسيّ والإنسانيّ يؤكّد على حبكة النسيج بالتّواصل والاستمرار.
أمّا على صعيد تقاطع السّياسيّ والاجتماعيّ. تكشفُ لنا قراءة معمّقة في أعمال الكاتب الأولى أجراها بروفيسور إبراهيم طه مدى مركزّية الهّمّ السّياسيّ، إلا أنّ أعماله الأخيرة تشير إلى انزياحٍ واضحٍ لصالح القضايا الاجتماعيّة، ونجد عند الكاتب أن مَنْحاهُ الإنسانيّ في أعمالهِ الأخيرة يأتي ذا صبغةٍ اجتماعية على حساب السّياسّي والايديولوجّي.
ففي هذا إشارةٌ لنا أنه في حالِ رفعِ اليد عن معالجةِ أمرٍ ما، هذا يعني أن العلاجَ لم يعد نافعًا فيهِ، فإن رُفِعَت اليد عن معالجةِ الهمّ السياسي والصراع المستعصي، فهذا أمر يستدعينا لنُخمّنَ مدى اليأسِ والقنوطِ من الوضعِ السياسي ومن انغلاقِ الأفقِ.
وفي حين يتقدمُ الهّمُ الاجتماعي ليحظى باهتمامٍ ومعالجاتٍ عدّة، نجد في هذا دليلًا على أنّ المجتمعي مأزومٌ مريضٌ وقد غدا بأمسِّ الحاجة للالتفات والمعالجةِ. علمًا بأن الكاتب في الماضي كان يشكو من السّياسّي ويفاخِرُ بأصلانيَّة النّسيج المجتمعيّ ومتانتِهِ نراه الآن يهبّ لمعالجةِ القضايا المجتمعيّةِ، التي تنمُّ عن حالةِ هبوطٍ وخفوت تعكس العجز في استيعاب الواقع وعمق الأزمة في معايشة الرّاهن. وعقب تراجُع المحور السّياسّي تراجع أيضا المحور المجتمعيّ. ولم يبقَ لنا إلا أن نُعلّقَ الآمال على المحورِ الإنسانيّ وعلى بناء الوعي لمواجهةِ التّحدّيات واستيعاب المنظومات الجديدة.
أمّا على صعيد محور الزّمن، في أدبيّات كاتبنا الميعاريّ فيتقاطعُ الرّفضُ والقبول، ويتمثل هذا التّقاطع بين البدء والنّهاية في قصّة "الاستثناء والقاعدة" حيث يُثبِتُ لنا الكاتبُ أنّ الزّمنَ كفيلٌ في تليين الرّفض وبدءِ الموالفةِ مع الخواجة، إذ دخلَ الخواجا البيتَ غريبًا، مكث مشبوهًا وأنهى مكوثَهُ ضيفًا محبّبًا مكرّمًا يُذبحُ له الديك لتقدّمَه أمُ محمود إكرامًا. فالالتفات الى عامل الزّمن في القصّة بين البدء والانتهاء بذبح الدّيك احتفاءً بالضّيف، يُسرِّبُ لنا احتمالّية التكيُّف وتقّبُل الآخر، الزّمن كفيل و "ما هي إلا قصة وقت" والزّمنُ هنا يؤسّسُ لتعديلَ الوعي وبناءَ فهمٍ جديدٍ واقعيّ، يؤول بنا من محور صراع الحدود الى محور صراع الوجود.
كذلك يعمل كاتبنا على بناء وعي للصّمود على محور الزّمن، يتمثّل في قصّة "عائشة تضع طفلا حَيًّا يقرأ لكم ما تيسّر من سورة البقرة" من مجموعة "جسر على النّهر الحزين" إذ يروي لنا الكاتب أن زوجته عائشة وعلى عكس التوقّعات لها بالعقم، وضعت مولودا حيًّا وأوّل ما نطق قال: أريد بقرتي. لتؤكّد لنا دلالة عائشة على استمرار الحياة، ودلالة المولود على استمرار تشبث الجيل القادم بالأرض واستمرار مطالبته باسترداد البقرة، إضافة إلى ذكر سورة البقرة بالعنوان للدلالة على قدسية الأرض.
أمّا عن تقاطُع المكانِ والزّمانِ فهو يبدو لنا جليًّا في رواية "سيرة بني بلوط" كمحورِ وعي يتشكّلُ في ديناميّةٍ تُواكبُ كينونَتَها. حيث ان تقاطُعَ المكانِ بالزّمانِ في حدِّ ذاتهِ يولّدُ دينامية تُواكبُ الحدث، فمن خلال أحداث ثورة 36 ضّد الاحتلال الانكليزيّ يرصد كاتبنا الحركة التّاريخّية الجغرافيا على هذه الأرض، يرصد ما أدعوه تاريخوجرافيا (היסטוריוגרפיה)- تاريخ جغرافيا وحراك- الانسان الفلسطيني في صراعه المتقاطع مع المكان والزّمان، يرصد حراك هذا الانسان في أتون المعايشة وفي مداه المتعارِك المصدوم، فما بين الأصلانيّ وعابر السّبيل: أتراك وإنكليز ويهود صراع طويل وحساب عسير، يرصد له كاتبُنا عمرَه الطويل، فمن جهة يعمل على محاكاة الآخر ومن جهة أخرى يروي روايات الأفراد ويخطُّ من خلالها بُعدًا رمزيًا يتعلّق بعقم الحلول الفردّية لينسج مساحة مفتوحة لسيرة الجماعة، يرصد كاتبنا مشروعه الإبداعي برمتِه لتبيان المعصية وفهم نكبة جيله ونكبة الأجيال اللاحقة. وإذ قال فيه بروفيسور إبراهيم طه: إنّ الأديب محمّد علي طه سفير القصّة الفلسطينيّة الى الأدب العربيّ والعالميّ (الاتحاد 2007) أقول إنّي أراه سفير العالميّ والعربيّ الى الذّات الفلسطينيّة، وسفير القصّة الفلسطينيّة الى الذّات.


رصد بواطن الحركة، الأبعاد والمعنى

رصد خط البيان وخطوط التواصل والانزياح في عوالم القصّ والحبك، أو رصد بيانيّة النّصّ يكشف لنا مآل الحركيّة، فإمّا يكون مآل الحراك أفقيا متشعّبًا متداركًا متداعيًا فيه انسيابٌ كالجداول والأنهار، إذ يُولِد هذا المآلُ كتابةً توثيقيّة سرديّة، تُشغَل بالوصف والتّاريخ وبتخليد الواقع والوقائع، وهو يتمثِّل بالأفعى مجازًا عن الزّواحف وكائنات البرّ التّرابيّة.
إما يكون المآل تحتيًّا مُعمِّقًا في بواطن النّفس، ما وراء القصد والنّوايا، داخل الوعي وفي المستور من الوعي أو المرصود الممنوع من الفضح، ويُولِد هذا المآل كتابة تحليليّة سيكولوجّية تُعنى بالبواطن والدوافع النفسيّة والبيئيّة. قادرة على تحليل الواقع ورصد بواطنه، وهو يتمثَل بالسّمكة مجازا عن المائّيات.
أو أن يكون مآل حراكٍ فوقيّ ينبثق من التصاقهِ بالأرض يشّبُّ مشدوهًا يُؤكّد الأصلانيّة والتجذّر بالواقع، يُغفل التّفاصيل وينطلق الى المتخيّل كفضاء فوقيّ وملاذ للهروب من ذات الواقع لأجل شقّ سبيل بديل، حيث الاعتناء بالكليّة والرؤية الشّاملة، هذا المآل يولِد بدوره كتابةً استشرافية فلسفّية فوقّية، استراتيجّية ومستقبليّة قادرة على استشراف الواقع وخلق عوالم جديدة، وهو يتمثل بالعصفور مجازا عن الطّيور.
فللمبدع خياراتٌ، وله أن يتمثّل بالأفعى ويُماثل في مآلهِ الزّواحف، يلتصق بواقع الأرض يعايش يومه ورؤيتُه تتسع لخطواته. أو ينحو نحو مآل السّمكة ويُماثل المائيّات، يعيش بمائه، لا حياة له خارج حوضه، ونراه يغوص في العمق والبواطن. وله أن يكون أيضا في مآل الطّيور ويأخذ العصفور مثالًا، يحلّق ويرصد الصّورة الكليّة والملمَح الفوقّي الدّالّ المُوجِّه والرّاصد.
وعليه لو نظرنا بهذا المنظار لوجدنا أوّلا أنّ ابداع كاتبنا كما أسلفنا أعلاه في مآل الزّواحف وحِراكه الأفقيّ، يتّسم بكتابة توثيقّية سرديّة، تُشغَل بالوصف والتّاريخ وبتخليد الواقع والوقائع، نأخذ قصّة "النّخلة المائلة" وقصّة "القاعدة والاستثناء" مثالا وقد نوّه د. محمّد حمد في كتابه "اشتيار العسل" ص55 لذلك بقوله: "تتجلّى في قصص طه ملامح الهويّة الفلسطينيّة، من خلال رصد المكان والزّمان والانسان، وما يتّصل بهما من تاريخ وتراث." وأضاف قائلا "يغلب على قصص محمّد علي طه ذلك العشق للأرض، وما يتجسد من عوامل ومقّومات لهوّية الانسان الفلسطينيّ، وهو يصارع أزمة بقائه ووجوده، على ما تبقّى من تراب." فالأمثلة على ذلك في قصص كاتبنا كثيرة، نكتفي هنا بالقليل منها ونشيد بما أجمع عليه الباحثون حول ميزات الابداع في أدب محمّد علي طه.
وإن شئنا التبصّر في مآل المائيّات وحراكها الباطنيّ، نجد ايضًا أنّ كاتبنا يتناول في قصصه الكتابة التحليلّية السّيكولوجّية التي تُعنى بالبواطن والدّوافع النفسّية والبيئّية. لهذا نذكر اقتباسا ورد بمقالة د. حسين جمعة من كتاب "اشتيار العسل" ص84 إذ قال: "قصص مجموعة "العسل البرّيّ" تكتسي بمدلولات خاصّة في نطاق النّسق الكلّي للوسائل التعبيرّية والتّشكيلّية وتتناول شرائح من الحياة كنماذج ذات شأن في سبر طوايا النفوس وكشف حراك القوى الحياتّية ومعاناة الشّخوص وإبراز فرادة التّصادمات والصّراعات وانفجار العواطف حصيلة امتلاء هذه القصص بأفكار مهمّة ومغازٍ مقصودة".
كما أضاف بروفيسور نعيم عرايدي في مقال له بذات المرجع ص89 قائلًا: "قصّة المسخوط قصة رمزّية خارجة عن النّهج. والغريب في هذه القصّة أولًا المزج بين الواقع وما وراء الواقع ومن ثّم جعل العامل الأساسيّ الدينيّ والأخلاقيّ في لا واقعيّتها. أمّا عامل الشعور بالذّنب /الإثم /الخطيئة فهو بُعد مألوف في قصص الكاتب بناءً على تراثيّة الواقع وخلفّيته الدّينيّة إلا أنّ الإضافة الأخرى هنا هي محاولة المزج بين العالم الداخليّ والعالم الخارجيّ في واقعيّة مستحيلة". فعليه، نجد أيضا هنا في مآل استبطان الواقع أن كاتبنا قد ضرب شباكًا في خضم الوقائع إلى أعماق الذات يعالجها.
وكذلك بما يتعلق في مآل الطّيور وحراكها الفوقّي الذي يُعنى بكتابة فلسفيّة، قادرة على استشراف الواقع وخلق عوالم جديدة. نجد شهادات باحثين تؤكّد أنّ كاتبنا لم يترك مجالا إلا وطرقه بأسلوبه الساخر ولغته الخلّابة وإرادته العتيّة، ونذكر هنا اقتباسا من د. راوية بربارة إذ تقول في مقالها "حلاوة العسل البرّيّ ومرارة الطّرح القصصي" في كتاب "اشتيار العسل" ص72 "في قصّة "المسخوط" نلاحظ التّأرجح ما بين البقاء على أرض الواقع الذي انطلق منه القصّ وما بين التّخييل كحلٍّ للهروب من قتامة هذا الواقع أو كطرح يعرضه الرّاوي بديلا عن الموجود". وتضيف بموقع لاحق، "في قصتي "المسخوط" و "العصفور والقفص" وغيرهما من القصص- نجد تجاوز الواقع القاتم بالتّخييل إمّا بحلم اليقظة كآليّة واضحة للهروب ولتجاوز الواقع أو بتبنّي البديل. - ينطلق الرّاوي من الواقع المرّ إلى التّخييل كنوع من الهروب أو كنوع من المواجهة لأجل البقاء."
وكذلك يؤكد بروفيسور نعيم عرايدي أنّ أسلوب كاتبنا لولبيّ تصاعديّ بقوله: "نشاهد في "العسل البرّي" تداخل القصص أو عملّيًا ابتعاد الحبكة القصصيّة عن محورها بشكل لولبي، فلننعت إذًا هذا الاسلوب بالأسلوب اللولبيّ، وله تأثير على القارئ في اتجاهين أو أكثر. من ناحية أولى جاء في الأساس ليجذب القارئ ويُدخله في متاهات الخيال المستمرّ حيث يشدّه إلى مسارب من التشوّق للاستماع إلى ما لا نهاية. من ناحية أخرى فهو يعطي القصّة الشعبيّة المبنيّة في الأصل ببنية مُسطّحة أبعادًا جديدة تجعل منها بنية مجسّمة متعدّدة الأبعاد والعمق.
وهكذا تتجلّى لنا القصّة في أدب كاتبنا محمّد علي طه بمبانيها ومآلاتها المختلفة بين الأفقّي، الباطنّي والتّصاعديّ، لتُمثِّل لنا هذا الانفصام بين الواقع والمِثال، ولتُوَثِّق كلّ أبعاد كينونتنا وتجْسُّر الهوّة ما بين الهويّة والماهيّة وما بين الواقع والتّخييل. تُثَبّتُنا في خيار البقاء على أرض الواقع، رغم الادّعاء أنّه خيار ربّما يردع الحلم، تُحفزُّنا على لولبية التّصاعد وتحرّرنا من الخوف أن نحلم لاعتقادنا أن مساحة الحلم ذاتها لا رحمة فيها لنا وربما تنقلب علينا عقابا لمجرد ميلنا الى الهروب وعدم مواجهة الواقع المرير.


اتّساع دوائر الانتماء والوعي ونوعيّة التّأثير على حدود المكان والوجود

أمّا الخروج عن دائرة المحلّي، خدش طغيان العولمة وملامسة الإنسانيّ في أبعاده الوجودية والكينونيّة، فهو دليل على أنّ كاتبنا يُجسِّد بأعماله الأدبيّة الأخيرة ما ارتأيتُ تسْميَته باتسّاع دوائر الانتماء، وهذا الاتساع يأتي تباعا فلسطينّيا -عربّيا - شرق أوسطيّا -إسلاميّا -عالميّا. فمن مفارقات هذا الاتّساع أنه من جهة يُعزّز ويقوّي، إذ ينسب الفرد انتماءه لدائرة أكبر من حدوده المكانيّة المحدودة وأوسع من حدوده السّياديّة المعدومة، ويشعر الفرد بتعزيز مكانته وروايته وقدرته، ومن جهة ثانية يشعر الفرد أنّه مَعْفيّ من المسؤوليّة ومن أخذ زمام المبادرة للفعل، ويختصر جُلَّ دوره وفاعليته إذ يتّكِل على الكُثُر الآخرين وتسنده الاتكاليّة في دائرة انتمائه الواسعة، فيسترخي وتهبط عزائمه في حين يتعزز لديه الشعور بالقوة الافتراضيّة المُتخيَلة. ومن العوامل التي تساعد على هذا الاسترخاء هو فقدان الدوائر المتسعة ذاتها إلى آليات ناجعة لتفعيلٍ مجتمعي صحي، وانعدام نظام بُنْيَويّ وتفعيليّ يضبط حركيّة هذهّ الدوائر.
فنجد دائرة الفلسطينيّ بفروعها الجغرافيّة الثلاث: المنافي والشتات، الضّفة الغربيّة وقطاع غزة، وداخل إسرائيل حدود 48، دائرة مُشَرْذمة مقسّمة وتفتقد للسيادة الحُرّة وللمؤسسات الإداريّة المُوَحّدة. أما دائرة العربيّ فحدّث ولا حرج عن الربيع ومآلاتِهِ وكذلك دائرة الشرق أوسطي التي تتنازع فيها الاستراتيجيّات العظمى. لتبدو دائرة الإسلاميّ ناشطة في التصدّي للعولمة والحداثة، وفي قيامها بفحص حدودها ومكانتها في العالم، وفي محاولتها التحرر من براثن العالم الثالث، ثمّ الى دائرة العالمي بكل نوازعها المحتّدة البيئيّة والمستقبليّة المُلِحَة.
باعتماد هذه القراءة نجد أنّ كاتبنا ومن خلال أعماله الأخيرة يصوِّبُ بسهمِهِ ويَختَرِقُ كلّ هذه الدوائر ليُثَّبِت الإنسانّي في مركز الكينونة ويساهم بهذا في نسج وعي إنسانيّ ويسند قضيته على أسس هذا الوعي الإنسانيّ الشّامل الأساسيّ والقادر وحده على إلغاء حدود مجمل الدوائر.
هو بدء بتوسيع حدود الهويّة وحدود الانتماء من حدود الوطن الى حدّ الكليّة المطلقة. هو بدء تعلو فيه أولويّة الحقّ الإنسانيّ على الحقّ التاريخّي او الحقّ السياسّي أو الحقّ المقدّس. وهو حيّز ينتقل به الفلسطينيّ من حدود مُرقّمة لبلاد ضائعة (48-67) ليرتقي الى حيّز الكليّة والانتماء الأشمل، من حقوق استضعفت في ساحة الصراع المستعصي، الى حقٍ كلّيّ لا اعتراض عليه، حقّ الانسان بالعيش الحرّ الكريم، الحقّ الوجوديّ الإنسانيّ.


** المداخلة التي قدّمتها الشّاعرة بروفيسور نداء خوري باسم لجنة تحكيم جائزة الابداع للعام 2017 من مجمع اللغة العربيّة في 2017/12/23 في فندق رمادا في النّاصرة وقد تشكّلت اللّجنة من الكاتب بروفيسور محمود غنايم، الشّاعرة بروفيسور نداء خوريّ والكاتب محمّد نفّاع والكاتب د. نبيه القاسم والكاتبة د. كوثر جابر.

10/02/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع