كلمة حقّ في ذكراه العطرة


سمير فوزي حاجّ


*الأستاذ شوقي حبيب زيتونة من كرم بلدي عبلّين*

أيقونة علم عبلّينية متلألئة في لوحة فسيفسائية جميلة، مربٍّ ومعلّم في زمن قلّ فيه المعلّمون، حين كانت حناجر الطلاب تصدح بصدق ملء السّماء " قم للمعلّم وفّه التبجيلا كاد المعلّم أن يكون رسولا".
 رسول علم وسفير بلدته عبلّين الماضي الجميل، في كلية تيراسنطا القدس الانتدابية، التي عاش فيها وتخرّج منها، ثمّ واكب تعليمه في الكلية الرشيدية، لكن نكبة شعبه الفلسطينيّ حالت دون متابعة دراسته فيها.
 حدث هذا زمن الحصيرة والفانوس وشظف العيش، حين كانت عبلين أشبه بجزيرة، مقطوعة عن العالم، لا مواصلات ولا اتصالات، وقبل وصول لامبة أديسن إلى قرانا.
حدث ذلك، عندما كان سفر التلامذة القرويين خارج بلدانهم، يعتبر نضالا وتحديا، إذ كانت الأمية سائدة وكلمة العلم صعبة المنال، لا بل مشطوبة من القاموس الفلسطينيّ.
 حدث ذلك، حين كان الظلام والفقر والخوف يطغى، وحين كانت الغربة كاوية وقاسية، مثل مغامرة سندبادية أو يوليسية محفوفة بالمخاطر والشقاء.
وكان صباح وكان مساء، وتابع خرّيج تيراسنطا القدس، دراسته الأكاديمية العلمية في معهد التخنيون، ليكون رائدا ومميّزا وسبّاقا بين أبناء شعبه في النجاح والتخرّج، إبّان فترة الحكم العسكريّ والطوق، عام 1956 بشهادة B.Sc في الهندسة الكيماوية، والتي منع العمل فيها بسبب هويته القومية.
في تلك الفترة، بعد النكبة والقطيعة، وضرورة تعلّم لغة جديدة، كان الالتحاق بالتخنيون، معهد الهندسة التطبيقية، لشاب قرويّ عبلينيّ، يعدّ أسطورة. وها قد مضى على هذه المفخرة والإنجاز الكبيرين، زهاء سبعين عاما، نسأل بغصّة وحسرة واختبار ذاتيّ واستفزاز إيجابيّ: كم عبلينيّا تخرّج من التخنيون في هذه الحقبة؟ بعد أن أصبح السفر إليه على جناح عصفورة، والدراسة وإتقان اللغة أسهل؟
أليست هذه صفحة مضيئة في سفر قريتنا السبّاقة في العلم والأدب برعيلها الأوّل، و مفخرة عبلّينية يجب أن تنقش بماء الذهب على جذع زيتونة روميّة في مدخل القرية أو وسط البلدة، لتكون محفزّا لأجيالنا الصاعدة على صعود سلّم العلم والارتقاء والبناء ؟ لنأخذ قليلا من هذه الخميرة،لأنّه بلا خميرة لا يصبح العجين خبزا.
الأستاذ شوقي عاشق للشعر والأدب حتى النّخاع عاقر ربة الشّعر ردحا، وكتب القطعة النثرية والشّعرية الموزونة،وكان من المرتادين الدائمين في "النّادي الجورجي" محجّة الشعر ومحرابه، دارة شاعرنا طيّب الذكر أستاذنا جورج نجيب خليل، التي كانت منتدى أدبيا وثقافيا عامرا بالأدباء والشعراء عقودا من الزمن.
 كيف لا يعشق المهندس شوقي حبيب ربة الشّعر ولغة الضاد، وهو تلميذ الأستاذ الموسوعيّ العلّامة الجهبذ في اللغة العربية والبحث الأدبيّ، روكس العزيزيّ (1903-2004)،الذي درّسه اللغة العربية في تيراسنطا القدس، فعشقه وبقي يردّد اسمه بتيه وإعجاب في كل محفل، وقد زاره في دارته الجميلة الشميساني (عمّان) قبل وفاته، وقد حدّثني كثيرا عن ألق هذه الزيارة وعطر اللقاء.
الأستاذ شوقي كما يحلو لنا أن نناديه، عاشق الأرض وكروم الزيتون وحقول الخيار، فلّاح نشط وناجح، مسكون بحبّ الأرض والانتماء إليها، عزقها وشذّب أشجارها وزيتونها، وقطف ثمارها الطيّبة بفخر واعتزاز.
رحل المعلّم الغيّور المتفاني مربّي الأجيال وصاقلها، وباني مداميك الغد الآتي لتلامذة سمت وشمخت في ظلاله.
 في مسيرته العريضة الطويلة سلاسل ناصعة من الإنجازات في مفازات العلم. هذا العبلينيّ الناجح، انعكف على التأليف والترجمة للكتب العلمية خاصة الكيمياء، في زمن ولا أقسى، لجذب الطلاب إلى دروب ومشارب وموضوعات جديدة وصعبة،ولتذليل الصعوبات والصخور المعترضة.
الأستاذ شوقي حامل اليراع والطبشورة فوّاحي شذا العلم والمعرفة، كان كنز ثقافة ومعرفة، ورجل مجتمع بامتياز. شق طريقه بين الصخور ووعور الأيام، وبنجاحه العلميّ المميز والرائد رفع اسم قريته عبلين إلى مشارف النجوم، كما كرّس سنينا من عمره في خدمة الوقف الأرثوذكسيّ بنجاح باهر وتفان وأمانة لا مثيل لها.
في حياة رجل كبير كأبي يوسف، مسيرة شعب وسيرة مجتمع كامل وهوية بلد ومرايا لحياة قاسية، لكنّها عذبة وحلوة.
هذه كنوزنا الباقية، وهذا زيتنا الأصيل وهذه جرار شهدنا الحرّ، ما أحوجنا إليها في أيامنا.. لتكون بوصلة علم وقدوة كفاح عذب الثمار.
لتبقَ ذكراه الطيّبة تتضوّع بخورا ولبانا ومسكا في فضاءات العلم، وبين الإشراقات العلمية والمعاهد التربوية.

الأثنين 12/2/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع