ترجمة الشاعر وديع البستاني لرباعيات الخيام


د. سميح مسعود


الأفكار واتساقها
لا يقف جهده المبدع في حدود الترجمة فحسب بل إنه غير بنية تركيب الرباعيات وأظهرها في سباعيات، نظمها شعرًا وضمنها في نشيدين قدم وأخر في ترتيبها متوخيًا تسلسل الأفكار واتساقها، وقد تم له نظم مائة سباعية، عاد فحذف عشرين منها بابعاد المكرر والدخيل منها، بعدها عاد من لندن إلى القاهرة، وقام بطبعها ونشرها في عام 1912 بين دفتي كتاب عنوانه "رباعيات الخيام الفلكي الشاعر الفيلسوف الفارسي".


سمعت بهذه الترجمة للمرة الأولى قبل عدة سنوات، وأخذت بالبحث عنها من قبيل اهتمامي بالشاعر الحيفاوي اللبناني الأصل، لشخصيته الأثيرة ولعشقه لفلسطين وأهلها، ولم أعثر على أي دليل يشيرإلى وجودها ضمن الكتب المعروضة  للبيع في المكتبات العربية.
حصلت فقط على معلومات أثناء بحثي، تؤكد على أن ترجمة البستاني هي أولى الترجمات الشعرية في القرن الماضي، فقد عرب الرباعيات شعرًا، كما عرب شعرًا أيضًا بعض أعمال الأساطير الهندية، التي تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل، ولجودة ترجمته يرى بعض النقاد أنه قاد حركة الترجمة والتعريب على المستوى العربي في النصف الأول من القرن العشرين.
لم أكن أدري وقد دفعت بي الصدف في بداية شهر شباط 2017 لزيارة مدينة الدار البيضاء المغربية، كي أشهر الجزء الثالث من ثلاثيتي في البحث عن الجذور، أنني سأحصل على نسخة قديمة من ترجمة البستاني لرباعيات الخيام في تلك المدينة.
تجولت في الدار البيضاء أثناء زيارتي لها، وتعرفت على معالمها، وذات يوم تعرفت على سوق البحيرة أشهر وأقدم سوق للكتب القديمة والمستعملة في المغرب..اجتاحتني فرحة عارمة لوجود  سوق كبير لمثل هذه الكتب، يعتبره المغاربة علامة  مميزة في ذاكرة القراء ،لمساهمته في تثقيف أهل الدار البيضاء، ومحبي الثقافة في المغرب.
تجولت في السوق، وتابعت التنقل من مكتبة إلى أخرى مُستمتعًا بما تزخر به من كُتب قديمة  ومستعملة في مختلف مجالات المعرفة، وتوقفت مطولًا في ثلاث مكتبات ضخمة: مكتبة "اقرأ" رقم 9 ومكتبة "النور" رقم12 ومكتبة "البحيرة" رقم 4، وفي لحظة وجدتني أقف أمام بائع سبعيني في مكتبة  صغيرة أسسها في ريعان شبابه..تبادلت معه أطراف الحديث، وعلمت منه أنه قضى طيلة عمره في بيع الكتب القديمة، والأهم استحضر في حديثه معي  بشيء من التفصيل أسماء كتب نادرة باعها في سنيه الماضية.
أمضيت بعض الوقت وأنا أستمع إليه، ودهشت عندما قدم لي مجموعة من الكتب القديمة، شعرت بفرح عارم  عندما رأيت بينها ترجمة وديع البستاني لرباعيات الخيام التي أبحث عنها، اشتريتها مع عدة كتب أخرى من نفائس الكتب القديمة، التي تمنيت اقتناءها منذ زمن طويل.
اجتاحني إحساس بالراحة وأنا أتصفح كتاب وديع البستاني، صفحة تلو أخرى بشغف كبير،قرأته خلال فترة وجيزة، ووجدت ما فيه من أشعار باللغة العربية تشع بجاذبية خاصة، نفثها الشاعر الحيفاوي من يراعه، وتفوَّق فيها على غيره من مترجمي رباعيات الخيام.
أول ما لفت نظري في الكتاب مقدمة بقلم  الأديب المصري المعروف مصطفى لطفي المنفلوطي، كتبها في30 /12/1911،اتسمت بأسلوبه الرومانسي المعروف، عبر فيه ببهجة جياشة عن تقديره لرباعيات عمر الخيام، وشبهها بـ"مرآة صافية يتمثل فيها الكون  بأرضه وسمائه، وليله ونهاره.." كما شكر في مقدمته  وديع البستاني "للنعمة التي أسداها إلى أبناء الضاد بترجمة الرباعيات، ترجمة شعرية  بديعة ."
بعد ذلك قرأت مقدمة البستاني لكتابه، التي يعرف فيها عن عمر الخيام ورباعياته وفلسفته وشعره، ويقارنه بأبي علاء المعري مبينا بصريح العبارة: " هنالك القائلون أن الرباعيات منسوجة على منوال اللزوميات، وأن الخيام تلميذ أبي العلاء في أفكاره،وخلفه في مبادئه وآرائه."
ويؤكد في هذا الجانب بقوله:" لا شك أن أوجه الشبه بين أقوال الرجلين كثيرة واضحة،ووجه الاحتمال جليٌ ظاهر، فقد كان عمرٌ ضليعًا بالعربية وعلومها وآدابها، بل كان يؤلف وينظم فيها... ومن يقارن بين اللزوميات والرباعيات يرَ أن صاحب الأولى وصاحب الثانية يرميان إلى أغراض متقاربة متشابهة: فكلاهما يقول بخلع ثوب الرياء،وازالة البدع والترهات، وتحكيم العقل في أمور الدين؛ وكلاهما يدعو إلى الزهد في متاع الدنيا واحتقار حطامها، ويشدد النكيرعلى ظلامها وطغامها؛ وكلاهما ألمع إلى النظرية المادية التي تناولها فلاسفة القرن التاسع عشر وعلماؤه وراحوا يؤيدونها بأبحاثهم واكتشافاتهم- وأقصد تلك النظرية المضمنة قول أبي العلاء:
               والذي حارت البرية فيهِ       حيوان مستحدث من جماد
وهي نفس النظرية الواردة على غاية ما يكون من الوضوح والجلاء في كثير من أقوال الخيام."
ولكي يثبت البستاني تمكن الخيام من اللغة العربية، أورد نمطًا من شعره بالعربية استهله بالبيتين التاليين:
العقل يعجب في تصرفهِ        ممن على الأيام يتكلُ
فنوالها كالريح منقلب           ونعيمها كالظل منتقلُ
بعدها تحدث البستاني في مقدمة كتابه عن الرباعيات، وبين "أن الخيام نظمها باللغة الفارسية، بعضها مؤلف من أربعة أشطر جميعها على قافية واحدة، والبعض الآخر من أربعة أيضًا الأولان والاخير على نفس القافية والثالث مستقل تمامًا."
وبين في مجال رصده مخطوطات الرباعيات، بأنها متعددة تتألف من أعداد مختلفة وبين أن "عدد الرباعيات المنسوبة إلى عمرالخيام مما ورد في النسخ الخطية ألف ومائتان، نحو 1040 منها مستقلة بمعناها بعض الاستقلال بحيث يمكن اعتبارها كرباعيات مختلفة، وأما الرباعيات التي لا ريب ولا نزاع في نسبتها إليه فلا تنيف عن الاحدى عشرة. وهي التي أردفها باسمهِ مَن ذكره من معاصريه في آثارهم الباقية حتى اليوم."
ويتابع البستاني رصد الرباعيات مؤكدًا أن جزءا منها ورد في دواوين غير الخيام من شعراء الفرس خاصة في دواوين ثلاثة من كبارهم، حافظ الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار،وتلقب بالرباعيات المتشردة، ويطرح المؤلف تفسيرات لهذا الجانب المهم، وجدته يرجح فيها وجود كثرة الدخيل في رباعيات الخيام، لكنه يستدرك في هذا الشأن بالقول" حسبنا من هذه الرباعيات أنها مجموعة خواطر شعرية،وسجل أقوال فلسفية، نقرأها فيما نقرأ ونطالع من الأدبيات الفارسية؛ وحبذا لو كثر لدينا المنقول منها."
اهتم البستاني في سني الصبا والشباب بالتعرف على الرباعيات باللغة الإنجليزية، واهتم بترجمة الشاعر الإنجليزي إدوارد فتزجرلد الذي ترجم رباعيات الخيام عام 1859ونظمها في رباعيات انجليزية خلدت اسمه في تاريخ الآداب الغربية، وبسببها سافرشاعرنا إلى لندن وبقي فيها فترة من الوقت تمكن فيها من ترجمة الرباعيات إلى اللغة العربية معتمدا على ترجمة فتزجرالد.
ولا يقف جهده المبدع في حدود الترجمة فحسب بل إنه غير بنية تركيب الرباعيات وأظهرها في سباعيات، نظمها شعرًا وضمنها في نشيدين قدم وأخر في ترتيبها متوخيًا تسلسل الأفكار واتساقها، وقد تم له نظم مائة سباعية، عاد فحذف عشرين منها بابعاد المكرر والدخيل منها،بعدها عاد من لندن إلى القاهرة، وقام بطبعها ونشرها في عام 1912 بين دفتي كتاب عنوانه" رباعيات الخيام الفلكي الشاعر الفيلسوف الفارسي".
وكمثال على ما ضمنه من شعر جميل  في كتابه،أقدم إلى القارئ نص السباعية رقم 40 من النشيد الثاني:
يا نديمي قد آن موت النديمِ
فاذكرني ذكر الصديق القديمِ
وابكينّي بدمع بنت الكرومِ
وبكأس الرحيق قف فوق قبري
واسكب الخمر فوق عشبٍ وزهرِ
فرفاتي اذ ذاك زهرٌ وعشبٌ
وأنا الشيءُ كان كونًا وحالا

لاقى الكتاب قبولًا كبيرًا في الأوساط الأدبية العربية، مما شجع شاعرنا الكبير على الاهتمام بالترجمة والتعريب فسافرإلى الهند في عام 1912وأقام فيها عامين، تعرف خلالها على الشاعر الهندي الشهير طاغور، وأقام بضيافته وترجم له مجموعة شعرية من مجموعته الغزلية في صور شعر منظوم ونثر وتعليقات كثيرة أطلق عليها اسم " البستاني"، كما ترجم مجموعة من الآثاروالملاحم الهندية الخالدة،نظمها شعرًا في حوالي عشرة آلاف بيت، وقد ذكرتها في مقال سابق. وبهذا اعتبر شاعرنا الحيفاوي وديع البستاني رائدًا من رواد الترجمة والتعريب في الدول العربية.

السبت 10/3/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع