طقوس وعادات من عبق الماضي السحيق، ما زلنا نمارسها


الياس خليل نصرالله


الجهل والضعف
ظاهرة ممارسة الطقوس السحرية والمعتقدات الشعبية، ما زالت فئات كثيرة من كل شعوب العالم، تؤمن بها، تتعلق بها وتمارسها، من منطلق الاعتقاد انها تملك قوة، يجب التعامل معها بوسائل وطقوس وممارسات غيبية وسحرية مختلفة،بهدف التخلص من ورطة، ضائقة او تيمنا،بان ذلك سيحقق لها الخير،البركة والنجاح. الا ان الدراسات والتحليلات لكل ممارسات السحر والمعتقدات الشعبية، تؤكد بأن محركها ومصدرها الجهل والضعف، والذي يؤدي لعجز الفرد ادراك،فهم وتحليل للظواهر والاحداث بربطه بين اسبابها ونتائجها، ولا يبقى امام جهله لمعالجتها والسيطرة عليها سوى ربطها بقوى سحرية غيبية، ظنا منه ان ذلك أقصر الطرق لتحقيق مبتغاه.

 السحر في اللغة هو ما خفي سببه، او جرى تمويهه، اي هو خدعة. اما الشعوذة فهي استحضار القوى غير المرئيّة، لتساعد في حصول تغيرات، يتمناها شخص ما، وتنحصر في معظم الحالات في التخلص من خصم، او الحصول على قوة، او تحقيق مكاسب شخصية.
يُرجع بعض دارسي جذور هذا الموضوع الى فترة العصر الحجري الحديث، حيث كان للانتقال الى مرحلة الزراعة والاستقرار، دور في تحول رئيس القبيلة، الى سلطة تستعين بالخرافات والأساطير والقوى الغيبية، مما يوفر لها إمكانيات شرعنة سيطرته.
 يختلف الدارسون لموضوع السحر، بطرحهم السوأل هل الدين سابق للسحر او العكس؟ نجد "فريزر" يفترض ان السحر نشأ اولا، وعنه نشأت العقيدة الدينية لدى الشعوب البدائية. كان الإنسان البدائي يعتمد على طقوس السحر في تصريف اموره، الا أنه ما لبث ان اصطدم بمقاومة جبروت الطبيعة له، وعدم سيرها وفق ارادته، مما دفعه للاعتقاد بأنها تسكنها وتحركها قوى عليا خفية، لا يستطيع التحكم بها، فسماها آلهة. وصنع لها أصناما ونسج أساطير يتجلى فيها جبروتها،ومارس طقوسا لإرضائها. وهناك من يفرض نشوء السحر عن الدين. فالإنسان بطبعه متدين، لإحساسه برهبة المجهول وخشيته من الموت. فكان السحر هو اللغة التي عبر بها عن إحساسه لغموض وصعوبة تفسيره لكثير من ظواهر الكون. فوقف حائرا ومذعورا امام جبروت ظواهر الطبيعة، ليصبح بحاجة ماسة الى ممارسة الطقوس السحرية،ليواجه ضعفه أمامها. إن جهله لفهم وتفسير ظواهر الطبيعة والكون من ناحية، وحاجته للتأقلم والتكيف من ناحية اخرى، أقنعته بوجود ارواح تسكن الطبيعة وتحركها، فربط نجاحه وفشله بها،ليصبح أسيرا لممارسة طقوس للتقرب منها لتقيه شرها او تحقق طلباته. ويطلق عالم الانتروبيولوجيا" تايلور" على هذا التوجه "النزعة الحيوية"، والتي انطلقت من فكرة،ان كل ما في الكون من شموس، أقمار، أنهار، رياح، زلازل وبراكين وما اليها، هي كائنات حية تسكنها الارواح كالانسان. وهي تسكن في كل شيء، وقوتها جارفة، فإن تجرأ مخالفتها،ستصب عليه جام غضبها وتدمره. ويفرض المفكر "هيربرت سبنسر"، بأن الانسان البدائي تصور العالم مليئا بالأرواح، والتي تتقمص كل شيء. واعتقد بأنها ارواح قوية وجبارة قادرة على كل شيء، وهي التي تتحكم وتسيِّر الكون والطبيعة، مما دفعه للاقتناع بأن السحر وتقديم القرابين، أنجع وسيلة لتعاطفها معه وتفاديه شرها. وهذا دفع "مالينوفسكي"، و"كليف" لتفسيرهما السحر من خلال الوظائف التي يؤديها للأفراد والجماعات، في مساعدتهم مواجهة الكوارث التي تنجم عن أفعال القوى الخفية، والهدف من ذلك المحافظة على البقاء، تماسك المجموعة وضمان استمرارية وتواصل اواصر التعاون بين افرادها.
ويفرض "فريزر" ان "الطوطمية "هي أولى الديانات قاطبة، وهي عبادة احد مظاهر الطبيعة المحيطة بالقبيلة، والتي آمن افرادها بانها تلعب دورا حاسما في حياتهم واستمرارية بقائهم. فاعتقد افرادها ان نجاحهم بترضيتها هو الضمان الوحيد لاستمرارية حياتهم وتأقلمهم..ان إيمانهم القاطع بوحدة المصير بينهم وبين معبودهم الطوطمي،وان تقديسه وربطه بمحارم(تابو) هي الضمان لاستمرارية قيامه بحراستهم،وتلبيته مطالبهم، رغباتهم واحتياجاتهم. و هذا تطلب ممارسة طقوس معينة ليحقق لهم النجاح في مشاريعهم، مثل الرقص، إنشاد،حفلات تنكر، محاكاة،تمثيل،تعاويذ، أدعية وغيرها (تشير بعض الرسومات القديمة في كهوف فرنسا الى استعمال مثل هذه الطقوس،مثل اشراك الآلهة في طقوس التحضير لرحلة الصيد كان هدفه ضمان تدخل الآلهة لنجاح العمل المزمع تنفيذه. وكان التواصل مع الطوطم يقوم به "الشامان"(معناها في لغة بعض القبائل في سيبريا"الشخص الذي يعرف" ) وهو الساحر،الكاهن والطبيب،القادر بقواه الخارقة للتواصل والتفاهم مع الأرواح التي تهيمن على العالم وتحركه. وقامت كل قبيلة بتجسيد هذه الارواح بشجرة، حيوان وغيرها، وعملوا لها تماثيل وقدسوها. وتدل الابحاث ان كل القبائل البدائية مارستها(وما زلنا نجدها لدى بعض القبائل، حتى يومنا هذا). الا أن الدراسات أثبتت انتشارها الجارف في أديان شمال آسيا. وكانت ابرز مميزاتها،الايمان بوجود عالم ارواح غيبي، يملك قوة خارقة، والتي تتواصل مع الشامان لأنه الوحيد القادر على تحقيق طلبات افراد قبيلته، مثل شفاء المرضى، استحضار ارواح السلف،ومنع الكوارث ونجاح مشاريعهم.
 ان ظاهرة ممارسة الطقوس السحرية والمعتقدات الشعبية، ما زالت فئات كثيرة من كل شعوب العالم، تؤمن بها، تتعلق بها وتمارسها، من منطلق الاعتقاد انها تملك قوة، يجب التعامل معها بوسائل وطقوس وممارسات غيبية وسحرية مختلفة،بهدف التخلص من ورطة، ضائقة او تيمنا،بان ذلك سيحقق لها الخير،البركة والنجاح. الا ان الدراسات والتحليلات لكل ممارسات السحر والمعتقدات الشعبية، تؤكد بأن محركها ومصدرها الجهل والضعف، والذي يؤدي لعجز الفرد ادراك،فهم وتحليل للظواهر والاحداث بربطه بين اسبابها ونتائجها، ولا يبقى امام جهله لمعالجتها والسيطرة عليها سوى ربطها بقوى سحرية غيبية، ظنا منه ان ذلك أقصر الطرق لتحقيق مبتغاه. ولقد أعلن "جيمس راندي" والذي كان يحترف عروض خفة اليد المسرحية " انه على استعداد ان يدفع مليون دولار لأي شخص، يأتي بدليل علمي واحد على صحة من يزعم ان لديه قوى سحرية خارقة، وفقط الضعيف والجاهل،يؤمن بالسحر كعامل يؤثر في حياته".
 يفرض "فريزر"، بأن السحر، يرتكز على نسقين يحكمان ترابط الأفكار في ذهن من يمارسه او يُؤْمِن به،وهما: قاعدة التشابه، وقاعدة الاتصال. فالسحر التواصلي، يرتكز على فكرة،بأن الكائنات والاشياء المتصلة والمتواصلة تتأثر ببعضها، حتى بعد انفصالها عن بعضها. لأن الجزء يُؤثر على الكل، والكل على الجزء. وممارسات السحر بالعدوى والأثر، عديدة،مثل حصول الساحر على شعرة، اظفر،صورة،للقيام بالتأثير على صاحبها سلبا او ايجابا حسب رغبة طالب السحر. اما السحر التشابهي، فيمارس عن طريق المحاكاة (بحكم فعالية وتأثير قاعدة التشابه) مثل حرق دمية شخص معين، انطلاقا من الإيمان سيصيبه، ما اصاب حرق دميته.وتنطلق هذه الممارسة السحرية،من التصور بأن الشبيه يُؤثر في شبهه، اي محاكاة وقوع الحدث والفعل،سيؤديان حتما الى وقوعه. ويرتكز الطب السًحري، وطقوس الاستغاثة بالمطر، ودرء الكوارث، النكبات وطقوس الإخصاب على إجراءات رمزية تستند على التأثير السحري بالمحاكاة. وهناك الكثير من الطقوس والعادات التي ما زالت فئات من شعوب العالم تمارسها تعتمد على نوعي السحر المذكورين أعلاه. مثلا نجد الكثير منا يمتنع زيارة بيت أي شخص بعد الانتهاء من مشاركته في مراسيم جنازة ودفن. ومصدرها التراث البابلي الذي ساد فيه الاعتقاد بانتقال الموت الى البيت الذي سندخله بفعل أثر تراب المقبرة الذي التصق بارجلنا. كما ان التفسير لتغييرنا أسماءنا في حالة مرضنا أو تورطنا في مشاكل، لإيماننا ان اسمنا هو السبب،فنتوجه الى مشعوذ ليختار لنا اسما بديلا يحقق لنا التوفيق. اما سكبنا الماء على الصبية الذين يجوبون الشوارع مستجدين المطر عند انحباسه، هو سحر تشابهي،لأننا بفعلنا هذا نحاكي عملية هطول المطر(أي الاعتقاد بان تقليد عمل معين سيؤدي الى حدوثه). وهناك عادة تحرم على المرأة غرس بذور الخضروات، وترتبط بالسحر بالعدوى. وتوارثناها منذ الانتقال من مرحلة الصيد وجمع الطعام الى مرحلة الزراعة، والتي أدت الى تدني مكانة المرأة، وحرمانها من حقوق، وظائف وممارسة طقوسا كثيرة. مثل منعها غرس البذور بادعاء ان الارواح الشريرة الساكنة فيها ستمنع إنباتها. كما أن هذا المعتقد أدى لحرمانها ان تلمس ثياب صياد، منعا لفقدان كلبه حاسة الشم.
ومن العادات المرتبطة او مصدرها السحر بالعدوى، ونمارسها بكثرة، رشنا الملح، للحماية من "صيبة عين". ولقد ورثناها عن البابليين، لأنهم اعتقدوا بأن الملح بمثابة كائن حي يملك القدرة لإبطال السحر. وهذه القطعة المنقولة عن تراثهم تؤكد ذلك : "أيها الملح، يا من خلقت في مكان نظيف - انا فلان ابن فلان- وقعت أسيرا للسحر- وقعت محموما في أحابيله- أيها الملح حل العقدة عني- ارفع السحر عني".( كما اكتسب الملح في التراث القديم رمز الولاء والصداقة، وما زلنا نقول لضيفنا مالحنا، وبيننا عيش وملح).ومن العادات التي ترتبط بنوعي السحر(المحاكاة والأثر)، منع نقل السلم وتنظيف البيت ليلا، لارتباطهما بحصول وفاة فجائية (لاستخدام السلم كنقالة وكنس البيت ليلا، فقط في حالة وفاة). ومن العادات التي كانت سائدة في قرانا، ومصدرها السحر بالأثر،حرق صورة او ملابس شخص بهدف الانتقام منه. وهي متوارثة عن الحضارة البابلية، اذ كانوا يعتقدون ان المرء قادر على الانتقام من عدوه بحرقه تمثالا، رسما له او ملابسه. فكان البابلي عند قيامه بذلك يخاطب النار: "أيها اللهب اللاظي- يا من انت أشد إخوتك بطشا- إحرق الرجلين والمرأة اللذين قد سحراني". وهناك من يربط الوشم بالسحر بفعل الأثر والعدوى. ويفسر علماء الاجتماع عملية الوشم أنها بمثابة عملية افتداء للمراهق، بعمل شطوب ورسوم رمزية في جسمه،لإكسابه المناعة ولتقوية عزيمته لمواجهة المصاعب مع انتقاله الى مرحلة الرجولة.
اما الإيمان "بصيبة العين"، وُطرق الوقاية منها، وهي ايضا مرتبطة بالسحر بالأثر،فتعود الى سكان مصر الفرعونية، حيث اعتقدوا بأن للعين تأثيرا سحريا جارفا على الانسان. وقد تمّ العثور في التنقيبات الاثرية في معبد الاله حورس (إله الشمس)، على برديات سُجلت فيها تعاويذ ورُقيات، للحماية من "صيبة العين". اخص بالذكر منها أنشودة تُردد"إلهي حورس، اذا كنت ستحميني، فلا تبق لي حاجة للخوف من العين". ونجد ايضا في هذه البردية الكثير من الوصفات التي اتبعت لإبطال تأثير العين، وأبرزها والتي ما زالت تُمارس لدى غالبية الشعوب" الكف" '(الخمسة)'. فلقد اختار الفراعنة كفا بلون ازرق تتوسطه العين (واللون الازرق كان يرمز في حضارتهم للقوة القاهرة للحسد،وطرد الأرواح الشريرة). واختيار كفة اليد لتؤكد قدسية العدد خمسة، ليس وليد صدفة،لان كل واحد من الخمسة أصابع،كان يرمز لواحد من الخمسة آلهة. التي كانت مسؤولة عن حماية البشر من قوى الشر. (الآلهة: اوزريس، إيزيس، ست، حورس وانوبيس). ونقل اليهود هذا المعتقد عن الفراعنة. وهناك من يُرجعها الى الفنيقيين بادعاء ان الدائرة في مركز الكف رمزت لقوة إله القمر والذي كان مسؤولا عن وقاية البشر. واستعانت ايضا الشعوب القديمة وخاصة الفراعنة بالتمائم، كوسيلة لطرد ارواح الشر الخفية. اعتاد المصري القديم ان يعلق تميمة زرقاء بشكل عين لابعاد تأثير الحسد عنه. وانتشرت التمائم لدى القبائل العربية، وقام البدوي بتسمية كل تميمة باسم خاص حسب وظيفتها، مثلا "العطفة "كانت خرزة وظيفتها ان يعطف الرجل على زوجته اذا قسا عليها،"والسلوانة" كانت بمثابة خرزة مسحوقة، تطمس في الماء، ويشربها من سلاه(هجره) محبوبه ليعود اليه. ( ما زال البعض منا يصدق خرافة مدلولات رفة العين فنجدهم مقتنعين ان حصولها في العين اليمنى، يبشر بحادث مفرح للشخص، اما اذا كان ذلك في اليسرى فنعتبرها مؤشرا لحصول شر.والتفسير لتوارث هذه الخرافة هو تزامن ارتباط رفة العين مع حادث).
اما الإيمان بالتشاؤم والتفاؤل، فمصدره تفادي تورط الانسان البدائي في مصائب، نتيجة فتك قوى الطبيعة به. لذا اعتاد الانسان الأول تقسيم الأيام الى سعيدة،وأخرى تعيسة ومنحوسة، وكان الفراعنة اول من مارس هذا المعتقد. فمثلا كان الرابع عشر من شهر طوب (من ٩ كانون الثاني حتى التاسع من شباط) الفرعوني يوما منحوسا، لأنه ارتبط ببكاء إيزيس على اوزريس. فنجد المصري كان يمتنع عن القيام فيه بأي نشاط. وما زال بَعضُنَا، يتناقل ذلك مثل الامتناع عن شراء كسوة عروس يوم ثلاثاء، ايمانا بأن ذلك سيؤدي الى موت العروس، ونجد تأكيد ذلك في مثلنا الشعبي " الثلاثة للوراثة". اما الشاعر الروماني "اوفيد"( عاش في عصر اغسطس قيصر) فيذكر في كتابه "فن الهوى" ان العامة في روما امتنعت عن الزواج في شهر ايار،لان كل أيامه سيئة الطالع في اعتقادهم (ما زال بعض البريطانيين يطبقون ذلك)، بينما يكره البعض في شرقنا عقد القران في شهر نوفمبر/تشرين الثاني للاعتقاد بأنه شهر الأموات. لكن هناك عادة تحاشي احتفال الزواج في شهري كانون، لأسباب واقعية ترتبط بالمناخ القاسي، وعبروا عنه في امثالهم "عرس المجانين في كوانين". وما زلنا نتشاءم من الغراب لكونه يرمز الى ظاهرة سلبية كما جاء في قصة الطوفان. واعتبر العرب، الغراب الطير الأكثر شؤما. لذا اعتادوا الرحيل فورا اذا نعب ونعق في مكان جديد أقاموا فيه. ولكراهيتهم له سموه غراب البين، بينما تفاءلوا لرؤية النسر والعقاب لكونهما، رمز القوة. اما عادة تحريم بيع إبر الخياطة بعد الغروب، فارتبطت بالسحر التواصلي، وتعود الى أسطورة فرعونية، زعمت ان الإله المسؤول عن تقسيم الارزاق يقوم بها بعد الغروب، ويوزعها حسب حالة صاحبها،اذا كان في بحبوحة زاده ثروة، وإذا كان في ضائقة زاده بؤسا. فعليه تشاءم المصري من اقتنائها واستعمالها ليلا، لاعتباره الخياطة اسوأ مهنة. ونتشاءم من نعيق البومة، كرمز لكارثة،لربطنا اقامتها في المباني المهجورة. اما الفراعنة فتفاءلوا لرؤية قط، لان الاله راع، صاحب السبعة ارواح تشكل بهيئة قط ودفعهم هذا لتقديسه والتفاؤل به. وما زلنا نتداول هذا الموروث بقولنا " مثل القط بسبع أرواح". اما التشاؤم لسماعناعويل الكلب ليلا،واعتباره نذير شؤم،وربطه بحصول وفاة، فمصدره مصر الفرعونية، لأنهم اعتقدوا ان اله الموت يتشكل ليلا بهيئة ابن آوى الواوي (الشبيه بالكلب).
ومن العادات التي ما زلنا نتمسك بها، تحريم ان ندوس على كسرة خبز. ومصدرها بابلي، لان أساطيرهم خَصت القمح بقوى خارقة، واعتبرته كائنا حيّا يملك إرادة وقوة مقدسة، تحافظ على البقاء. فآمنوا ان الدوس عليه، بمثابة تدنيس للأرواح المقدسة الساكنة فيه ويؤدي لغضبها. فكانوا لارضائها، بتقديم قربان لها من الحنطة، ومشفوعا بهذه الصلاة : "سأرسلها الى إلهتي الساخطة - فقد امتلأ غضبها علي- اصلح بيني وبين الهتي الساخطة".
 وما زال البعض يمارس من منطلق قدسية الخبز وضع كسرة خبز تحت وسادة المريض ظنا ان ذلك سيطرد الأرواح الشريرة التي أدت الى مرضه. ونقوم ايضا بختم القربان بصور ورموز دينية لابعاد قوى الشر عنه. ونمارس عادات في طقوس الزواج مصدرها موروث قدسية الخبز.مثل قيام الزوجين عند دخولهما لأول مرة بيتهما الجديد بإلصاق عجينة على الباب كرمز لاستمرارية الزواج والتناسل، وهذه عادة ورثناها من حضارة الشرق القديمة. ولقد نقلنا طقس الحناء بكل مدلولاته عن المصريين القدماء. فلقد استخدموه في رسوماتهم لقدرته على الثبات، وايضا في صبغ الاظفار والشعر، ووسيلة للتحصن والوقاية من العين والحسد.ويرتبط استعماله بأسطورة قتل "ست "لاخيه" اوزريس"، وقيام الزوجة "إيزيس " بجمع أشلائه وغمسها يدها بدمائه، فأصبح ذلك دلالة رمزية لوفاء كل زوجة لزوجها، وكتأكيد لهذا الوفاء بدأت النساء في مصر الفرعونية،صبغ الأيدي بالحناء. وهناك من يُرجع ممارسة طقس الحناء في مناسبات الافراح للاعتقاد بقدرته السحرية لاكتساب رضى قوى الشر وتهدئتها، ليصبح رمز دوام التفاؤل، الجمال والسعادة. اعتادت نساء العرب منذ العصور القديمة خضب رؤوسهن بالحناء يومي الاثنين والجمعة، بينما اعتقدوا ان استعماله في بقية الأيام كان شؤما.
ومن العادات والطقوس المنتشرة في عالمنا العربي، عادة الذبح على عتبة منزل جديد سنسكنه. وهذه موروثة عن القبائل العربية قبل الاسلام. لان البدوي كان يُؤْمِن ان المنطقة التي سيسكنها يرتع فيها الجن، وعليه إكرامه بذبيحة، لترضيته ليبتعد عنه ويقيه شره. ومن الطبيعي ان تدفع الظروف الصحراوية وخاصة رياحها العاتية، للإيمان بالجان، باعتباره أرواحا غير مرئيّة، تستوطن عالم الخفاء وموجودة في كل مكان، وعند تقريرها الحلول في عالمنا كانت تتقمص أشكال حيوانات فتاكة. واعتقدوا انها تسكن الأماكن المهجورة. (يسود الاعتقاد بأن الجان لا يتعرض للإنسان الا عندما يكون وحده). وهناك من يربط التشاؤم من رؤية حيوان اسود ليلا وبشكل خاص القط، لارتباط حلول الجن في حيوان. وهناك من يفسر الاعتقاد بالجن نتيجة معتقد ربط قوة الرياح العاتية في الصحاري الشاسعة، بأرواح شريرة وفتَّاكة تحركها.
ومن العادات التي ما زال الكثير منا يمارسها لطرد الارواح الشريرة، تعليق الحدوة بشكل مقلوب فوق مدخل الدار، وتكون فتحتها فوق الباب، لمنع الشر دخول المنزل، ليبقى يدور في حلقة مفرغة فيقينا بذلك شره.. هناك من يربط هذا المعتقد بالفينيقيين،لكونه اقرب أدوات عمل الإنسان القديم، وشكلها هلال، والذي كان العلامة المميزة لعشتار الكنعانية آلهة الحب والاخصاب والرحمة، فعلقوا رمزها فوق أبوابهم للتقرب منها وابعاد قوى الشر عنهم. وهناك من يفرض انها هندية،. والبعض يربطها بأسطورة يونانية، تروي مجيء قوة الشر الى تقني بارع في مهنة نعل الخيل، فقرر هذا ردعه،فربطه بوثاق قوي الى الحائط وبدأ يؤلمه، والشر يستغيث لتحريره، ويستجيب الصانع لطلبه بعد تعهده بعدم الاقتراب من أي منزل،يُعلّق عليه نعل الخيل.
 ومن العادات والطقوس الشعبية التي تعتمد على الإيحاء واستحضار الارواح بالفتح بالمندل ( منقول عن الفرس) للكشف عن جريمة او معرفة السارق.. وتطبق بتحضير المشعوذ، صحن زيت وماء ويفرض على المتوجه لمعرفة الجاني ان يطيل التحديق في هذا الصحن،حتى يتمكن من تحقيق مبتغاه اي رؤية الجاني ليبدأ تخيله رؤية الجاني. وتجربة عالم النفس الاجتماعي "كيرت ليفين" والتي تتوفر فيها شروط المندل بتركيز النظر لفترة طويلة في نقطة واحدة، أدت لاصابة من اجريت عليهم التجربة بالهلوسة والتخيلات، وهذا ما يُصيب من يمارس المندل لأنه ينحصر نظره ودماغه في مشاهدة مؤثر وحيد فيؤدي الى المس بالتوازن بين عَصب الرؤية والدماغ، فتكون نتيجة ذلك الهلوسة والتخيلات والتوهم.
اما عادة التبصير بواسطة قارئة الفنجان، لا يرتبط بتفسير الخطوط العشوائية في فنجان القهوة، انما في شخصية قارئة الفنجان. والتي تتميز بشخصية واسعة الإلمام بامور الناس والحياة، ويتمحور معظم ما تدعي التنبؤ به بمواضيع حياتية عامة ( مرض، حب، خيانة الخ). ومن المحتمل، بل من الطبيعي ان يحصل بعض ما تذكره، ليدفع للإيمان بانها قادرة على قراءة المستقبل، متناسين عدم حدوث اكثر من تسعين بالمائة مما ذكرته.
وقراءة الأبراج والتنجيم (السحر الكلداني) تعود جذورها الى بابل، لاعتقادهم، ان السبعة كواكب السيارة التي عبدوها، هي المدبرة للعالم والمسؤولة عن الخير والشر. ويرجع اليهم تقسيم دائرة السماء الى ١٢ قسما متساويا. ولقد ربطوا أوضاعها بالنسبة للأجرام السماوية، بتفاصيل يمكن توفر معلومات عن شخصية المولود في برج معين، وغيرها من الأمور الدنيوية. لقد دحض البحتري التنجيم بقوله :السيف اصدق أنباء من الكتب.... ومن يرغب كشف زيف الأبراج والاسترالوجيا في التنبؤ، ليقم باختيار عدد من الصحف ومقارنة ما ورد في صفحة ابراجها ليكتشف تناقضاتها وأنها مجرد امنيات وأحلام نتوق لتحقيقها (دغدغدة مشاعر). وهناك من يقرأ المستقبل بورق الكوتشينا، الكف وحساب الأرقام وجميعها ألوان دَجَل. أوجد اليونانيون ( خاصة فيثاغوروس) قراءة المستقبل بالارقام، اذ نسبوا لكل رقم اسرارا ورموزا(واحد رمز الالوهية والقداسة، اثنان رمز اتحاد الرجل بالمرأة، والمعرفة، ثلاثة رمز الكمال الخ ). وتتم عملية التنبؤ بالارقام بتحليل وتفسير علاقة تكون محض صدفة بين مجموعة ارقام، بالاعتماد على الرمز الذي خصص لكل رقم. ولَم يثبت حتى اليوم أية علاقة، او رابط بين الأرقام،لكشف مستقبل الفرد.
 الحرز( الحجاب) هو أكثر العادات شيوعا لدى الفئات الشعبية.وهو عبارة عن سحر مكتوب بحروف وأرقام واشكال،اي هو تعاويذ سرية وغامضة لا يفقها الا كاتبها وهي مجرد سفسطة وترهات كلامية. تكتب على ورقة، او قطعة طعام، يُؤْمٓر طالبها طمسها بالماء وشربها لتحقق مبتغاه. وهناك حرز متداول يروّج له بانه يصلح لكل شيء ويعلق على الجسم. الا ان كل الوان الحجاب(الحرز) مجرد دَجَل وهراء، هدفه ممارسة، تحقيق الكسب الرخيص والسريع، باستغلال ضعف البشر ونوائب الحياة.
وفي الختام لماذا نقول لمن يعطس "فرجه". هناك من يربط ذلك بإيمان الانسان في العصر الحجري، بأن روحه تفارقه عندما يعطس، وبعدها تعود اليه، فيحتمل مع عودتها ان تتسرب معها أرواح شريرة تسبب المرض، فعبارة "فرجه" تقيه شر ذلك. ما زالت قبائل الزولو تعتبر العطس دليلا لحلول روح الجد في العاطس،لتمنحه البركة والعافية.اما أرسطو فاعتبر العطس من فعل الآلهة وأنه بشير خير. وما زلنا نؤمن انه اذا عطس المريض اثناء عيادته فهذا مؤشر بشفائه القريب، وما زال الكثير منا يتفاءل (بعطسة طفل).



مصادر ومراجع

 - ١- د. احمد كمال زكي، دراسة حضارية مقارنة، دار العودة، بيروت، ط١.١٩٧٩.
 ٢- ابراهيم محمود، الضلع الأعوج( المرأة وهُويتها الجنسية الضائعة)،رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ٢٠٠٨.
 ٣ -جيمس فريزر الفولكلور في العهد القديم د. نبيلة ابراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،١٩٧٤.
 ٤ -جيمس فريزر،الغصن الذهبي، دراسة في السحر والدين،ترجمة احمد ابو زيد، الجزء الاول، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، مصر،١٩٧١.
 ٥ - د. خليل أحمد خليل،مضمون الأسطورة في الفكر العربي، مكتبة الأسوار، عكا القديمة.
 ٦ -شوقي عبد الحكيم، الفولكلور والأساطير العربية، ط١،دار ابن خلدون، بيروت،١٩٧٨.
 ٧ -د. صموئيل كريمر، أساطير العالم القديم،ترجمة احمد يوسف الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،١٩٧٤.
 ٨ - صموئيل هنري هوك، منعطف المخيلة البشرية، بحث في الأساطير،ترجمة صبحي حديدي، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط١، ١٩٨٣.
 ٩ - د. صبحي أنور رشيد، الموسيقى في العراق القديم، دار الشؤون الثقافية، بغداد،١٩٨٨.
 ١٠-علي الزين، العادات والتقاليد في العهود الإقطاعية دار الكتاب اللبناني، بيروت ١٩٧٦.
 ١١- فراس السواح، مغامرة العقل الاولى، دار الكلمة للنشر بيروت ١٩٨١.
 ١٢- فراس السواح، لغز عشتار الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، دار علاء الدين١٩٩٣.
 ١٣-فردريك إنجلز، أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، دار الفارابي، بيروت، ١٩٨٥.
 ١٤- د. كمال صليبي، التوراة جاءت من جزيرة العرب، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة الثانية
 ١٥- لنتون رالف (تحرير)،الإنتروبولوجيا وأزمة الانسان الحديث، ترجمة عبد الملك الناشف،مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، بيروت - نيويورك ١٩٦٧.
 ١٦- السيد القمني- الأسطورة والتراث، المركز العربي لبحوث الحضارة، ط٣، القاهرة١٩٩٩.
 ١٧- هيربرت ريد، الفن والمجتمع، ترجمة فارس شاهر، دار القلم، بيروت،١٩٧٥
 ١٨-هـ. فرانكفورت وآخرون، ما قبل الفلسفة (الإنسان في مغامرته الفكرية الاولى)، ترجمة جبرا ابراهيم جبرا، المؤسسة العربية للابحاث والنشر ط٢ بيروت ١٩٨٠.
 ١٩- مارغريت ميد، الشعوب والبلدان، ترجمة غادة السمان، مكتبة أطلس،دمشق.
 ٢٠- م. نادل، التوراة وثقافات العالم القديم، مكتبة هبوعليم،١٩٦٢( باللغة العبرية).
 ٢١- محمود الحوت،في طريق الميثولوجيا عند العرب،مطبعة دار الكتب، بيروت ١٩٥٥.
 ٢٢ ملحمة چلچامش، ترجمها عن الأكادية، د. سامي سعيد الأحمد، دار الجيل بيروت، دار التربية بغداد ١٩٨٤(النص الأكادي يُقابله ترجمته بالعربية).
 ٢٣- الجديد حول الشرق القديم، لمجموعة مؤلفين روس، ترجمة جابر أبي جابر، دار التقدم موسكو
 ٢٤-و. م فلندر بتري،الحياة الاجتماعية في مصر القديمة ترجمة حسن جوهر وعبد المنعم حليم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر١٩٧٥.
 ٢٥ - السيد القمني- رب الثورة اوزريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة (كتاب إلكتروني)


السبت 14/4/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع