أنحني تقديسًا لأم أحمد جرار

شوقية عروق منصور


عندما يُقتل، يستشهد، يموت، يمرض، يختفي، أحد الأبناء أول ما يخطر على بالي والدته، أمه، كيف سيكون ردة فعلها، كيف ستستقبل الخبر القاسي؟ وكيف ستجتاز قضبان الحزن التي طوقتها وتكسر حديد الوجع؟
أضع أمومتها تحت المجهر وأفتش بالثقوب السوداء التي انبثقت من جوف القلب وأخذت تتناسخ في الروح وباقي أعضاء الجسم، حتى تتحول مرايا الأمومة الى غموض يتحرك في الحياة دون أن يعرف المحيطون به قراءة عذابه. متاهة من الجليد اليومي تحل محل حدائق الأمل التي كانت مزروعة بأشجار سنوات حياة الابن.
لكن أمام الأم "ختام جرار" والدة الشهيد المقاوم أحمد جرار – تنسب اليه قيادة المجموعة التي نفذت عملية اطلاق النار قرب البؤرة الاستيطانية  حفات غلعاد وقتل فيها أحد المستوطنين- شعرت أنني أمام الأم الخارقة، لقد عرفنا وعشنا وسمعنا عن أمهات الأبطال والشهداء اللواتي زغردن عند تشييع جثامين أبنائهن، وكنت أعلم أن الزغرودة تخفي تحتها جمرات الفراق والدموع الحارقة، لكن وقفة أم أحمد جرار أمام وسائل الاعلام بصوتها وصورتها أدخلتني في ظل الأمومة المقدس الذي يحمل مشروعًا وطنيًا لا يتزحزح، الظل الذي يقدم أسرارًا لا يعرفها الساسة والسياسيون، فحين ضجر رجال السياسة من هموم القضية وقدموا أوراق اعتمادهم للتنازل والمصافحة والجلوس على طاولات المفاوضات، كانت هناك الأمهات يحرسن القضية ويعلمن الأبناء لغة الرفض والمقاومة.
في قرية اليامون قضاء جنين، كان موعد استشهاد الابن أحمد  جرار، على مدار الأسابيع والحملات العسكرية المتواصلة تبحث وتفتش، حتى استطاعت معرفة مكانه وبعد معركة بينه وبينهم تم اغتياله.
 ومن خلال وسائل الاعلام خرجت صورة والده "نصر جرار" الذي  استشهد عام 2002، بعد عدة محاولات لاغتياله، وأيضًا هدم بيت عائلة أحمد، وبين استشهاد الزوج واستشهاد الابن كانت الأم "ختام" تقف سدًا فلسطينيًا شامخًا، بعد أن وصلنا الى قناعة أن عصر السدود قد تحول الى سواتر ترابية آيلة للذوبان في كل لحظة.
أم أحمد أو المرأة الشامخة  "ختام جرار"، تلك المرأة جميلة الخَلق والخُلق، تقف بكامل اناقة أمومتها وكامل شموخ ايمانها، وتؤكد عند استشهاد ابنها بقولها " الحمد لله " وتردد بقوة وصبر " الحمد لله" دون نزول دمعة يعتبرها الأعداء ضعفًا،  هذا العطر النازل من صفحات موسوعات الأمومة، من يستطيع شمه إلا الأمهات الصابرات، من يستطيع حمله الا الأمهات اللواتي منحن ارحامهن واحضانهن لقضية الوطن. أي أسلحة دمار شامل تحمله تلك الأم ختام جرار  للعدو حين تقول عند استشهاد ابنها "الحمد لله" استشهد بالعز والكرامة علشان وطنه..!
ما قول الذين يزاحمون في المطارات لبيع الوطن، والذين تطل صورهم وهم يرسمون ابتسامتهم حسب فصول الطبيعة الامريكية والأوروبية والسعودية والقطرية والمصرية... وآخر العصابات الرئاسية والدبلوماسية، عليهم الخشوع الآن  أمام أم أحمد، عليهم أن يأخذوا دورات في كيفية الشموخ الخالي من المناصب والرواتب والمراتب.
أم أحمد – ختام جرار – أعلنك رئيسة فلسطين الحقيقية، اعلنك الحكومة والوزارات، لأنك أنت الأم الأرض والهواء والشمس والقمر، لأنك أنت وباقي الأمهات اللواتي رددن مثلك " الحمد لله " هن  كل شيء، لذلك انحني لك واشكرك على جرعة الكبرياء التي قمت بتقديمها أمام العالم، قدمت أقصر رسالة صنعت من ورق العطاء.

13/02/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع