تيسير عاروري: النضال ضد الإبعاد الجماعي (3): العمل الجماهيري والنسوي


أمل غضبان/عاروري


إنخرطت المرأة الفلسطينية بفعاليات الإنتفاضة (الأولى) بشكل كبير فاق التوقعات


اذار النضال
في تلك الأيام، في الثامن من آذار كانت توزّع الأزهار الحمراء من القرنفل والجوري على كل النسوة، في الشوارع، المؤسسات، على البيوت، دار دار، إحتفالا بيوم المرأة العاملة العالمي وتقديراً من الشعب لنساء الوطن، لأن لكل امرأة دور فاعل وجب أن يذكر ويكرّس. تروي لنا الرفيقة والصديقة نهى البرغوثي عن شراكتها مع تيسير في العمل الجماهيري البنّاء قائلة أن علاقتها معه توطدت ”تحديدًا لقناعته الراسخة وعمله الدؤوب لتعزيز دور المرأة، من خلال تأسيس لجنة المرأة العاملة واللجنة العامة لمعلّمي الحكومة. وكان لدعمه اللامحدود لإنجاح هذه اللجان الجماهيريّة الأثر الكبير“


كانت حياتنا صاخبة بفعل الغليان الشعبي في شتى أنحاء البلاد وإنتفاضة الجماهير، وحملات التضامن الواسعة معنا كعائلة مناضل سلمي مهدد بالإبعاد عن وطنه وعائلته ومجتمعه الذي أحب. زيارات العائلة والرفاق، وفود وزيارات تضامنية من قوى السلام الإسرائيلية وبشكل أساسي الحزب الشيوعي الإسرائيلي وحركة السلام الآن، ووفود تضامنية عالمية ممن قدموا للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وأنا كنت أتنقل بين رام الله، القدس وتل أبيب والناصرة وحيفا للمشاركة بفعاليات تضامنية مع المعتقلين ولفضح سياسة الإبعاد الجماعي التي تنتهجها حكومة رابين وميتسناع، ولدعم الإنتفاضة المجيدة وللحديث عن دور المرأة المحوري والمتميز في الإنتفاضة.
كان لا بد لي من الإستعانة بمن يساعدني في رعاية أطفالنا الثلاثة أثناء القيام بمهماتي ومسئولياتي اتجاه قضية الإبعاد الجماعي وإبعاد تيسير وعائلتي، واستمرار مشاركتي في برامج الإنتفاضة الشعبية اليومية، والقيام بعملي كمنسقة لشبكة رياض الأطفال والحضانات لجمعية المرأة العاملة الفلسطينية في منطقة الوسط. بالإضافة إلى دعم العائلة والأصدقاء، في فترة رافقتني زينب طالبة من جامعة بيرزيت واعتنت بالأطفال، أحبتهم وأحبوها وكانت بالنسبة لي طوق نجاة. في فترة أخرى إستضفنا متضامنة شابة قدمت من الولايات المتحدة الأميركية، موفدة من خلال المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كان بروفيسور نصير عاروري من مؤسسيها وعضو في مجلس الأمناء (إبن العم والصديق المقرب لتيسير وأحد أهم محركات عملنا ضد الإبعاد كما أوضحت في الحلقة السابقة).
إنخرطت المرأة الفلسطينية بفعاليات الإنتفاضة بشكل كبير فاق التوقعات. نزول يومي إلى مراكز المدن للمشاركة في المظاهرات ولحماية الشباب من الإعتقال. نعمل حتى الثانية عشرة ظهرًا تبعًا لتوجيهات القيادة الوطنية الموحدة وننطلق بعدها إلى مراكز المدن حيث قوّات الإحتلال الإسرائيلي تجول الشوارع لمنع إغلاق الأسواق التجارية إيذانًا ببدء الإضراب التجاري  اليومي الساعة 12 بطلب من القيادة الموحدة. وتبدأ الإشتباكات وعمليات الكر والفر، إصابات ومحاولات إعتقال. نسوة هنا وهناك تخلّص المتظاهرين من أيدي الجنود، وأخريات يقدمن الإسعافات الأولية، وأخريات يحملن الحجارة في سلّات الخضار للتمويه (أداة الإنتفاضة الشعبية) ويوزعنها على الشباب لضرب الجنود. إطارات مشتعلة هنا وهناك، غاز مسيل للدموع يقذف بإتجاه المتظاهرين، المتظاهرون يردونها للجيش ببسالة، فيما فرق توزع البصل وتسعف المصابين. التجار والمنازل في مركز المدينة والبلدة والقرية حاضنات دافئة للمنتفضين الثائرين على المحتل، لديهم الجاهزية لإستقبال المطاردين من الجيش في بيوتهم ومتاجرهم وتوفير مخبأ آمن لهم، أو لمساعدتهم على الفرار بعد تغيير ملابسهم للتمويه وجعل التعرّف عليهم أصعب، أو إسكانهم وكأنهم من أهل البيت عند دخول الجبيش للتفتيش والإعتقال، فتراهم يمارسون أعمال منزلية، ينظفون الصحون، يكنسون، وفي القرى والبلدات ولدى هروبهم الى الحواكير والمزارع  يعملون مع المزارعين، وغيره.
جولات من الكر والفر لساعات، وبعدها يتفرق المتظاهرون وتترك المحلات التجارية مفتوحة ومشرّعة بعد أن كسرت قوات الإحتلال أقفالها لكسر الإضراب من خلال تخويف التجار من الضرر والنهب. ينسحب المتظاهرون وتبقى العيون من فرق حماية المراكز التجارية المشرعة أبوابها. ومع هطول الظلام وإنسحاب المحتل الشكلي من مراكز المدن ينتشر شباب يحملون أقفالا جديدة ، يغلقون المحلات التجارية ويقومون بتسليم المفاتيح الجديدة لأصحابها، وينسحبون لإستراحة مقاتل وللتحضير لفعاليات اليوم التالي.
في الأحياء نشاطٌ من نوعٍ آخر، مدارس شعبية تدار في ساحات البيوت والحواكير لتعليم الأطفال المغلقة مدارسهم كي لا يخسروا العام الدراسي بسبب الإضرابات والإغلاقات بأوامر عسكرية ومنع التجول المستمر، يشرف عليها المدرسون  المضربون ومتطوعون من المجتمع المدني. لقد كان مشهداً شبه عادي لدى المرور بحارة أو بحي أن نرى عشرات الطلبة يجلسون في ظل شجرة ومعلمة ولوح صغير وعملية تعليمية، ويتكرر المشهد في ساحات بيت هنا وآخر هناك.
وفي الأحياء، متطوعون يزرعون الخضار والبقوليات والقمح لدعم صمود الناس فيما عرف بنظام تعاونيات الأحياء التي أنتجت أنواعاً من المربى والمخلل، وجففت البقوليات من أجل تحصين صمود المجتمع في مواجهة آلة المحتل. على التاريخ أن يذكر بأن المواطنين تبرعوا على المستوى الفردي بالكثير، بالوقت والجهد والصحة والأمان، وأيضاً من ممتلكاتهم الشخصية لدعم الإنتفاضة وتعزيز الصمود. حتى فائض الأدوية في البيوت كان يتم جمعه وتسليمه لطواقم الإغاثة الطبية، والألبسة والأغطية والتموين تُسلّم للجان الشعبية ولجان الأحياء، لتوزيعها والإستفادة منها في عملياتهم الإغاثية على مستوى الوطن والمناطق الأكثر مواجهة مع المحتل كنابلس وجنين ومخيمات الجلزون وبلاطة والدهيشة وغيرها. الشركات والمؤسسات والتجار تبرعوا بدورهم بالمواد الغذائية والعينية والنقدية، وشركات الأدوية ساهمت بشكل كبير في الدعم الطبي من خلال توفير مواد تعقيم ومسكنات وأدوية. المخابز كانت تتطوع بأيام عملٍ لإنتاج الخبز للمناطق الخاضعة تحت منع التجول. وكانت لجان جمع التبرعات تقوم بتجهيز الطرود و إمداد سكان مناطق منع التجول بالطرود الغذائية والطبية  بتهريبها ليلاً عبر الوديان والجبال والطرق الوعرة عندما تسهو عيون المحتل. كما يروي لنا الرفيق غسان الخطيب في كتاب ”تيسير: تاريخ يروي سيرة يصعب ردفها“ المهدى لذكراه:
”تجدر الإشارة إلى أنّ تلك الانتفاضة التي يتغنّى بها الجميع لم تكن وليدة اللحظة، كما أنّها لم تكن عفويّة كما يحلو لبعض الهواة أن يصفوها. لقد كانت ممكنة الحدوث والاستمرار والاتّساع والعمق والشموليّة بسبب نضوج أطر جماهيريّة منظّمة وممتدّة أفقيًّا وعموديًّا في طول الوطن وعرضه. كما كانت ممكنة بسبب ثقة وإيمان الجمهور بالقيادة السياسيّة المحلّيّة التي كانت في مقدّمة الصفوف عطاءً وتضحية. وسواء كانت هذه الأطر الجماهيريّة شبابيّة، كاتّحاد الطلبة الذي ورد ذكره أعلاه، أم الأطر النسائيّة والصحّيّة والزراعيّة والتطوّعيّة والعمّاليّة النقابيّة، والتي لا بدّ أن يأتي ذكرها من قبل رفاق آخرين، فسنجد لتيسير بصمات واضحة في فكرة وقصّة نجاح معظمها. فقد تميّز تيسير بإيمان وثقة عميقين بالجماهير وقدرتها على العطاء، إذا كانت منظّمة وإذا وجدت أمامها قيادة قدوة وموثوقة.“ (ص. 82)
على عكس الحال اليوم، خلال الإنتفاضة قبل ثلاثين عاماً لم يكن قرار القتل للمتظاهرين والمواطنين جاهزاً كما اليوم. ولهذا كان لسقوط شهيدٍ دوياً كبيراً وكان حدثاً ذو أثرٍ ومعنى. بعد الظهر موعدنا مع الشهيد، فالشهيد لم يكن رقماً يضاف الى الأرقام السابقة. كانت مواجهات صعبة وكر وفر وغاز مسيل للدموع  ورصاص مطاطي، ودبسات تنال منك إذا قذفك حظك السيء وأمسك بك جندي مع سياسة ”تكسير العظام“ لإسحق رابين، فتبقى طريح الفراش أياماً وأسابيع. المناضلة ليلى حمايل ذات الخمسين عاماً  كانت على موعد مع تكسير لعظامها بالدبسات في أحد الأيام لدرجة أقعدتها في الفراش لأشهر. في ربيع 1989 في قرية بيتا، إعتقل جنود مجموعة من الشباب، إقتادوهم الى ضواحي القرية وأوسعوهم ضرباً وتكسيراً بالدبسات، مشاهد مؤلمة ووحشية  ظلت تتكرر في التلفزيونات والفضائيات لسنوات وسنوات عن عنف المحتل وسياسة تكسير العظام الرابينية، إلى أن إستبدلت بمشاهد القتل من نقطة صفرالتي نشهدها اليوم لمجرد أنك فلسطيني، فيملك جندي مجنون على حاجز عسكري قرار إعدامك وبدون سبب. ولهذا كان للشهيد موعداً مع جنازة تليق به وبيت عزاء عامرٍ بالمتضامنين والمعزين، وأهل الشهيد يحاطون بعناية وتقدير.
ولأن الخوف من الموت بلا سبب لم يكن هاجساً حاضراً كما اليوم، أذكر أنه في يوم إثنين من ربيع  1989 وبينما كنت بطريقي مع الأطفال لزيارة تيسيرفي سجن جنيد وكانت نابلس تحت منع التجول كما شبه العادة، أوقفنا جندي على حاجز حوارة المشئوم. ”وين رايحة؟“، أجبت: ”إلى طولكرم“. الجندي: ”ممنوع“. فقلت له: ”لماذا؟ أنا ذاهبة من وادي قانا ولن أدخل نابلس“. الجندي: ”قلتلك ممنوع. لف السيارة، خود هوية وإرجع“. أجبت: ”والدتي مريضة وعلي زيارتها في طولكرم“. الجندي: ”ممنوع“. جدال طويل تحوّل إلى صياح بيننا، ولم يغيير الجندي رأيه. تركت هويتي مع الجندي وركبت سيارتي وإنطلقت الى وادي قانا وأنا مصرّة على أن لا أحرم الأطفال زيارة والدهم وتيسير ينتظر. وصلنا السجن وقمنا بالزيارة بدون هوية، فالسجّانة التي تقوم بالتسجيل للزيارات متضامنة معنا. اليوم لا أحد يجرؤ على فعل ما فعلته يومها، فقرار القتل جاهز، وعلى عكس اليوم كنّا دائماً على ثقة بأن أحداً سيخلّص الآخر بطريقة أو بأخرى، ذهب المحامي إبراهيم البرغوثي في اليوم التالي لمقر الحكم العسكري في نابلس وأحضر لي الهوية.
ولأننا كنا غطاء الأمان والدفئ أحدنا للآخر، بادرت الرفيقات الى كسوة المعتقلين في سجون المحتل والذين فاق عددهم الآلاف وللمطاردين الذين سكنوا الجبال والمغر. لا أذكر عدد المرات التي حملت بها الصوف لحياكة خمسمائة جارزة في المرة الواحدة بسيارتي الفيات 127 من شركة الطاهر في بيتونيا، والإنطلاق بعدها إلى الأحياء لتوزيعها على مراكز الإنتاج . مئات النسوة تطوعن لحياكة الجرازي كحلية اللون للسجناء والمطاردين ومنهن من لم يسبق لهن حياكة الصوف؛ الواجب الوطني علّمهن الحياكة. أما ذوات الخبرة منهن فكن يتولين إدارة العمل في الحي من حيث تعليم الحياكة للراغبات بالمساهمة في الحملة الوطنية "جارزة  لكل معتقل" ومراقبة الإنتاج والجودة وأعمال التشطيب النهائي. ثم يتم تسيلم الجرازي إلى مراكز اللجان الشعبية في المدن والتي تسلّمها بدورها للصليب الأحمر الذي يقوم بتوزيعها على المعتقلين. بيت إم ماجد أبوغوش الصغير وحديقته الأمامية  كان مشغلًا كبيراً لنساء الحي يتجمعن وينتجن، وإم ماجد وبناتها بخبرتهن الواسعة يشرفن على الإنتاج. إم خليل أبو نحلة علّمت العشرات من النسوة والصبايا كيف يحكن الصوف، وينتجن الجرازي للمعتقلين، وبيتها الصغير كان كخلية النحل. لكم كانت أيام غنية بعطائها وتضحياتها، وشغف الناس للحرية والإنعتاق من الإحتلال كان أكبر من كل التضحيات. كانت حريتنا وتحررنا قاب قوسين أو أدنى. ماذا حصل؟؟
في تلك الأيام، في الثامن من آذار كانت توزّع الأزهار الحمراء من القرنفل والجوري على كل النسوة، في الشوارع، المؤسسات، على البيوت، دار دار، إحتفالا بيوم المرأة العاملة العالمي وتقديراً من الشعب لنساء الوطن، لأن لكل امرأة دور فاعل وجب أن يذكر ويكرّس. تروي لنا الرفيقة والصديقة نهى البرغوثي عن شراكتها مع تيسير في العمل الجماهيري البنّاء قائلة أن علاقتها معه توطدت ”تحديدًا لقناعته الراسخة وعمله الدؤوب لتعزيز دور المرأة، من خلال تأسيس لجنة المرأة العاملة واللجنة العامة لمعلّمي الحكومة. وكان لدعمه اللامحدود لإنجاح هذه اللجان الجماهيريّة الأثر الكبير“ (ص. 88)؛ وكتبت المؤرخة والراوية الصديقة د. فيحاء عبدالهادي في شهادتها أن تيسير ”دفع باتّجاه وجود النساء في أعلى المواقع القياديّة، معتبرًا أنّ ’الموقف من المرأة، هو بدقّة ميزان الذهب وأكثر‘“ (ص. 150، كتاب ”تيسير: تاريخ يروي سيرة يصعب ردفها“). أما أنت تيسير — وأنت أول من إحتفل معنا بيوم المرأة العاملة العالمي بدعمك وتوجيهك لخلية لجان المرأة العاملة الفلسطينية أوائل الثمانينات والتي أصبحت الذراع النسوي للحزب الشيوعي الفلسطيني في الإنتفاضة وقادت آلاف النسوة في النضال لسنوات من خلال رفيقات مثل أمل خريشة، حنان بنورة، مي عميرة، سمر هواش، رنا النشاشيبي وغيرهن كثر — أذكرك ومنذ السنة الأولى لزواجنا وأنت تحمل باقات القرنفل الأحمر، للرفيقات والجارات وشقيقاتك، ولي. وعندما كبرن بناتنا أصبح لديهن حصة من الورد.
في هذا الثامن من آذار أقدم وردةً لكل صديقة ورفيقة شاركتنا في العمل الجماهيري التحرري قبل وخلال الانتفاضة، وفي حملات التضامن مع المعتقلين وفي معركة النضال ضد سياسة الإبعاد الجماعي التي بدأناها مع تقدم مجموعة المبعدين التي شملت تيسير بإعتراضهم إلى لجنة الاعتراضات العسكرية ضد أوامر الإبعاد الصادرة بحقهم. كان هدفنا إلغاء أوامر الإبعاد الصادرة وإيقاف سياسة الإبعاد الجماعي، وفي الحد الأدنى، إبطاء وتيرة صدور قرارت الإبعاد الجماعي بحق قادة الإنتفاضة. فماذا كانت إستراتيجياتنا؟

السبت 10/3/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع