تأمُّلات المُلَقَّب بالشيخ مُطيع (2)


ابراهيم مالك


مُتاجِرون بالدّين
الدين، حدَّثَ نفسه شبه هامِسٍ، منذ نَشأته وظهوره كان وليد أسئلة حياتية ـ ووليد عقل مُتَخِيِّلٍ وباحث عن أجوبة، مثل سؤال من نحن ومن خلقنا ولأين سنمضي حين نموت وما فائدة الحياة؟ وازددتُ قناعة، كُلّماَ تأمَلْتُ عالمي الضيق والواسع ـ القديم والجديد، أن لا علاقة بين الدين والتجليات الاجتماعية، الاقتصادية أو السياسية، وانَّ من يَدَّعون غير ذلك هم المُتاجِرون بالدّين ومن حاولوا، بالتي هي أحسن والتي هي أخشن، تحويل الفكر الديني إلى وسيلة لِخِدْمَة من هم في السلطة مُرَدِّدين قولًا، يَدَّعون أنَّ الله الاكرم والرسول الكريم هما اللذان قالاه:


تقولُ حكاية البحث الأفغانية:
كان ولدٌ شابٌ يسهر عند صحبه الساكنين عند طرف القرية، عاد في الليل إلى بيت أهله، أمِّهِ وأبيه، فرأى رَجُلا هرمَ الحالة يبحث في تراب الطريق عند نور القنديل الخافت المعلق عند باب بيت قبل بيت أهل الشّاب، اقترب من الشيخ وسأله عما يبحث،
قال الرجل الهرم:
قبل قليل أضعْتُ مُفتاحَ بيتي، أضعتُهُ هناك في العتمة الشديدة، وكي أجدَهُ بَحثتُ عن موقع نور وإن كان نورا خافتا وضعيفا، فجِئْتُ هنا أبحث عن مُفتاحِ بيتي عائلتي!
استغرب الشاب، كيف ترك الرجل الهرم مكان ضياع المفتاح العَتِمَ وجاء يبحث عنه في مكان مُضاءٍ قليلًا.
قال الرجل حين لاحظ استغراب الشاب، قال:
يا ولدي الحبيب، هذا ما عَلَّمَتْني أمّي وأوصتني الحفاظ على ما علمتني، وأمّي قد تكون الحياة، ومن يومها وأنا أبحث عن شعلة نور عند كلِّ بحثٍ عن ضائع وبحثٍ عن جديد آخر أريده وأتمَنّاه.
عندها حرَّكَ الشاب رأسه في استغراب شديد وتابع السير.
بعد قليل التفت إلى الوراء، فلم يجد الرَّجُلَ الهرم، ناداه بصوت مَسموع: أينك يا عَمّي؟
وحين لم يسمع جوابًا، عاد إلى الموقع عند ضوء القنديل ولم يجد أثرا لذاك الرجل العم، تأمَّل تراب الطريق فوجده منبوشًا، فراح يبحث من جديد عن مفتاح البيت!
قال شيخ مُطيع لأبنائه، حين سمع ابنه عبد الله يحكي ما قرأ ذات يوم، قال:
إنَّ النور هو نور حياة وشعاع معرفة وهو ما ينقصنا اليوم ونحن نبحث، فلم نجد مفتاحنا حقيقة، ولن نجد طريق عودة ولن نجد طريق بقاء، والبقاء، حين يكون سليما، هو شرط العودة، والعودة هي شرط البقاء، يُحزِنُني يا ولدي ما بتنا فيه، صار أكثرنا يبحثُ عن نفق وَهمي لا ضوء فيه ولا حركة حياة. فصاروا يُعلَّمون أولادهم وأحفادهم، كُلَّ عائلاتهم ومُجتمعاتهم، أن ذاك النفق حين يدخلونه قد يَبدأ بإشْباعِ شهواتهم الجسدِيَّة المُتَوَهَّمَة كالحورٍيات العين والوِلْد المُخَلَّدين والخمر الصافي والعَسَلِ المُصَفّى وقد يكون فيه بعض نور هو الطريق إلى حياة أخرى مُتَوَهَّمة كذلك. وصار ذاك النفق، وما فيه من ديدان شرهة، صار كُلَّ أملهم وكُلَّ ما يعنيهم ويُشغِلُ ما فيهم من عقلٍ شبه عاقل!َ

***
تذكَّر الشيخ مُطيع ما كان ذات يوم!
جاءه ثلاثة رجال يلبسون لباسَ مشايخ مُتَدينين شبيهين بالدراويش ولكن بلا عزف تهاليل، لباسهم من قماش أبيض لافت للنظر، وحاولوا إقناعه بالقيام للصلاة معهم الآن والذهاب بعد الصلاة لسماع درسِ ديني، فقال لهم:
أرجوكم، لِنَشْربَ قهوةً أوَّلًا وبعدها نتحدَّث!
قال الثلاثة:
لَيْسَ لَدَيْنا وقت، نحن في عجلة!
سأل مَن حسبه أكبرهم سِنًّا:
من أينَ أنتَ يا شيخ؟
قال الشيخ:
أنا من النهر.
سأله ثانية، مرَّةً أخرى ودون حرج:
أنتَ مِنَ بَلْدَةِ النَّهرِ المُهَجَّرة، أمِ النَّهر الذي سُرِقَ ماءه وما حوله من أرضٍ، بيوت، عُشْب وشجر؟
قالَ الشيخ:
هذا لم يعُدْ يَعْنيني، فما يشغلُ تفكيري هو الصَّلاة، أرجوك قم لنصلّي، إكرامًا لِرَبِّنا وإن شاء الله، سندخُلَ بعدها الجَنَّة!
طال الحديث بينهما قليلا، فنهضَ الشيخ من مقعده قائلا:
حان وقت الصلاة، فلنقم...!
حينها تقدَّمَ الرجل الأصغر سِنًّا من ذاك الشيخ المُرافق له، وطلب من شيخ مُطيع أن يسمح لحفيدته، ابنة ولده عبد الله، بالانضمام مع نِسائهم المُنتَظِرات في الخارج والذهاب إلى الصلاة معهُنَّ! وقد جلب النساء لها معهنَّ أكثر من لباس مُتَديِّنات من جيلها وهي ستختار ما تختاره.
قال شيخ مطيع لذاك الرجل:
أنا لا أنصح حفيدتي بالصلاة أو التديُّن أو لبس الحجاب، أنصحها فقط بضرورة التعلُّم الدائم والتثَقُّف والاهتمام كثيرا بالقراءة، فهذا ما نحتاجه وتحتاجه مُجْتمعاتنا لتتخلَّصَ من وضعها المأساوي الراهن والمُحْرِج.
وقبل أن يُكْمِل ما أراد الشيخ مُطيع قوله لهذا الرَّجُل الأصغر سِنًّا، خرج ذاك الرَّجُلُ من البيت صامِتًا ومُتَوتِّر النفس وعجَّل في الطريق إلى الصلاة، يسبقه النساء المتحجبات.
اغلق شيخ مطيع عينيه بعدها وبدأ شبه حالة غيبوبة، فراح يسأل نفسه بوجع: كأن شيئًا لم يتغيَّر في هذه الحياة!
وكم ودَّ لو انهم بقوا في بيته قليلا، ليسمعوا بعض ما أرادَ ان يقول لهم بصراحة ما تعلَّمَ من الحياة، كثرة قراءاته وتساؤلاته وقد وسَّعت كُلُّها معًا بعض معرفته.
فهو يحترم كُلَّ مُعتقدٍ ديني وفِكْري وقد توصَّل إلى قناعة انَّ الدين هو وليد بيئة أرضية ولن يخفي عنهم أنَّهُ كان يسأل نفسه، زمنًا طويلًا، هل من احدٍ يقوم بتأدية صلواتٍ وطقوسٍ دينية أخرى فوق كوكب المَرّيخ او كوكب الزهرة القريبين مِنّا او أيِّ موقع آخر.
والدين، حدَّثَ نفسه شبه هامِسٍ، منذ نَشأته وظهوره كان وليد أسئلة حياتية ـ ووليد عقل مُتَخِيِّلٍ وباحث عن أجوبة، مثل سؤال من نحن ومن خلقنا ولأين سنمضي حين نموت وما فائدة الحياة؟
وازددتُ قناعة، كُلّماَ تأمَلْتُ عالمي الضيق والواسع ـ القديم والجديد، أن لا علاقة بين الدين والتجليات الاجتماعية، الاقتصادية أو السياسية، وانَّ من يَدَّعون غير ذلك هم المُتاجِرون بالدّين ومن حاولوا، بالتي هي أحسن والتي هي أخشن، تحويل الفكر الديني إلى وسيلة لِخِدْمَة من هم في السلطة مُرَدِّدين قولًا، يَدَّعون أنَّ الله الاكرم والرسول الكريم هما اللذان قالاه:
اطيعوا الله ورسوله وذوي الأمْر منكم!
حَدَّثَ شيخ مطيع نفسه،
لو قالوا:
أطيعوا الله ورسوله، لقلتُ هذا أقرب ما يكون لمنطق الإنسان المُتديِّنِ، عقله وفهمه، واحترمته كثيرا.
وكم سأل نفسه:
أيُعْقَل ان يطلُبَ مِثل هذه الطاعة من قال في موضع آخر:
إنَّ المُلوكَ إذا دخلوا قرية، افسدوا أهلها...
والملوك المُفْسِدون ناسهم، الأقدمون والجدد ومن كان على شاكِلتِهِم، هم ذوو الأمر منّا وهم سبب مأساة عالمنا!
التزمَ شيخ مُطيع الصمت وكان أدرك من زمن روعة القول:
إنَّ الله لن يغيِّرَ ما بقوم، ما لم يُغيِّروا ما بأنفُسِهِم...
وأدرك أنَّ وضع عالمنا لن يتغير إلى الأفضل ما لم يُغَيِّرْ ناسه ما بأنفسهم من جشع، شهوات، فراغ عقليَّة، انغلاق على الذات وعنفٍ.
عاد إلى صمته من جديد، أغلقَ عينيه ثانِيَةً، وباتَ يتأمل ذاك القول الذي رأى فيه
فكرة إنسانية رائعة ومُفْرِحة ومُنْقِذَة مِمّا نحن فيه.
فالتَّغَيُّر والتَّغيير هو تجدُّدٌ دائمٌ كّلَّما بدأت ضرورة حياتية، تفترضُهُ، وهو عملٌ إنسانيٌّ نافع والعمل كان ولا يزال شرط حياة.


 (يتبع)

السبت 10/3/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع