قانون الدولة القومية والفوقية اليهودية (4):
قانون القومية اليهودية وتصادمه الصارخ مع القانون دوليّ


النائب د. يوسف جبارين


(قراءة في مشروع قانون أساس: إسرائيل-الدولة القوميّة للشعب اليهودي)




مساءلة ومحاسبة

اسرائيل تستفيد اقتصاديًا من اتفاقياتها الدولية والاقليمية، لكنها بعيدة كل البعد عن الالتزام بمعايير حقوق الانسان على الصعيد الدولي. علمًا ان بندًا اساسيًا في اتفاقيات التعاون بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي يشمل التزامًا اسرائيليًا "ان تحترم حقوق الانسان والقيم الديمقراطية، داخليًا ودوليًا". ولا شك ان هذا البند من الممكن ان يشكل اساسًا قانونيًا لإلزام اسرائيل بتغيير سياساتها العنصرية تجاهنا، بل ولمحاسبة اسرائيل دوليًا على انتهاكات حقوق المواطنين العرب فيها، وهذا ما قلته وأكدته أمام لجنة حقوق الانسان في مرافعتي في الاتحاد الأوروبي في بروكسل حول مكانة وحقوق المواطنين العرب في
إسرائيل. يبقى التحدي امامنا بتحويل هذه المواقف الدولية المساندة بطبيعة الحال لقضايانا الى اداة ضغط دبلوماسية واقتصادية ناجعة على الحكومة الاسرائيلية.


سنبيّن في هذا المقال التناقض الصارخ بين قانون القومية اليهودية وبين أسس القانون الدولي وقانون حقوق الانسان، بالإضافة ايضا الى تناقضه الواضح مع مبادئ قرار التقسيم الذي أقرّته الأمم المتّحدة في العام 1947(قرار رقم 181من تاريخ 29.11.1947 حول تقسيم أراضي فلسطين الانتدابيّة إلى دولتين). كما ونبيّن غياب اي تطرق بالقانون للهوية الجماعية للعرب الفلسطينيين في البلاد.


تضارُب مع اسس ومبادئ القانون الدوليّ

إنّ المبادئ الأساسيّة لمشروع قانون الأساس، التي تتناول يهوديّة دولة إسرائيل، تتضارب مع الحقوق الأساسيّة للمواطن، لا سيّما الحقّ في المساواة وعدم التمييز على أساس القوميّة والأصل والدين. يترتّب على ذلك أنّ مشروع القانون المقترَح غير متساوٍ، وعليه فهو غير ديمقراطيّ لكونه ينتهك مبادئ أساسيّة في القانون الدوليّ، لا سيّما الحقّ في الحماية المتساوية من قبل القانون، والحظر الصريح للتمييز على خلفيّة القوميّة والدين واللغة والثقافة. هذه المبادئ جرى ترسيخها في المعاهدات الدوليّة التي وقّعت عليها إسرائيل، بما في ذلك الإعلان الدوليّ لاقتلاع جميع أنواع التمييز العنصريّ من العام 1965، والمعاهدة الدوليّة للحقوق المدنيّة والسياسيّة من العام 1966 (وقد وقّعت عليها دولة إسرائيل في العام 1991)، والمعاهدة الدوليّة للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة من العام 1966 (وقد وقّعت عليها دولة إسرائيل في العام 1991)، والاتّفاقيّة الدوليّة لحقوق الطفل من العام 1989 (وقد وقّعت عليها دولة إسرائيل في العام 1991).وجرى ترسيخ حقوق الأقلّيّات على نحوٍ واضح في الإعلان الدوليّ حول حقوق الأقلّيّات من العام 1992، والإعلان الدوليّ حول حقوق الأقلّيّات الأصلانيّة من العام 2007. استنادًا إلى ما ذُكِر آنفًا، يشكّل التمييزُ الكامن في مشروع القانون المقترَح انتهاكًا صارخًا للقانون الدوليّ، وهو القانون الذي التزمت به دولة إسرائيل.


تناقض القانون مع أسس قرار التقسيم

يتناقض مشروع القانون كما أسلفنا مع قرار التقسيم من العام 1947، الذي دعت فيه الامم المتحدة كلَّ واحدة من الدولتين إلى تبنّي "دستور ديمقراطيّ" يضمن "عدم ممارسة أيّ نوع من التمييز بين السكّان على خلفيّة العِرْق أو الدين أو اللغة أو الجنس، وسيحظى كلّ فرد في مناطق نفوذ الدولة بالحماية المتساوية من قبل القانون". على هذا النحو يَنتهك القانون المقترَحُ القاعدةَ الدوليّة الأساسيّة الذي أقيمت دولة إسرائيل بحسبها. القسم الأوّل من قرار الأمم المتّحدة الذي يتناول "الدستور المستقبليّ" لكلّ واحدة من الدولتين يحدّد أنّ "الجمعيّة العامّة التأسيسيّة في كلّ دولة تضع دستورًا ديمقراطيًّا لدولتها". ويحدّد القرار كذلك أنّ كلّ دستور سيشمل – فيما سيشمل-تعليمات "لتقديم ضمانات تكفل حقوقًا متساوية لكلّ فرد دون تمييز في الشؤون المدنيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والدينيّة، لغرض التمتّع بالحقوق الإنسانيّة والحرّيّات الأساسيّة، كحرّيّة العبادة، واللغة، والخطاب، والنشر والتعليم، وعقد الاجتماعات، وإنشاء الجمعيّات".
ويحدّد قرار التقسيم كذلك احتواء دستور كلّ دولة على الفصول التي تضمّنها قرار التقسيم والتي تتعلّق -فيما تتعلق-بـِ “الأماكن المقدّسة"، وَ "حقوق دينيّة وحقوق الأقلّيّات". يحدّد الفصل الذي يتناول حقوق الأقلّيّات في بنده ذي الرقم 20 “عدم إجازة أيّ شكل من أشكال التمييز بين السكّان بسبب الأصل أو الدين أو اللغة أو الجنس"، وفي البند ذي الرقم 3 يحدّد أنّه "يحقّ للأشخاص الخاضعين لولاية الدولة الحصولُ على حماية متساوية من قِبَل القانون".


 
غياب اي اعتراف بالحقوق الجماعية للعرب الفلسطيني

لا يرسّخ مشروع القانون المقترَح أيَّ حقّ جماعيّ للأقلّيّة الفلسطينيّة في إسرائيل، وهي أقلّيّة قوميّة أصلانيّة. الحقوق الجماعيّة هي الحقوق التي تنبع من الاختلاف أو التميّز الجماعيّ الذي تتّسم به مجموعة الأقلّيّة عن مجموعة الأغلبيّة. هذه الحقوق هي نوع من أنواع الحقوق الطبيعيّة التي تتوافر لمجموعة الأقلّيّة بسبب خصوصيّتها الجماعيّة، وهي تبتغي ضمان المساواة الجوهريّة لأبناء وبنات مجموعة الأقلّيّة، ومنحهم حماية قضائيّة وقانونيّة لائقة على المستويين الفرديّ والجماعيّ. في هذه الحقوق يكمن التمكين الحيوي لمجموعة الأقلّيّة، وهي تشكّل شرطًا لتحقيق المساواة العامّة في المجتمع. في قاعدة الحقوق الجماعيّة للأقلّيّة الفلسطينيّة يكمن الاعتراف بالكوليكتيف العربيّ الفلسطينيّ في إسرائيل كأقلّيّة قوميّة وكشعب أصلانيّ، ذاك الذي يرتكز حقّه في المساواة الكاملة على الأساس المدنيّ الفرديّ، كما على الأساس القوميّ المجموعاتيّ. هذه الحقوق مَردُّها اعتبارات العدل التوزيعيّ والعدل التصحيحيّ، وتشمل – فيما تشمل-ضمان المكانة المتساوية للّغة العربيّة، والتوزيع المتساوي للميزانيّات العامّة، ومساواة في المنظومة الرمزيّة للدولة، ومساواة في ترتيبات الهجرة إلى الدولة والحصول على مواطَنتها، وضمان التمثيل اللائق والمؤثر للجمهور الفلسطينيّ في مؤسّسات الدولة العامّة. في النطاق الداخليّ الذي يميّز كلّ مجموعة على حِدة، فان الحقوق الجماعيّة يجب أن تَمنح الأقلّيّةَ العربيّةَ استقلاليّةً إداريّة في شؤون التربية والتعليم، والدين، والثقافة، ووسائل الإعلام. تشمل الحقوق الجماعيّة أيضًا اعترافًا بالحقوق التاريخيّة للأقلّيّة الفلسطينيّة، كإعادة المهجّرين مواطني الدولة إلى مدنهم وقراهم الأصليّة، والاعتراف بالقرى غير المعترف بها، وتحويل إدارة الأوقاف الدينيّة إلى أيدي الطوائف العربيّة.


فرص المرافعة الدولية والإقليمية

 بالإضافة الى التصدي للقانون جماهيريًا وبرلمانيًا، وفي ظل هذه التناقضات مع القانون الدولي، فلا شك ان الأبعاد الخطيرة الّتي تكمن في قانون القومية تحتم علينا، بهيئاتنا التمثيلية والمؤسسات الأهلية وطاقاتنا المجتمعية المهنية، العمل على وضع برنامج استراتيجي وشمولي للمرافعة الدولية ضد القانون، بحيث نحدد من خلاله اهدافنا الاستراتيجية وادوات العمل للوصول اليها، بالإضافة الى سلم الاولويات ضمنها.

وفعلًا، فقد حمل قانون القومية وإسقاطاته الخطيرة وزنًا هامًا في الجولة الدبلوماسية غير المسبوقة الّتي قمنا في نهاية العام الماضي بها ضمن وفد لجنة العلاقات الدولية في القائمة المشتركة، والّتي تضمنت زيارة الاتحاد الاوروبي في بروكسل وزيارة مقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في العاصمة الفرنسية باريس. وكما وكان قانون القومية في صميم مداخلتي امام لجنة حقوق الانسان في البرلمان الاوروبي في بداية هذا العام.

وفي هذا السياق، وتأكيدًا على أهمية حضور قضايانا على الساحة الدولية، من الجدير الاشارة الى موقف وزيرة الخارجية الاوروبية، فيدريكا موغريني، حين قالت في ردها على استجوابات لبرلمانيين أوروبيين حول إسقاطات قانون القومية اليهودية، ان الاتحاد الأوروبي يتابع بقلق تطورات تشريع قانون القومية بعدة قنوات دبلوماسية امام الحكومة الاسرائيلية، مؤكدة ان "قضايا حقوق الانسان، بما في ذلك حقوق الاقلية العربية في اسرائيل، هي في اعلى سلم اهتمامات الاتحاد الاوروبي في علاقاته مع اسرائيل".

وللحقيقة، فإن اسرائيل تستفيد اقتصاديًا من اتفاقياتها الدولية والاقليمية، لكنها بعيدة كل البعد عن الالتزام بمعايير حقوق الانسان على الصعيد الدولي. علمًا ان بندًا اساسيًا في اتفاقيات التعاون بين اسرائيل والاتحاد الاوروبي يشمل التزامًا اسرائيليًا "ان تحترم حقوق الانسان والقيم الديمقراطية، داخليًا ودوليًا". ولا شك ان هذا البند من الممكن ان يشكل اساسًا قانونيًا لإلزام اسرائيل بتغيير سياساتها العنصرية تجاهنا، بل ولمحاسبة اسرائيل دوليًا على انتهاكات حقوق المواطنين العرب فيها، وهذا ما قلته وأكدته أمام لجنة حقوق الانسان في مرافعتي في الاتحاد الأوروبي في بروكسل حول مكانة وحقوق المواطنين العرب في
إسرائيل.

يبقى التحدي امامنا بتحويل هذه المواقف الدولية المساندة بطبيعة الحال لقضايانا الى اداة ضغط دبلوماسية واقتصادية ناجعة على الحكومة الاسرائيلية.

السبت 14/4/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع