“ثوري قبل أي شيء آخر”: ماركس ومسألة الإستراتيجية


مايكل براي


محاور مشتبك
بدون إعادة تركيب النقاشات التي شارك فيها، لا يمكننا ببساطة فهم ماركس. إذا بدأنا بالاستماع إلى أصوات أولئك الذين تحدث معهم، يمكننا أن نتوقف عن رؤية ماركس كمصدر لاقتباسات لا نهائية، ونبدأ في النظر إليه بدلاً من ذلك كزميل على طريق مشترك – مسار سار عليه من قبلنا،مشتبكا دائما في حوار، وغالبا في نزاع، مع العديد من معاصريه.


إصلاح الوعي
"إن هدفنا كله لا يمكن إلا أن يكون… إعطاء الأسئلة الدينية والفلسفية شكلا يلاءم الإنسان الذي أصبح واعيا بذاته... وبالتالي، يجب أن يكون شعارنا: إصلاح الوعي ليس من خلال العقائد، ولكن من خلال تحليل الوعي الغامض الذي لا يمكن فهمه في حد ذاته، سواء كان يتجلى في شكل ديني أو سياسي. سيتبين بعد ذلك أن العالم يحلم منذ زمن طويل بشيء لا ينقصه سوى أن يدركه لكي يمتلكه في الواقع".


تسير الأزمات المتعددة للرأسمالية جنباً إلى جنب مع الأزمات المتعددة لليسار. وفي خضم هذه الأزمات، نجد أنفسنا نحتفل بذكرى مرور 200 عام على ميلاد كارل ماركس والذكرى الـ 150 لنشر المجلد الأول من رأس المال. لكن كيف لنا أن نعامل ماركس وأعماله؟ ما مدى أهميته بالنسبة لنا اليوم –بالنسبة لقدرتنا على تغيير العالم من الناحية العملية؟
من خلال قراءة فيض المطبوعات الجديدة، لا يسع المرء إلا أن يعتقد أن استقبال أعمال ماركس فشل في رؤية الغابة بسبب كل الأشجار التي تم قطعها. إن تصوير ماركس كمفكر وحيد، يضاهيه فريدريك إنجلز في أحسن الأحوال، يجعلنا نفشل في تتبع السبب،والتعرف على القوى الدافعة التي شكلت أعمال ماركس. يقول ولفجانج شيدر في واحد من الكتب القليلة التي تناولت ماركس كرجل سياسي، “كان كل تفكيره موجهاً أساساً نحو الممارسة السياسية". هذه الممارسة السياسية كانت متجذرة في اليسار التعددي والمجزأ في كثير من الأحوال، الحيوي للغاية مع ذلك.
وبدون إعادة تركيب النقاشات التي شارك فيها، لا يمكننا ببساطة فهم ماركس. إذا بدأنا بالاستماع إلى أصوات أولئك الذين تحدث معهم، يمكننا أن نتوقف عن رؤية ماركس كمصدر لاقتباسات لا نهائية، ونبدأ في النظر إليه بدلاً من ذلك كزميل على طريق مشترك – مسار سار عليه من قبلنا،مشتبكا دائما في حوار، وغالبا في نزاع، مع العديد من معاصريه.


حوارات مع ماركس


في ربيع عام 2017،كان يمكن رؤية ماركس في جميع أنحاء ألمانيا، على أعمدة الإعلانات وجدران الملصقات، وفي دور السينما. اشتكى المتخصصون في دراسة ماركس من الأخطاء الكثيرة التي تضمنها فيلم “الشاب كارل ماركس“،  متجاهلين أن صورته نجحت في التقاط ما هو أكثر أهمية: أن ماركس كان مفكرا شابا لامعا، نموذجا لرجل مستعد للإطاحة بالعالم لجعله أكثر إنسانية. كتب موسى هيس معلقا على الشاب ذي الـ 23 عامًا، قائلاً: "تخيل روسو وفولتير و ليسينج وهاينه وهيجيل متحدين في شخصية واحدة، أقول لك: متحدين وليس مجرد مجتمعين –يصبح لديك الدكتور ماركس".
من أجل قراءة أعمال ماركس من منظور سياسي استراتيجي، يجب على المرء أن يأخذه بجدية باعتباره موضوع نواياه وقراراته. فكثيرًا ما يتم التعامل مع كتابات ماركس على أنها اكتشافات،كوسيط يتم من خلاله الكشف لنا عن “ماهية” المجتمعات الرأسمالية. لكن ماركس هو أولاً وقبل كل شيء راوي عازم مولع بالتحليل، أو راوي يتدخل في الرواية بقوة، أو كما يكتب في أحد الرسائل إلى آرنولد روج، محرره المشارك في سلسلة الكتاب السنوي الألماني الفرنسي المشترك في عام 1844:
"إن هدفنا كله لا يمكن إلا أن يكون… إعطاء الأسئلة الدينية والفلسفية شكلا يلاءم الإنسان الذي أصبح واعيا بذاته... وبالتالي، يجب أن يكون شعارنا: إصلاح الوعي ليس من خلال العقائد، ولكن من خلال تحليل الوعي الغامض الذي لا يمكن فهمه في حد ذاته، سواء كان يتجلى في شكل ديني أو سياسي. سيتبين بعد ذلك أن العالم يحلم منذ زمن طويل بشيء لا ينقصه سوى أن يدركه لكي يمتلكه في الواقع".
بالنسبة لماركس، يكمن هذا الوعي في تحليل الظروف الحقيقية التي من خلالها يطور الأفراد وعيهم الخاص بهم. وقد كان هدفه السياسي عنصرا حاسما في تشكيل تحليلاته، وأدخله في منافسة مع غيره من الاشتراكيين والشيوعيين الذين كانوا، مثله، يعملون من أجل هذا الوعي ويساهمون فيه.
في أكتوبر 1842، كتب ماركس أن صحيفةRheinischeZeitung “ لا تعترف بأن الأفكار الشيوعية في شكلها الحالي تمتلك حتى الواقعية النظرية، وبالتالي لديها رغبة رؤية أقل في رؤية واقعية تحقيقها عمليا"  ومع ذلك استطرد مضيفا:
"نحن على قناعة راسخة بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في المحاولات العملية، ولكن في التوضيح النظري للأفكار الشيوعية؛ ذلك أن المحاولات العملية، حتى المحاولات الجماهيرية، يمكن الرد عليها من خلال المدافع بمجرد أن تصبح خطيرة، في حين أن الأفكار التي غزت فكرنا وحازت على عقولنا، الأفكار التي نجحت بمنطقها في تقييد ضمائرنا، هي سلاسل لا يمكن للمرء أن يحرر نفسه منها دون أن ينكسر قلبه؛ إنها شياطين لا يمكن للإنسان أن يهزمها إلا بالاستسلام لها." 
إذا أراد المرء أن يفهم ماركس، يجب على المرء أن يأخذ بعين الاعتبار تغير توجهه نحو الشيوعية، وبحثه عن نظرية نقدية جديدة. بالنسبة لماركس، قدمت الشيوعية البروليتارية ردا على سؤالين: أي بديل عن المجتمع البرجوازي نريد أن نسعى إليه، ومن ينبغي أن يكون الفاعل لدفع هذا البديل إلى الأمام؟ كانت هذه هي الفكرة التي “قيد” نفسه بها في العقود التي أعقبت عام 1843. أما النظرية النقدية، على النقيض من ذلك، فاعتبرها تخدم صياغة مهام المثقفين في الصراعات المعنية التي سوف تترتب على ذلك.
قدمت الأزمات المتصاعدة في منتصف أربعينيات القرن التاسع عشر الحافز لتغيير توجه ماركس السياسي. كانت أوروبا تتجه إلى أزمة سياسية عميقة، اندلعت الثورات الأوروبية في الفترة من 1848 إلى 1849،منذرة بالهيمنة الشاملة للعصر الصناعي البرجوازي. في انكلترا، تشكلت حركة عمالية واسعة من الأونيين الاشتراكيين وعمال الشارتيين، في فرنسا، اندمجت التيارات الاشتراكية والشيوعية مع الحركة العمالية الناشئة، مما أضاف نوعًا جديدًا من الثورة إلى الأجندة السياسية. كانت الانتليجنسيا الألمانية الجذرية في أوج نقدها للواقع وإن ظلت فقيرة من الناحية السياسية.
لقد كانت تجارب ماركس كرئيس التحرير لجريدة RheinischeZeitung والخطاب السياسي الذي ازداد تطرفاً في السنوات التي سبقت ثورة 1848 هما ما دفعاه إلى إعادة صياغة منهجه في التعامل مع النظرية النقدية في 1843-1844. من الناحية الفكرية، اعتمد على اليسار الهيجلي وفيورباخ، بالإضافة إلى كتاب هيجل “فلسفة اليمين”. كان تغيير التوجه الذي اتخذه ماركس خلال هذه الأشهر في عام 1843 واضحًا ولا رجعة فيه: لقد أكمل الانتقال عن الديمقراطية الراديكالية نحو الشيوعية البروليتارية. تحقيقاً لهذه الغاية، انضم إلى القوى التي كانت تتوقع أن تطيح الثورة الشيوعية بتناقضات المجتمعات البرجوازية الرأسمالية بقيادة البروليتاريا. بهذا المعنى، اتخذ ماركس قرارًا مزدوجًا: الانحياز للشيوعية والانحياز للطبقة العاملة الصناعية. هذه القرارات سبقت أي تحليل اجتماعي – علمي شامل، وكانت مدفوعة بهموم سياسية فلسفية. سوف نصفها باختصار إلى جانب المشاكل التي تثيرها.


الشيوعية


كان أول قرار لماركس هو احتضان الشيوعية. كان عازما على حل مشاكل عصره – بشكل جذري، من خلال معالجة جذور أسبابها. وبفعله هذا، انشق عن محاولة هيجل توحيد التناقضات بين المجتمع البرجوازي (الفرد كبرجوازي) والدولة (الفرد كمواطن). لم يكن يسعى إلى إيجاد طرق جديدة لمعالجة هذه التناقضات، وإنما لحلها. ولهذه الغاية، دقق ماركس تعريف مفهوم التحرر، وذكر في "حول المسألة اليهودية":
"إن كل التحرر هو اختصار للعالم الإنساني وعلاقاته في الإنسان نفسه. … فقط عندما يعيد الإنسان الحقيقي الفرد استيعاب فكرة المواطن، وكإنسان فرد يصبح كائنًا في حياته اليومية، في عمله الخاص، وفي وضعه الخاص، فقط عندما يدرك الإنسان وينظم “قدراته الخاصة” باعتبارها قوى اجتماعية، وبالتالي لا يفصل ما بين السلطة الاجتماعية ونفسه في شكل سلطة سياسية، عندها فقط سيتحقق التحرر الإنساني".
انطلاقا من هذا الموقف، انتقل إلى وجهة نظر الشيوعية. في المجلد الأول من رأس المال، كتب عن المجتمع الشيوعي:
"دعونا … نتخيل … مجتمعا من الأفراد الأحرار، يواصلون عملهم بوسائل الإنتاج المشتركة، حيث تصبح قوة عمل جميع مختلف الأفراد، عن وعي، هي إجمالي قوة عمل المجتمع. هنا تتكرر كل خصائص العمل لدى روبنسون، ولكن مع هذا الفارق، كونها اجتماعية، بدلاً من فردية.
يبدو المجتمع الشيوعي هنا كموضوع واحد  حيث لا يوجد تناقض بين العمل الاجتماعي والجماعي والفردي. ومع كامل زخمها الراديكالي، فإن هذه الرؤية تشمل ما لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لماركس: مجتمع قائم على التضامن،حيث يساهم تطور الفرد في تطور الكثيرين، لا سيما من هم الأقل حظا، بدلا من أن يكون على حسابهم. إن ذلك يدفعنا إلى التشكيك بقوة في كل خطوة محددة، وكل تدبير إصلاحي،وفي الوقت نفسه يشكل الأساس اللازم نحو فهم شكل السياسة الواقعية الثورية التي تصورتها روزا لوكسمبورغ .
ومع ذلك، فإن هذا النموذج المثالي للمجتمع الشيوعي المكثف في موضوع واحد   له عيوبه. فمن ناحية، يسمح لنا برفض جميع الإصلاحات باعتبار أنها مجرد إصلاحات زائفة، بقدر ما هي مجرد إعادة تشكيل التناقضات المتأصلة في المجتمع الحديث المعقد بدلاً من حلها. وهذا، بدوره، يعطي الانطباع بأنه لا يمكن التغلب على هيمنة رأس المال إلا من خلال القضاء على جميع أشكال الوساطة القانونية والسياسية المعتمدة على آليات السوق، تلك الوساطة التي أصبحت المجتمعات الحديثة تعتمد عليها. ومن ثم يصبح من المستحيل تصور اشتراكية تستوعب الأسواق. في نقاشاته، بالأساس مع برودون وأتباعه، يتوصل ماركس إلى رفض كل تناول لمرحلة ما بعد الرأسمالية تتمسك بالاستمرار في بناء الأسواق والمال والقانون والدولة، باعتبارها بورجوازية صغيرة. ومن ناحية أخرى، لا ينظر إلى المشكلات الحقيقية التي يواجهها المجتمع ما بعد الرأسمالي إلا في سياق تفكيك تناقضات الرأسمالية، وليس في زيادة الوعي بظهور تناقضات جديدة، تستدعي إيجاد أشكال جديدة من التناول. يترك ماركس الأمر بأكمله للأجيال القادمة لحل هذه القضايا. ولا يتوسع منظوره إلا مع تحليله في مرحلة لاحقة لكومونة باريس، على الرغم من أن هذا التحليل فشل في مناقشة تناقضات هذا الشكل السياسي الاستثنائي الذي استلهم كثيرا من البرودونية وأتباعها.
لا يواجه ماركس انتقادات للشيوعية من داخل الدوائر الاشتراكية، ويتجاهل أطروحات برودون أو باكونين بأن المجتمع الذي يتم تنظيم جميع القوى فيه من قبل المجتمع ككل سوف يرتبط بنمط جديد من الاستبداد. ويرفض الافتراض القائل بأن حتى السعي لمثل هذا المجتمع من الملكية المركزية سيؤدي إلى شكل جديد من الهيمنة. إنه عارف بالكثير من التجارب الشيوعية في عصره، مدركًا تناقضاتها وإخفاقاتها. لكنه من كل ذلك يستخلص استنتاجًا واحدًا: فقط ديكتاتورية الطبقة العاملة وخطة للمجتمع ككل تحمل في طياتها القدرة على تجنب هذا النوع من الفشل. لهذا السبب، يدعو ماركس الى تركيز جميع القوى الاقتصادية. بالنسبة له، تعتبر كومونة باريس مثالاً للديمقراطية الراديكالية ولإعادة تشكيل فيدرالي للمجتمع. لكن من سمات ماركس أن هذا لا يؤدي به إلى تطوير إطار قاطع من شأنه أن يعالج بشكل منهجي تناقضات التحول في إطار التحرر التضامني.
من عام 1843 فصاعدا، فهم ماركس حقوق الإنسان فقط باعتبارها حقوق أصحاب الملكية الخاصة، متجاهلا خصائصها كحقوق لمعارضة جميع أشكال القمع والاستغلال والإذلال. وقد ثبت أن لهذا الموقف أثر مصيري. كتب إرنست بلوخ  مدركا للمشاكل المرتبطة بتبرير حكم الحزب الشيوعي: “بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية، لا يستمتع أي فرد، بوضع الحذاء في وجهه، على حد تعبير بريخت". بعد عام 1917، لم يكن البلاشفة هم الوحيدون غير المستوعبين تمامًا لتلك التناقضات التي تنشأ عندما ينظم الأفراد قوتهم الاجتماعية بأكملها من خلال المجتمع، دون ترك مجال للأفراد، والمجموعات المستقلة، والمعارضين في الفكر أو الفعل. إن حرية جميع الأفراد هي الهدف، لكن استسلامهم الكامل وغير المشروط للإرادة الجماعية المشتركة هو وسيلة الانتقال.من وجهة نظر الشيوعية، التي يمتلك الجميع فيها كل شيء معاً، ولا يتوقع من الأفراد أن يحتفظوا بشيء من أجل أنفسهم (باستثناء جزء من وسائل الاستهلاك)، فإن مجرد الادعاء بالفردية أو المعارضة يفسر على أنه بورجوازي صغير، إن لم تكن عدائيا. ومع ذلك، فإن التكيف الاجتماعي لجميع القوى له عيوبه: إذا قام جميع الأفراد بتفويض كل قوتهم للمجتمع، يصبحون هم أنفسهم عاجزين. ثم يجدون أنفسهم مغتربين، واقفين في مواجهة القوى الاجتماعية ذاتها التي اختاروها عن وعي.لكن هذا ليس بصيرة متأخرة بعد انهيار اشتراكية الدولة الحزبية. بل أنه الحس السليم بين أتباع البرودونية والباكونية. لقد فشلوا فقط في رؤية أنه بدون مركزية ثورية للسلطة، يصبح إسقاط النظام الرأسمالي أمرا مستحيلا. في حين فضّل ماركس، ومعه بلانكي، تفوّق السلطة وأولوا اهتمامًا قليلًا لحقوق الملكية والاستقلال للأفراد وجمعياتهم، سعى البرودونيون، خوفًا من تهديد الدكتاتورية، إلى انتهاج سياسة الضعف في الحالات التي تجاوزت التوسع فيالمنافذ داخل النظام الرأسمالي.


ماركس وبرودون


في النصف  الثاني من القرن التاسع عشر، كانت الماركسية والبرودونية الممثلتين الرئيسيتين للأقطاب المتعارضة في الاشتراكية السائدة. ومع ذلك، فإن نظرة ماركس إلى برودون باعتباره “أخا كاذبا” للشيوعية “يجب التخلص منه ". غيم على القدرات المعرفية لماركس وأتباعه. فبدلاً من تخيل مجتمع مستقبلي وقد أزيلت عنه جميع التناقضات، يجب أن يكون استنتاجنا للسياسات الاشتراكية في القرن الواحد والعشرين هو فهم الاشتراكية كحركة وهدف، حتى في تناقضها الأساسي. إن التحرر الفردي والتحول الاجتماعي الواعي هما أقصى حدودها، ولا يمكن دمجهما بسهولة. يجب أن ينصب التركيز على الأشكال غير الرأسمالية وغير الدولتية في تناول هذه التناقضات – بداية مما هو قائم  هنا والآن. ومع ذلك، لا ينبغي أن نخدع أنفسنا: فالتناقضات غير العدائية على وجه الخصوص، التي تعالج قضايا الشخصية الفردية والجماعية والتضامن عبر المجتمع ككل، يمكن أن تكون مؤلمة بشكل خاص.
يشتهر ماركس في المقام الأول باعتباره المحلل النقدي للنمط الرأسمالي للإنتاج. ويتضح البعد السياسي لهذا التحليل على وجه الخصوص بعد نشره “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي”، حيث سأل إنجلز:” إذا كتبت شيئاً، فلا تنسى، 1. أن يكون خاليا من البرودونيّة بجذورها وفروعها، 2. أن يتم تحليل الطابع الاجتماعي للانتاج البرجوازي، غير المطلق بأي حال من الأحوال، مباشرة في أبسط صوره، أي من خلال السلعة.” الهدف السياسي له الأولوية على الهدف العلمي، ويشكلان معاً رابطا لا ينفصم!
كان هناك، في ذلك الوقت، أطروحتان بديلتان في السياسة الاقتصادية الاشتراكية – أولها من برودون، الذي طرح تحليلاً متجانساً ومتعمقا، بينما كان الثاني، من ماركس، في 1859 لا يزال في مراحله المبكرة. وقد ساهمت الجبهة الاشتراكية ضد البرودونيين بدرجة كبيرة في تشكيل كتاب “رأس المال” لماركس. إن تركيزه على تمثيل نضال العمال من أجل ساعات عمل أقل وأجور أعلى، فضلا عن تنظيمها النقابي، يبقى غير مفهوم تماما إذا لم يُقرأ إلى جانب الوثائق الواردة في مشاورات رابطة العمال الدولية (IWA) كما أثر النقد الموجه على المفاهيم برودونيه للإنتاج السلعي الاشتراكي على ماركس في تحديد النقطة المركزية في عمله، أي السلعة باعتبارها فئة أساسية.
ركزت مشاورات رابطة العمال الدولية على القضايا الإستراتيجية: هل يمكن للنضال النقابي من أجل أجور أعلى أن يكون ناجحا على المدى الطويل؟ وكيف يرتبط ذلك بالتحرر السياسي للطبقات العاملة وهدف الاستيلاء على السلطة كمسار نحو التحرر؟ لكنهم في النهاية كانوا مهمومين بسؤال واحد: هل هناك إمكانية لتحول إصلاحي في المجتمعات البرجوازية الرأسمالية يحافظ على المؤسسات الاقتصادية لهذه المجتمعات (الملكية الخاصة، والأسواق، والمنافسة، والائتمان، والبنوك، والمعاشات التقاعدية، الخ ) في نفس الوقت الذي يدفع فيه إلى أشكال اشتراكية في المشاركة؟ كان هذا هو موقف برودون. بالنسبة له، يخرج الجديد من القديم، على أساس الاتفاقات الطوعية بين العمال أنفسهم. ستكون مهمة السياسة الاشتراكية هي تهيئة الظروف اللازمة لتسهيل هذا الخروج. إنها إستراتيجية تمكينية . ماركس، على النقيض من ذلك، اختار نهجا ثوريا: دكتاتورية ديمقراطية للبروليتاريا التي من شأنها، من خلال إضفاء الصبغة الاجتماعية على الإنتاج، تحويل أنماط الإنتاج والمعيشة لتمهيد الطريق أمام المجتمع الشيوعي. اعتقد ماركس أن التعاون المركزي بين جميع الأفراد،وديكتاتوريتهم الجماعية، سيخلق هذا المجتمع الجديد. هذه إستراتيجية قسرية.


ماركس كمفكر مشتبك


إن الوثائق التي أنتجها ماركس بعد عام 1864 نيابة عن رابطة العمال الدولية تكشف كم كان مفكرا اشتراكيا مشتبكا في ذلك الوقت. وعلى الرغم من أنه اختلف مع العديد من المواقف التي طرحها برودونيون، أو قادة النقابات البريطانية، أو البلانكيون، فقد قام بفحص العديد منها في إستراتيجية شاملة وتطلعية. كل واحد من مؤتمرات رابطة العمال الدولية أدى إلى مناقشات مثمرة للغاية، ركزت على العلاقة مع الفلاحين، والقضايا المتعلقة بالدولة ونضالات العمال، وحول قضايا الميراث والصراع على الملكية. لقد نما دور ماركس غير الرسمي الرائد في رابطة العمال الدولية من هذه القدرة على استخلاص العناصر التقدمية والقيمة الإستراتيجية الواردة في كل من المواقف المعنية. وقد أكسبه هذا قبولا واسعا،ساهم فيه إلى حد كبير تلك المناقشات المفتوحة قبل وأثناء المؤتمرات، بالإضافة إلى اجتماعات المجلس العام الأسبوعية في لندن التي كان لها دور أساسي في ذلك. في مواجهة الخلافات المتنامية داخل المجموعة وتزامن ذلك مع محاولات ماركس فرض آرائه على المنظمة، انهارت الرابطة بعد 1871. هذا هو المصير الذي تعاني منه كل حركة اشتراكية أو عمالية تطمح إلى أن تكون ماركسية بالكامل (أو برودونية أو برنشتاينية). إنها تقضي على تلك التناقضات التي لا غنى عنها والتي تشكل حيوية هذه الحركات. في بعض الأحيان تكون الانقسامات حتمية، ويمكن أن تقود الحركة إلى الأمام. ومع ذلك، لن تتمكن كل منظمة جديدة من تجنب تكرار التناقضات الأساسية التي تقع في صميم كل حركة اشتراكية أو شيوعية.


البروليتاريا كطبقة ثورية


كان القرار الثاني الذي اتخذه ماركس في 1843-1844 هو تأييد البروليتاريا باعتبارها القوة الديناميكية الاجتماعية التي من شأنها أن تؤدي إلى التحرر الجذري، لأنها “طبقة ذات سلاسل جذرية". لن تتمكن من تحرير نفسها إلى من خلال تحرير جميع الطبقات الأخرى معها. بناء على استقباله المكثف للمؤرخين الفرنسيين وتحليلاتهم لثورة 1789، خلص ماركس إلى: “إن دور المتحرر يمر بالتالي في حركة درامية نحو الطبقات المختلفة للأمة الفرنسية، الواحدة تلو الأخرى، حتى يصل أخيراً إلى الطبقة التي تنفّذ الحرية الاجتماعية، ليس بحسب الشروط الخارجة عن إرادة الإنسان والتي أنشأها رغم ذلك المجتمع البشري، بل تنظم جميع شروط الوجود الإنساني على أساس من الحرية الاجتماعية وبالنسبة لماركس، فإن "تحلل المجتمع باعتباره ملكية خاصة هو البروليتاريا".
كان ماركس قد تعرض بالفعل لتناول هيجل للاقتصاديين السياسيين البورجوازيين، أي آدم فيرغسون وآدم سميث وقد كان كتاب إنجلز “الخطوط العريضة لنقد الاقتصاد السياسي”، التي أدرجها في الكتاب السنوي، بمثابة الدافع الفصل له للتخلي عن نقد السياسة والقانون وانتقل إلى نقد الاقتصاد السياسي، لأنه أصبح من الواضح أن وضع العمال كان مشروطا بالهياكل الاقتصادية. ومن هناك، انتقل بعد ذلك لتطوير مفهومه المادي للتاريخ، وإستراتيجيته السياسية التي تهدف إلى تعزيز حركة عمالية مستقلة واثقة بنفسها،في “رأس المال”. لقد انصب تركيزه دائما على إثبات الدور التاريخي للبروليتاريا.
ولكن حتى هذا التأكيد على الطبقة العاملة الصناعية باعتبارها العامل الرئيسي لثورة للإطاحة بالرأسمالية هو أمر شديد الاختزال، بحيث أدى إلى نقاشات نظرية واستراتيجية لا نهاية لها. فمن ناحية، طوال القرن التاسع عشر وما بعده،تعرضت الحركة العمالية نفسها مراراً وتكراراً للخيانة من قبل الطبقات البرجوازية، إلى جانب أهدافها الاجتماعية والديمقراطية المشروعة. لقد نمت الاستقلالية السياسية للحركة العمالية كاستجابة لتدهور الطابع التقدمي للبرجوازية. ولكن كلما زادت قوة الحركة العمالية،كلما أصبحت مسألة التحالفات أكثر أهمية. بدأت فلورا تريستان بالدعوة  لحركة نسائية بروليتارية في وقت مبكر من عام 1843، معلنة:
"أنا أحتج من أجل حقوق النساء لأنني مقتنعة بأن كل سوء الحظ في العالم ينبع من هذا الجهل المزعج المستمر حتى اليوم تجاه الحقوق الطبيعية وغير القابلة للنقاش للكيان الأنثوي. … أنا أطالب بحقوق معينة للنساء لأن هناك تكمن الوسيلة الوحيدة للحصول على إعادة تأهيلها أمام الكنيسة والقانون والمجتمع. هذا التأهيل يجب أن يحدث بحيث يصبح من الممكن إعادة تأهيل العمال أنفسهم. " هنا، طرح تحرير النساء باعتباره شرطاً أساسياً لتحرير العمال كطبقة.
مع ذلك، فإن علاقة الحركة العمالية بالطبقات الوسطى، التي لم تتناقص في نهاية القرن الثامن عشر، ولكنها في الحقيقة تنمو من حيث العدد، تم أيضا تخصيصها. في البلدان المتقدمة للغاية اليوم، تشكل البروليتاريا الصناعية أقلية ذات أهمية، وإن كانت صغيرة نسبيا، تتراوح بين 10 و 20 في المائة. العلاقة مع الفلاحين كانت قضية أخرى مثيرة للجدال. إن الثورات الاشتراكية العظيمة في القرن العشرين كانت ثورات جمعت ما بين العمال والفلاحين، كما في روسيا، أو ثورات فلاحية حصرية، كما حدث في الصين – وإن كان ذلك في ظل قيادة شيوعية. في الرابطة الدولية للعمال، طالب ماركس بأن تصبح الحركة العمالية مستقلة سياسياً، في نفس الوقت الذي تواجه فيه بمطالب تشكيل تحالف مع الطبقات البورجوازية الصغيرة والفلاحين. لقد أوضحت كوميونة باريس مرة أخرى أنه بدون هذا النوع من التحالف،يصبح النصر مستحيلاً. إن إمكانية قيام ثورة ضد الإقطاعية ومناهضة للقيصرية في روسيا والنضالات المناهضة للاستعمار في آسيا فتحت منظور ماركس لإمكانية ربط ثورة اشتراكية في أوروبا الغربية والوسطى بقيادة أحزاب العمال مع ثورات مناهضة الاستعمار والإقطاع في الشرق. إن هذه المحاولات لتوسيع تركيزه على الطبقة العاملة لدمج تحالفات واسعة مناهضة للرأسمالية هو ما يمكننا أن نتعلمه اليوم. لقد تعلم لينين هذا الدرس بالفعل، حيث قال: “من يتوقع أن ثورة اجتماعية” نقية “لن يعيش أبداً لرؤيتها. مثل هذا الشخص يتحدث عن للثورة دون فهم ما هي الثورة".


قراءة ماركس استراتيجيا


يجب قراءة ماركس بطريقة إستراتيجية لأنه كان يريد أن يكون لمؤلفاته تأثير سياسي. ولكن من أجل ذلك، يجب علينا تحطيم عالم التفسير الحرفي للنصوص الذي أصبح يغطي على أعماله. في جنازة ماركس، قال فريدريك إنجلز:
كان ماركس قبل كل شيء ثوريًا. كانت مهمته الحقيقية في الحياة هي المساهمة، بطريقة أو بأخرى، في الإطاحة بالمجتمع الرأسمالي ومؤسسات الدولة التي جلبتها إلى الوجود،وللإسهام في تحرير البروليتاريا الحديثة، التي كان أول من جعلها تدرك موقعها واحتياجاتها، واعية لشروط إنعتاقها. كان بالأساس مقاتلا. وحارب بشغف ومثابرة ونجاح لا يقدر على منافسته فيه سوى القليلين.
كانت الطبيعة القتالية لدى ماركس متجذرة في المد القوي للحركات الاشتراكية والعمالية في عصره الذي استنبط منه معظم أفكاره، والتي أراد أن يبث فيها الوعي والتوجيه. كان جزءًا من الاشتراكيين، العمال، والحركة الثورية في عصره. لكنه لم يكن الحركة بأكملها، ولا ينبغي أن يؤخذ على هذا النحو. إن قراءة ماركس من منظور استراتيجي تعني بالتالي قراءته كفاعل يعطل الخطابات الإستراتيجية لليسار المعاصر. دون إعادة قراءة بيير جوزيف برودون وميخائيل باكونين،وفلورا تريستان وفيرديناند لاسال، وجون ستيوارت ميل، ولويز ميشيل، ولويس أوتو بيترز ونيكولاي تشيرنيشيفسكي،تصبح هذه المهمة مستحيلة. إن فهم نصوص ماركس في كليتها يعني أيضًا التعامل مع خصومه بجدية في استقلالهم وإنجازاتهم. إن النظر إلى الوراء، فإن “إخوانه الزافين” – و”أخواته” اللاتي يُغفلن في كثير من الأحيان – يثبت أنهم كانوا رفاقايسيرون على درب مشترك.
فقط من خلال الجدالات تمكنت القوى الاشتراكية والشيوعية في القرن التاسع عشر من خلق التناقض الذي لا غنى عنه للاشتراكية الحية – أو يجبروا على الاعتراف بهزيمتهم. ضمن هذا التناقضات،تمكن ماركس وبصورة موجزة من تحديد بعض أكثر السمات المؤثرة في أقطابه المعارضة. استطاعت نجاحاته في تسليط الضوء على هذه السمات باعتبارها عناصر لا غنى عنها من الكل،وأضاف إليها تصوره عن مساراتها في سياق السياسة الواقعية الثورية. وكانت إخفاقاته السياسية نتيجة محاولاته فرض تحليلاته كأفكار استبدادية و “القضاء على” خصومه. يجب على اليسار اليوم أن يكون على استعداد لاستغلال الأحداث القادمة باعتبارها فرص للتغيير الاستراتيجي. لذلك، فإن قراءة ماركس استراتيجيًا في أوائل القرن الحادي والعشرينً تتطلب من اليسار أن يدرك فرص وأيضا حدود تدخلاته الإستراتيجية. انطلاقا من التضامن وإتباع اتجاه واضح، يمكنه حينها أن يبلور إمكانيات تدخلاته بهدف القطع مع رأسمالية السوق المالية النيوليبرالية والتحرك نحو تحول مزدوج.

**نُشر هذا المقال أول مرة على موقع جريدة لوكسمبورج   ZeitschriftLuXemburg / مايكل براي فيلسوف اجتماعي في معهد التحليل الاجتماعي النقدي لمؤسسة روزا لوكسمبورغ في برلين.


12/05/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع