مونتيسكيو وروح القوانين


رشدي الماضي


حين أتوقّف عن سفري المتواصل والمستمر، ولو حلما، في آلة الزَّمن، أجعل استراحتي فرصة لتسجيل ملاحظاتي عن سفراتي السَّابقة حتى لا تضرب موعدا مع الضَّياع والنّسيان...
لم أتردد هذه المرّة كثيرا كي أسارع وأختار مدينة بوردو الفرنسية مقهى للاستراحة والكتابة...
وما الغريب وقد أنْهيت توًّا قراءة كتاب "روح القوانين" لمؤلفه المفكّر الذي أفترض أنّه معروف لقرّاء "أُمَّة اقرأ التي لا تقرأ"!!!
في كتابه هذا، كما يعلم مَنْ قرأه، يُسجّل مفكرنا أنّ أشكال الحكم ثلاثة:
- ملكيّة وفيها تورث السلطة ولكن ضمن حدود معروفة...
- وديكتاتوريّة ويحكم فيها الحاكم وحده دون حدود قانونيّة ويثبّت حكمه بواسطة ارهاب المدنيين.
- وجمهوريّة وهي نظام يحكم فيه الشّعب أو ممثلوه...
لا يساورني أدنى شكّ أنّكم جميعا توافقونني الرأي أنّ النظام الجمهوري هو الأَمثل للحكم، حيث يُلزم ويُحتّم الفصل بين السلطات التّنفيذيّة والتشريعيّة والقضائية...
وهل هناك، رفيقتي/رفيقي أجمل من هذا الكلام، لأنّ مونتيسكيو أسّس فيه دساتير الأنظمة الديمقراطيّة...
لكن ما قضّ مضجعي، ولمّا يزل، في فكر هذا المفكر الفرنسي الذي كان الأَبَ الروحي للثورة الفرنسيّة وأحد المؤثرين في الثورات اللاحقة...
هو رفضه الانتقال بين الطبقات في المجتمع، لأنّ حسب اعتقاده أنّ كل طبقة لها خصوصيتها ولوجودها أهميّة في المجتمع... بمعنى إذا كان الفلاح البسيط يتمتّع بكلّ ما يمكّنُه أن يُصبح حاكما، فنظرية مونتيسكيو تمنعه وتصادر منه هذا الحقّ!!!
فكانت النتيجة أن الثورة الفرنسية، الى جانب تبنيها أفكاره، تبنّت أيضا فكرا عنصريا نتج عنه قتل ثلاثمائة ألف فلاح بمحاكمات مرعبة ورهيبة.
وللتوضيح، نضيف ما قاله المؤرخ الفرنسي "بيير كارون" الذي أصدر كتابا (1925) عن المذابح في سجون باريس إبّان عهد الثورة 1772 بأنّ هذه المذابح كان لها طابع شعائري جارف... حيث كان الأشخاص يقدمون للمحاكمة واحدا تلو الآخر وتوجّه اليهم التُّهم ويُحكم عليهم أو لهم ليس تبعا للأدلّة والشّواهد، وإنّما تبعا لمظهرهم العام وسلوكهم وشخصيّتهم وتكوينهم الجسدي!!!
وها هو التّاريخ يعيد نَفْسَه، خاصة في عالمنا العربي اليوم، حيث تُقْتَرف المذابح بحق الأطفال والشيوخ والحوامل والأبرياء ووو... باسم الحرية والمساواة والعدالة وحقوق الانسان!!!
سأتوقف عن شراء تذكرة خيال واسافر ... لأقول، صباح الخير للإنسان المقموع والمهدور والمقهور وأصلي أن تمنحهُ السَّماء المباركة نجمات ووجها لم يُغادرهما الوهج...
16/04/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع