الرّكْفة، فصلٌ من كتاب نباتات...



صابون الرّاعي
في الماضي أعدّوا من درنة الركفة بديلًا للصابون، الدّرنة تحتوي موادّ راغية (سفونيم وسيكلمين)، طبقًا لاسم الركفة في اللغة الأجنبيّة) هذه المواد تساعد على تقليل توتّر الوجه في نقاط الدّهن، وبهذا تزول البُقع من القماش، اعتاد الرّعاةُ دَلْكَ الدّرنة المشطورة على بقعة مُبلّلة جيّدًا مُسبقًا، بعد ذلك غسلوا القماش وزالت البقعة، كان استعمال مشابه كذلك في عشبة التّوجانيجة، لهذا الصّنف درنة مستديرة لحميّة، تشبه كثيرًا درنة الرّكفة، وهي تحتوي كذلك على موادّ راغية

               
// ترجمة: نمر نمر



أطَلَّ علينا الباحثان: أموتص دفني، بروفسور متقاعد من جامعة حيفا والشّيخ صالح عقل خطيب/المغار ببحثهما المشترك: نباتات، عفاريت وعجائب/ نباتات الدّيار المقدّسة فولكلوريًّا، صدر عام 2017،إصدار: عالَم جديد/ عولام حداش،وَدَعْمِ جامعة حيفا ومشروع اليانصيب/ هبايس،غلاف مُقوّى، أناقة، ألوان،طباعة، جهد، عناية، تمحيص وتدقيق، تواضع، 270 صفحة، قطع متوسّط، عدد الفصول تسعة عشر هي: نباتات مباركة وأخرى مذمومة. نباتات النّعيم والجحيم. عفاريت، عين الحسود ونباتات السّجايا. نباتات، ساحرات وسحر. نباتات يسوع ومريم . نباتات،أنوار ومصابيح. نباتات الشّهوة والمحبّة. أسماء السّنديان وأمثالِهِ. نباتات، أفاعٍ  وعقارب. الحمار الباصِق  والجَمَل جميل  العينَين.  المُرُّ والحامض . نباتات المقابر. الأسماء العربيّة للركفة. العُنْصُل  نبيّ المطر. نباتات، عجائب وغرائب. نباتات وأحلام. نباتات في حياة الإنسان. نباتات وَطَبْع الانسان. نباتات وأمور العائلة. الدّراسة بالعبريّة، ولأهمّيّتها الشّعبيّة والتّوثيقيّة الرّائدة، عرّبْنا الفصل الثّالث عشر: الأسماء العربيّة للرَكْفة ص 166- 171، بعد إذن الباحثَين .
 *يبدو أنّه من بين كافّة نباتات البلاد:الرّكفة هي( بطلة الأسماء)، ولا يوجد صنف آخر من نباتات البرّ يُضاهيها بِتَعَدُّد أسمائها العربيّة، ثروة الأسماء هذه جاءت بالطّبع من منظر الزّهرة الغريب، رائحتها العَبِقة، منابِتها واستعمالها، فيما يلي أسماؤها مع ملاحظات لمعانيها وأصلها.
*رَكْف( ثلج خفيف)، هذا هو الاسم (الرّسمي) أدبيًّا للركفة، يبدو أنّ أصله من الآراميّة السّوريّة(رَكَفْتا)، ذَكَر هذا الاسم: أساف بن بْرَخْياهو واضع كتاب الأدوية، القرن السّادس للميلاد، من هنا اشتُقَ الاسم العبري(رَكِيْفِتْ)، في الأدبيّات العربيّة يظهر أحيانًا الاسم(رَكَفْتا)، للفعل ركف معانٍ هامّة في العربيّة، (الرّكف)  هو الثّلج الأوّل الذي يتكوّم على الأرض، يمكن الافتراض بأنّ لون الرّكفة النّاصع يُذَكّرنا بالثّلج (ربّما كمّيّات قليلة)، ركف يعني كذلك رجفة (اهتزاز وعدم استقرار)، رُبّما سُمّيت بهذا نسبة لحركة الزّهرة مع كلّ مهب ريح.
*سقوقة، زقوقيا، شقوقية، سكيكا، سكوكو، سقوقا. مصدر هذه الأسماء من كلمة (شقوق) التي تعني: تصدّعات في الصّخر، أو تجعّدات ناجمة عن منبت الرّكفة، وطبقًا لنفس الرّابط جاء اسم الصّنف:(حَجْفيت/شَقّ)، وصنفاهُ الموجودان في البلاد ينموان في شقوق الصّخور.
*حْميرة سْقاقا: كلمة حميرة من الأحمر، الاحمرار كَإبَر الأزهار والأوراق،سقاقا جاءت من ساق(سُوَيق) أو من شقوق(تصدّعات)، أي : (المُحْمَرّة في الشّقوق).
*أذنُ الأرنب: من السّهل رؤية شكل الزهرة، أذنان طويلتان كأذنَي الأرنب،في الطّب الشّعبي الأوروبي اعتادوا استعمال الرّكفة لعلاج آلام الأذن،طبقًا للنظريّة: "علاجُ الشّبيه بالشّبيه"، الزّهرة شبيهة الأذن تُداوي العضوَ الشّبيهَ به، تشابه الأزهار مع الأذنَين لم يغب عن عينَي الشّاعرة(بلهة أميتاي)، فكتبتْ: الرّكفة ُاستفاقت/صدىً بين الصّخور سمعتْ/ّ أذنيها نصبتْ/ الرّبيع  قريبًا آتٍ.
*صُرْم الدّيك: في نظرة على فتحة التّاج من الأسفل، لن تبقي مكانا رحبا للتشابه بما يتعلّق لمصدر الاسم، ويعرف الاسم: صْريمة الجاج.
- دْويك الجبل: ربما كان الاسم من تشابه الزّهرة مع عُرف الديك، في أسطورة مسيحيّة عن الركفة والمُخصّصة لمريم أمّ يسوع، تُسمّى الزهرة"ديك الجبال الأحمر".
* قرن الغزال: بسبب تشابه الأزهار وقرنَي الغزال، مع بعض الخيال الشرقي، هذا الاسم معروف كذلك بالسّحلب الأناضولي،قرن غزال الجبال.
* كعب الغزال: الظّبي رمز الجَمال، كما جاء في نشيد الأنشاد 2 /9 : حبيبي هو شَبيهٌ بالظّبي أو بِغُفْر الأيائل.
* غزالة: هو اسم مألوف بالعربيّة (في اللهجة القديمة تقريبًا)، للصبيّة الجميلة خاصّة،ليس الأمر بالغريب بأنّ النباتات التي تحمل اسم الغزال، هي حقًّا جميلة بشكل خاصّ.
* جوز حمام، بُرج الحمام: خذوا زهرَتَي ركفة قابلوهما معًا، فيبدو لكم (زوج حمام)، نبتة كثيرة الأزهار هي كبُرج الحمام.
*جْرين الحمام: ربّما كان مصدر الاسم من الحُمْرة على أرجل الحمام، ويُذَكّر بلون عنق زهرة الركفة.
*خروف أو خرفان/خواريف، خروف أبو علي: كثيرًا ما سمعنا هذه الأسماء واحترنا في مصدرها، في أحد الأيّام التقينا شيخًا طاعنًا (يسكن قرية أرمنيّة: شيخ بُريق، كانت على مقربة من الكرمل)، تفسيره للاسم كان بسيطًا: اعتاد الأولاد شَكَّ أزهار الركفة معًا، زباني الزهرة تدخل في مركز تويج الزهرة الأخرى، وهكذا تنتج قلائد، قلادة الأزهار المشكوكة تُذَكّرنا بلبدة الكبش، اسم آخر جاء كما يبدو من نفس الأصل وهو: ذْنيبة الخروف.
*صابون الرّاعي/ صابونة الرّاعي: في الماضي أعدّوا من درنة الركفة بديلًا للصابون، الدّرنة تحتوي موادّ راغية (سفونيم وسيكلمين)، طبقًا لاسم الركفة في اللغة الأجنبيّة) هذه المواد تساعد على تقليل توتّر الوجه في نقاط الدّهن، وبهذا تزول البُقع من القماش، اعتاد الرّعاةُ دَلْكَ الدّرنة المشطورة على بقعة مُبلّلة جيّدًا مُسبقًا، بعد ذلك غسلوا القماش وزالت البقعة، تقول الأسطورة بأنّ سيّدنا موسى قد عرف استعمالها ومن هنا جاء اسمها الآخر( صابونة سيّدنا موسى)، كان استعمال مشابه كذلك في عشبة التّوجانيجة، لهذا الصّنف درنة مستديرة لحميّة، تشبه كثيرًا درنة الرّكفة، وهي تحتوي كذلك على موادّ راغية، الصّيدلي اليهودي: سلدينو دي أسكولي، القرن الخامس عشر الميلادي كتب عنها في كتاب الصّيادلة: (إنّ الأرطييطة أو خبز الطّورط أو خبز الخنازير، أو تفاح البلاد وغيرها تُسمّى (سيكلمين)، وفي الانجليزيّة تسمى الركفة حتى اليوم باسم يعني خبز الخنزير، لأنها اعتُبرت طعامًا مرغوبًا للخنازير،وفي كُتب طبّ الأعشاب والمعالجة المثيليّة يُسمون الركفة أحيانًا عرطينيطا سيكلمين،وهذا الاسم تهجين بين الاسم الآرامي السوري السابق عرطنيتا والاسم اليوناني(سيكلمين) والذي تُسمّى به الركفة فقط. هذا التشابه بشكل اللازمة وبطريقة استعمالها هو مصدر لاسماء أخرى للركفة: عرطينيا حلبي،عرطينيا فارسي، هذا التّماهي بين عرطينينا وسيكلمين(الركفة) يظهر دائمًا في لغات أوروبية مختلفة كالالمانية، الاسبانية، قطالونية وبرتغالية وكذلك في التركية.
*زعمطوط هو اسم خاص بالطعام في اوراق الركفة والحُفحاف/ لُسَيْنة، تستعمل لإعداد المحاشي، تُسمّى الأكلة (ركف ملفوف).
*غليون القاضي أو غليون الحاكم: الزهرة محمولة على عنق مُنْحَنٍ، تُذكّرنا بالغليون، ومَن الجديرُ بحمل الغليون المحترم غير القاضي والحاكم؟ هناك أماكن يكون بها المُدخِّنُ راعيًا بسيطًا، وطبقًا لذلك جاء الاسم غليون الراعي، اسم آخر هو غليون الواوي.
*عصا الراعي: عنق الزهرة المنحني يُذكّرنا بعصا المشي المألوفة عند الرّعاة، يُطلق هذا الاسم كذلك على العَنصل/بصل الفار، خُطميّة وَناردين سُنْبُل.
*مُنَوّم الحوت: الحوت يحرس عادة مصادر المياه، مُنوّم السّمك يُعَدُّ من درنته طُعْمًا، تُهرس الدّرنة، يُضاف اليها الطّحين  ويُعدّ طعامًا يُنثر على سطح الماء، تذوق الأسماك الطُّعم فَتَتَسَمَّم، ثم تَطيشُ، وعندها يجمعها الصيادون، عند تنظيف جوف السمكة يُزال السّم، فَتُصبح صالحة لأكل البشر، هذا الاستعمال كان سائدًا في بلادنا، لبنان وقبرص، اصطياد السمك بهذه الطريقة كان مُتّبعًا في الأنهار والبحر ذي الخلجان الضّحلة.
*طُعم: معنى الكلمة إغراء، ربّما يَمتُّ لاستعمال الدرنة لصيد السمك.
*زوزو: اسم الدّلع للطفل، اسم آخر هو... زوزو (العضو الذّكري عند الطّفل)
*قرعة سيدي: ربّما تُذكّرنا الدرنة برأس الأصلع، وحقًّا عند البدو في الجليل الكلمة (قريعة) هو اسم للفتاة الصّلعاء.
 انّ تعدّد أسماء الركفة يُشير الى مكانتها الخاصة لدى الرّعاة والقرويّين، ولمحبّتهم لهذه النّبتة، أزهارها غريبة في مظهرها، ولا غرابة بأنّها تُثير شبهًا وَوَحْيًا لربطها بتيجان وأسماء عديدة، بعض هذه الأسماء سائدة في أرجاء البلاد (خاصّة في تلك التي ترتبط بكلمة شقوق، وهناك اسماء أخرى خاصّة بمناطق أو طوائف مُعيّنة، وتبرز كما يبدو تقاليد محلّيّة، في كثير من الأحيان نُسِيَ مصدر الاسم، قبل فترة تُوّجَت الركفة (باستفتاء عامّ)  بلقب كبير( الزّهرة الوطنيّة لإسرائيل!)، وللحقيقة نقول أنّ الفضل الأوّل في هذا يعود الى المجلس المحلّي طبعون (قبل ان تسمّى قرية طبعون)،حيث وَشَمَ المجلسُ زهرةَ الركفة على شعاره قبل (اختيارها رسميًّا) كزهرة وطنيّة، النّبتة كأبناء الصفوة المختارة تحمل أسماء عديدة، تُشكّل دُررًا تُرَصّعُ ب ِ (تاج سليمان)، وهذا هو اسمها في الرواية التّلموديّة.
*تاج سليمان )تاج الملك سليمان)، تاج الركفة يُذكّرنا بشكل تاج أعطى إلهامًا للاسم، في كتاب أساطير نباتات (صِمْحي إيل) كتب المؤلف بَروخ تشيزك: حين جلس سليمان على عرش أبيه داوود، ملكًا على اسرائيل،، خرج الى أزهار الحقل ليختار رمزًا لتاجه الملكي،رأى الرّكفة الجذّابة فأعجبته، أمر فنّانيه بإعداد تاج  على شكل الركفة، ولذلك أسموها حتى يومنا هذا (تاج سليمان)، وحين دُمِّرَت القدس من قِبَل أعدائها، تطاول هؤلاء على كنوزها ونفائسها الثّمينة، وَسَبَوا الى الغربة كلَّ الرّونق والبهاء، بما في ذلك تاج الملك،حَزِنَت الرّكفات، نَكَّسَتْ تيجانها، ولذا هي مُنحنية حتى اليوم، نُشير الى أن الصّنف تاج أصله من وحدة الانتشار الشبيهة بالتّاج، واسمها العربي تاجيّة، ومن هنا كذلك اسم المتحف المدهش تاج محل (تاج القصر) الذي بناه القيصر الموغولي شاه جهان لتخليد زوجته الفارسية المحبوبة  المُلقّبة ب ِ ممتاز محل (سيّدة القصر).
 هذا العمل الجادّ الذي قام به الباحثان النّشيطان الثّنائي أموتص وصالح، يستحق الاحترام والتّقدير، بوركتْ جهودكما وعملكما الدّؤوب، والى مزيد من التّعاون المشترك بين الشّعبين الشّقيقين في مجالات: العلوم، الفنون، الأدب والأخوّة والمساواة، حتى نصل الى شاطئ السلام والأماني المشتركة معًا.

السبت 10/3/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع