عندما تكون المرأة مقاوِمة وسجينة


تميم منصور


للرجال وللنساء!
إن حصر تحمل السجن ومعاناته وقسوته بالرجال فقط، فيه غبن وتمييز اجتماعي من الرجال بحق النساء، فيه استخفاف بقيمة المرأة وقدراتها، ومفهومه الوحيد أن النساء قاصرات، عاجزات، يفتقدن قوة الصبر والثبات والمواجهة، مثل الرجال، أي أن المرأة التي تتحمل مخاض الولادة، والقادرة على قيادة المركبات الفضائية، وقيادة القاطرات والطائرات والسفن البحرية والغواصات، غير قادرة على تحمل عناء السجن، لكن الواقع غير ذلك


لا أرى عين الصواب ما يتردد على ألسنة كل الذين يرددون مقولة شعبية " السجن للرجال " هذه المقولة غالبًا ما تستخدم لتبرير الحكم بالسجن على احد الاصدقاء أو المقربين أو احد عناصر الحركة الوطنية.
الهدف من هذه المقولة هو معنوي، وأحيانًا تلقائي، يرمز للشد من أزر هذا السجين ورفع معنوياته، والتخفيف من انقباض روحه.
السجن للرجال، هذا ما يسارع لقوله كل من يرغب بمواساة السجين، ولكن بأسلوب الدعم النفسي، لأن تحمل معاناة السجن يعتبر في نظر الكثيرين احد مقاييس الرجولة، فلسان حال من يردد هذه المقولة يقصد بما معناه : انت رجل لا يهمك السجن، مهما كانت ظروفه، رجولتك وصبرك وتحملك أقوى من ظلمة وقساوة السجن.
إن حصر تحمل السجن ومعاناته وقسوته بالرجال فقط، فيه غبن وتمييز اجتماعي من الرجال بحق النساء، فيه استخفاف بقيمة المرأة وقدراتها، ومفهومه الوحيد أن النساء قاصرات، عاجزات، يفتقدن قوة الصبر والثبات والمواجهة، مثل الرجال، أي أن المرأة التي تتحمل مخاض الولادة، والقادرة على قيادة المركبات الفضائية، وقيادة القاطرات والطائرات والسفن البحرية والغواصات، غير قادرة على تحمل عناء السجن، لكن الواقع غير ذلك، فهناك الكثير من النساء في فلسطين ووطنا العربي اللواتي دخلن السجن، خاصة سجينات الضمير، سجينات وطنيات قدمن أمثلة يحتذى بتحملهن لعذاب السجون وظلمتها وظلامها، تحدين السجانين والسجانات وجلاوزة السلطة، هناك الآلاف من النساء اللواتي خرجن من المعتقلات والسجون موشحات بأكاليل الانتصار، ومنهن من قضين في السجون دفاعًا عن شرف هذه الأمة، منهن من حولن السجون الى مدارس فكرية ووطنية.
هناك سجينات تحولن الى مرجعيات في ثباتهن، لكنهن فضلن البقاء في دوائر الظل، لم يلهثن وراء الشهرة وبريق الإعلام ودور النشر، اخترن القيام بالواجب الوطني، لكن خارج مساحات الضوء الإعلامي، هناك نساء رأين عكس ذلك، من حقهن تصدر الإعلام، والكشف عن هويتهن السياسية والنضالية، خاصة السجينات السياسيات والمقاومات اللواتي قارعن ظلم الاحتلال، مثل الجزائريات الجميلات الثلاث – جميلة بوحيرد، جميلة بو باشا، جميلة بو عزة – أو قارعن النظام الحاكم مثل المصريات الكاتبة نوال السعداوي و الكاتبة فريدة النقاش أو الكاتبة فتحية العسال أو الكاتبة لطيفة الزيات أو الكاتبة صافيناز كاظم.
أما المقاومة الفلسطينية التي ما تزال تقارع الاحتلال وتٌسجل في ارشيفات الشرف اليومي نضالها الذي لا يتعب ولا يكل، فقد تصدرت مئات السجينات الفلسطينيات، تريز هلسة، أحلام عارف التميمي، الاسيرة سناء محمد شحادة والاسيرة قاهرة سعيد السعدي والاسيرة آمنة جواد منى والاسيرة لطيفة أبو دراع وريما رياض ضراغمة وايرنا نقولا سراحنة وغيرهن من الاسيرات، عدا عن المقاومات أمثال ليلى خالد، فاطمة غزال، ميمنة عز الدين القسام، طرب عبد الهادي، عقيلة البديري، نبيه ناصر، الاختين مهيبة وعربية خورشيد، عادلة فطايري، يسرا طوقان، فاطمة ابو الهدى، نجلاء الأمر، حياة البلبيسي، جوليت ركا، فاطمة برناوي، شادية أبو غزالة، عبلة طه، لطيفة الحوراني، خديجة أبو عرب وغيرهن ولا ننسى الصبية عهد التميمي التي ما تزال بوجهها البريء تصفع الضمير العالمي.
هذا إضافة الى اعداد كبيرة من سجينات الضمير في الوطن العربي، خاصة في مصر والسعودية والسودان وتونس والمغرب وغيرها، من قارعن لهيب السجون في إسرائيل والاقطار العربية و اثبتن بان المرأة لم تخلق فقط كي تكون أما واسيرة المنزل، فبالاضافة الى الأمومة المميزة، فهي عند الحاجة محاربة شرسة في دفاعها عن حقوق شعبها.
هناك العديد من السجينات السياسيات قهرن السجان باقلامهن وبورق التواليت الذي استخدم للتعبير عن ابداعاتهن – كما رأينا في كتاب مذكراتي في سجن النساء للكاتبة نوال السعداوي -، فكان لهن الفضل في ظهور نوع جديد من الادب العربي، وهو ما عرف بأدب السجون، توأمًا لغويًا وفكريًا لأدب المقاومة الذي ابتدعه الادباء والشعراء الفلسطينيون، هنا في الداخل وهناك في الشتات.
نحني قاماتنا لكل امرأة عربية قاومت الاحتلال، أو قاومت الظلم والاستبداد والقهر في اية عاصمة عربية، لكننا  نحني هاماتنا أكثر لكل امرأة فلسطينية مكافحة ومناضلة داخل المخيمات الفلسطينية، أينما كانت و هنا لا بد أن نتذكر أول شهيدة للحركة الطلابية في فلسطين، الشهيدة رجاء حسن أبو عماشة، رغم مرور حوالي ستة عقود على استشهادها لكنها لا تزال خالدة في سجلات وضمائر الفلسطينيين.
نعم الشهيدة رجاء حسن أبو عماشة، انها من مواليد بلدة " سلمة " القريبة من مدينة يافا، ولدت عام 1939، ما يميزها بأنها اول طالبة فلسطينية استشهدت وهي تحاول انزال العلم البريطاني من فوق القنصلية البريطانية في مدينة القدس يوم 19/ 12/ 1955 في هذا اليوم اقتحم المتظاهرون الفلسطينيون مبنى القنصلية البريطانية في المدينة، احتجاجًا على إقامة حلف بغداد، ومحاولة النظام الأردني الالتحاق بهذا الحلف الاستعماري، فهب الشعب في الأردن خاصة في الضفة الغربية وداخل المخيمات في المملكة شارك في هذه المظاهرات، مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني وفي مقدمتهم الحركة الطلابية التي نظمت فعاليتها بشكل لافت للنظر، كونها ادركت ان العمل الطلابي هو الرافعة السياسية الأولى والحاضنة المناسبة لمثل هذه الاحتجاجات الوطنية.
الشهيدة رجاء عاشت منذ عام 1948 لاجئة في مخيم عقبة جبر في اريحا، بعد ان سقطت قرية سلمة بأيدي العصابات الصهيونية.
من ازقة مخيم اللجوء كبرت رجاء لتجد نفسها وشعبها تحت حكم استعمار لا يرحم، لأن النظام الأردني كان أداة لهذا الاستعمار، في ظل هذه الظروف هجرت قريتها الى مدينة اريحا، افتتحت رجاء سجل شرف شهداء الحركة الطلابية الفلسطينية، فألهب استشهادها شوارع الوطن من أقصاه الى أقصاه، وقد واصل زملاؤها وزميلاتها أبناء الحركة الطلابية أداء واجبهم الوطني، والمشاركة بفعالية في الغاء المعاهدة البريطانية الأردنية، التي كانت تنص على أن يتولى قيادة الجيش الأردني ضباط بريطانيون.
لم يذهب دماء الشهداء هدرًا، فقد استشهد في اليوم التالي ثلاثة شهداء جدد وهم يدافعون عن شرف فلسطين والأردن، استشهدوا في مدينة بيت لحم، بعد أن حققت هذه الهبة الشعبية المطالب الوطنية، أهمها الغاء المعاهدة المذلة مع بريطانيا ومنع الأردن من الالتحاق بحلف بغداد، ووافقت الحكومة الأردنية على اجراء انتخابات نيابية، عبر من خلالها الشعب عن خياره  حيث فازت القوى الوطنية بأغلبية مقاعد البرلمان، وتشكلت أول حكومة وطنية برئاسة سليمان النابلسي، استشهدت رجاء حسن أبو عماشة، وعمرها لم يتجاوز الخمسة عشر عاما هناك على أحد سفوح تلال مدينة اريحا، يقوم ضريح في العراء، ضريح شهيدة الوطن رجاء، حيث كتب عشرات الشعراء منهم شاعر فلسطين عبد الكريم الكرمي ( أبو سلمى ) قصيدة رثى فيها الشهيدة رجاء حسن أبو عماشة.

12/05/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع