عن تعالقات التّناص الأسطوري


د. جهينة خطيب



لوحة “الغزال” للفنانة السعودية نوره المهنا


خارج السرب
ترسمُ منى بالكلماتِ خزفيّةً نصيّةً فيها تصويرٌ لخلجاتِ القلبِ وشهواتِه ورغباتِه في ظلِّ العلائقيّةِ الوجوديةِ بين الرجلِ والمرأةِ. ما يميّز كتابات منى ظاهر الإبداعيّة تفردها عن الكتاباتِ النِسويةِ الأخرى، وكأنها خرجت من السِّربِ لتعزفَ سيمفونيةً خاصةً بها وحدَها ويتضحُ هذا في  جنوحِها نحوَ مشاعرَ مختَلطةٍ من لحظاتِ العشقِ والاشتهاءِ إلى صرخاتِ التمردِ الأنثويِّ في ظلِ نسيجٍ يصفُ نكبةَ الفلسطينيِّ.


رمز الغزال
في الأساطيرِ اليونانيةِ، ارتبط الغزالُ بشكلٍ خاصٍ بالإلهةِ أرتميس في دورها كصيادةٍ عذراءَ. ومن بين هذه الأساطيرِ قصةُ الصيادِ أكتيون، الذي شاهد الإلهة َأرتميس عاريةً أثناءَ استحمامِها في بركةٍ، فحوّلته إلى أيلٍ، وطاردته كلابُها حتى مزّقته إربا إربا. إذ يرتبطُ  الغزالُ بقدسيةِ الغابةِ السحريةِ. وهو يمثلُ الاستقلالَ والطهارةَ والكبرياءَ.



*قراءة في ديوان "خميل كسلها الصباحي، خزفية نصية لرفسة غزال" للأديبة الفلسطينية منى ظاهر*


تتشابكُ النصوصُ  لدى منى ظاهر بتركيبٍ فسيفسائيٍ ـ لا يمكنُ فهمُ نصٍّ دونَ الآخرِ، لنحلقَ معها في عالم الأساطيرِ،وتستلهمُ منى ظاهر الأسطورةَ وتوظفُها لتعبّرَ عن تجاربَ معاصرةٍ فتتقنّعَ بقناعِ الشخصيّةِ الأسطوريةِ لترسمَ  أحاسيسَها من خلالها. ولكي ندخلَ إلى عالمِ  الشاعرةِ الأسطوريِّ علينا أن نتسلّحَ بخلفيةٍ ثقافيةٍ عن الأساطيرِ لفكِّ رموزِ شعرِها.
ترسمُ منى بالكلماتِ خزفيّةً نصيّةً مكوّنةً من ثمانٍ وأربعين"  شذرةً " فيها تصويرٌ لخلجاتِ القلبِ وشهواتِه ورغباتِه في ظلِّ العلائقيّةِ الوجوديةِ بين الرجلِ والمرأةِ.
ما يميّز كتابات منى ظاهر الإبداعيّة تفردها عن الكتاباتِ النِسويةِ الأخرى، وكأنها خرجت من السِّربِ لتعزفَ سيمفونيةً خاصةً بها وحدَها ويتضحُ هذا في  جنوحِها نحوَ مشاعرَ مختَلطةٍ من لحظاتِ العشقِ والاشتهاءِ إلى صرخاتِ التمردِ الأنثويِّ  في ظلِ نسيجٍ يصفُ نكبةَ الفلسطينيِّ.
وستقوم الدراسةُ بطرحِ عدةِ أسئلةٍ: ما هي الأساطيرُ التي استحضرتها منى ظاهر  في نصوصِها، وكيف وظّفتها وطوّعتها لخدمةِ المفهومِ العامِ الذي  آلت للوصولِ إليهِ. ولمَ قسّمت عددَ الشذراتِ  في ديوانها إلى 48، فهل لنكبةِ 48 مزيجٌ واضحٌ مع الأسطورةِ ؟! وسنحاولُ فكَّ رموزِ لغتها الشعريةِ وخصوصيتِها في ظلِ مرجعيةٍ دلاليةٍ تحاورُ أساطيرَ مضت وكأنها تحمل بهذا عبءَ الماضي وموروثَنا  الأدبيَّ في ظلِّ حاضرٍ مقيتٍ. وسيقسّم البحثُ على عدةِ محاورَ:
النّص الأسطوري: إلى أيِّ مدى ارتبطت الأسطورةُ في مخيّلةِ  منى الشعريّةِ وهل نجحت في خزفيتِها النّصيةِ على مستوى الفكرةِ والمعنى.
مرجعيةُ الدلالةِ وخصوصيةُ اللغةِ الشعريّةِ  في شعرِ منى ظاهر من خلالِ ثيماتٍ ثلاث: العشقِ الأنثوي، عشقِ الرجلِ وعشقِ الوطنِ.


التّناص
إن التناصَ  نظريةٌ نقديةٌ شاملةٌ تم مناقشتُها  من قبلِ النقادِ الغربيين، وسبقَهم العربُ في مصطلحاتٍ كثيرةٍ تمَّ تداولُها في نقدِنا القديمِ، أمثال  التضمينِ والسرقةِ والاقتباسِ، ورغم إشكاليةِ هذا المصطلحِ،وإن اختلفَ الباحثون في بعضِ النقاطِ المتعلقةِ في التناصِ إلا أنهم  لا ينكرون حقيقةً واحدةً وهي أنه نكاد لا نرى نصًا  لا يتعالقُ مع نصوصٍ أخرى وفقَ آليةِ الامتصاصِ من ثقافاتٍ متنوعةٍ كطريقةِ تعبيرٍ انزياحيةٍ وجماليةٍ عن الكلامِ المألوفِ. وإضافةً إلى هذا فإنَّ التناصُّ يلعبُ دورًا مهمًا في إيصالِ فكرةِ الكاتبِ  فيكونُ دورُ القارئِ الإبحارَ في رحلةٍ استكشافيةٍ واسترجاعيَّةٍ تأويليةٍ  للبحثِ عن دلالاتٍ جديدةٍ في النّصِ.
فالتّناصُ " أداةٌ تعبيريّةٌ ورؤيةٌ إبداعيّةٌ، وفعاليةٌ إجرائيّةٌ، وآليّةٌ إنتاجيّةٌ، وخاصيّةٌ بنائيّةٌ قائمةٌ في أساسِها على تعايشِ النّصوصِ وتعالقِها  ضمنَ فاعليّةٍ فنيّةٍ وحساسيّةٍ شعريّةٍ قادرةٍ على التداخلِ مع الآخرِ والتفاعلِ معه وَفقًا لجدليّةِ الإزاحةِ والإحلال التي تتوخّى استدعاءَ تجاربَ وأفكارَ متباينةٍ، وامتصاصَها وإعادةَ صياغتِها ضمنَ رؤيةٍ فنيّةٍ تتجاوبُ معَ تجاربِ المبدعِ وانفعالاتِه، وتكشفُ عن طاقاتٍ تأويليّةٍ متجدِّدةٍ تحققُ الفعلَ التواصليَ بين الذّاتيِّ والموضوعيِّ الذي يقضي على أحاديّةِ المعنى ونهائيّةِ الدلالةِ" .


الأسطورة
" إنّ الأساطيرَ لم تكنْ إلا التعبيرَ القوليَّ عمّا يُمارس عمليا في الطقوسِ القبليّةِ" فقد جاءت الأسطورةُ لحاجةِ البشرِ إلى تفسيرٍ لمخاوفِهم، وإلى تعريفِ المجهولِ، وخلقِ رادع ٍ يقنّنُ سلوكَهم، فعلى سبيل المثالِ فسّر الإغريقُ الزلازلَ بغضبِ الإلهِ زيوس من البشرِ، وأنَّ للآلهةِ قوىً خارقةً تعبِّرُ عن المسكوتِ عنه لدى البشرِ وما يرغبون به ولا يملكونه من قوةٍ خارقةٍ يتجاوزون بها العالمَ "ولعلّ من أهم مقوماتِ الأسطورةِ بعامةٍ موضوعَها، إذ تهتمُ في الغالبِ بالكائناتِ الغيبيّةِ والحوادثِ الكبرى، وتبحثُ في خلقِ الموجوداتِ، ومكوناتِ الطبيعةِ، وتبينُ عن العلاقةِ بينَ الإنسانِ والآلهةِ في صورةِ كاشفةِ لحقيقةِ الإنسانِ. وهذا التنوعُ في الاهتماماتِ الأسطورية ِيعكسُ بحقٍ مدى حاجةِ الجماعةِ الإنسانيةِ القديمةِ إلى المنظورِ الأسطوريِّ لتأديةِ الحياةِ في إطارٍ مجتمعيٍّ، وبصفةٍ أساسيَّةٍ لنشدانِ المعرفةِ بأصولِ الأشياءِ".
" لقد تعددتْ أصولُ الأسطورةِ وتنوّعتْ مصادرُها في الشعرِ الفلسطينيِّ، بحيث اتّجهَ هذا الشعرُ إلى الشمولِ والطموحِ لمعاينةِ البعدِ الإنسانيِّ والوصولِ بالتجربةِ الشعريّةِ إلى المدى الجماعيِّ الإنسانيِّ، فلم يقفْ عند مناهلِ الأسطورة المحليّةِ كالبابليةِ والكنعانيةِ أو الفرعونيةِ مثلا، بل تعدّى ذلك إلى أساطيرِ الأممِ الأخرى متمثلةً في الأساطيرِ اليونانيّةِ التي كانت أشدَها تأثيرا وأكثرَها ذيوعًا بين الشعراءِ".

وهذا ما نراه لدى الأديبةِ منى ظاهر من تنوعِ الأساطيرِ في خزفيتهِا وهذا  تعداد ما جاء في الديوانِ  على التّوالي: (أبوللو / زيوس / عشتار/ تيتانيا / أدونيس / هيرا / إيريس / جيا / ميتيس / أنتجونا / امرأة الهيكل العظمى / نارسيسوس/ بسيخي / افروديتا / فينوس / غراب فويبوس / ربات الفنون الموساوي / خاوس / المردة تيتانس / فايثون / هرميس / أريس / المرأة الفقمة / ميدوزا / بيجامليون / عناة / الطائر الخرافي الأسود أحمر الذيل / أرجس / قدمس / العاشقان بيراموس وثيزبي/ ديونيزوس / باخوس / أخيل / أورورا/ زيوس / شهرزاد /الهسبريس / أطلس / هرقل / بيرسيوس / ميديا / دا / النكتار / الأمبروزيا / المسيح / أورفيوس / بعل / أرامتوس) .
إضافةً إلى استحضارِها للشعراءِ من زمنٍ مضى، الشاعر الكايوس، شاعرٌ غنائيٌّ يونانيٌّ، عاش في جزيرةِ لسبوس في القرنِ السادسِ ق.م. نظّمَ مقطوعاتٍ غنائيّةً عن الحربِ والسياسةِ وأغنياتٍ رقيقةً عن الحبِّ والخمرِ. يُقال إنّها كانت من وحي حبّهِ للشاعرةِ المشهورةِ سافو.


لماذا يوظّف الشاعر الأسطورة؟
يقول السيابُ" لم تكن الحاجةُ إلى الرمزِ، الأسطورةِ أمسِ ممّا هي اليوم. فنحنُ نعيشُ في عالمٍ لا شعرَ فيه، أعني أن القيمَ التي تسودُه قيمٌ لا شعريةَ والكلمةَ العليا فيه للمادةِ لا للروحِ. وراحت الأشياءُ التي كان في وسعِ الشاعرِ أن يقولَها، أن يحوّلَها إلى جزءٍ من نفسِه تتحطمُ واحدًا فواحدًا، أو تنسحبُ إلى هامشِ الحياةِ. إذن فالتعبيرُ المباشرُ عن اللاشعورِ لن يكونَ شعرًا فماذا يفعلُ الشاعرُ إذن ؟ عاد إلى الأساطيرِ، إلى الخرافاتِ التي ما تزالُ تحتفظُ بحرارتِها لأنها ليست جزءًا من هذا العالمِ، عاد إليها ليستعملَها رموزًا وليبنيَ منها عوالمَ يتحدّى بها منطقَ الذهبِ والحديِد، كما راح من جهةٍ إلى أخرى يخلق أساطيرَ جديدةً، وإن كانت محاولاتُه في خلقِ هذا النوعِ من الأساطيرِ قليلةً حتى الآن.
"إنّ  قيمةَ توظيفِ الأسطورةِ أو توظيفِ رموزِها وشخصيّاتِها لا تتمثّلُ في بعدِها الدلاليِّ الذي تنطوي عليه، وإنما تتجاوزُه إلى البعدِ الجماليِّ المتأتي من حضورِها في اللاشعورِ الجمعي، ومن الكثافةِ والتوترِ الدراميِّ اللذين تمتلكهما، والفضاءِ التخييلي الذي تستدعيه معها."
والتناصُّ الأسطوريُّ يكونُ باستلهامِ الشاعرِ للأساطيرِ القديمةِ وتوظيفِها في قصيدتِه ليضفيَ أبعادًا جماليّةً تمتلئ رموزًا وإيحاءاتٍ تخدمُ النّصَ.
لقد اهتمَّ شعراءُ الحداثةِ بالتجديدِ والخروجِ منَ الأسلوبِ التقليديِّ في الشعرِ العربيِّ، فجاء استلهامُهم للأساطير ِنوعًا من التمرّدِ وخلقِ معانيَ جديدة "وفي الوقت الذي تعاظمَ فيه انفتاحُ الشعر العربي المعاصر على الوعي الحديث بضرورة تطوير القصيدةِ وأهميةِ التواصلِ مع التراثِ الأسطوريِّ بخاصةٍ، فإن الشعرَ الفلسطيني لم يكن غائبا عن استيعابِ اتجاهاتِ التجديدِ، حيث تعاملَ مع هذا التراثِ تعاملًا يدلُّ على مدى الوعي بقيمتهِ في الإبداع الشعري".
ومنى ظاهر من الشاعراتِ الفلسطينيات اللواتي رأين بالأسطورةِ طريقًا تخدم هدفَها "في ظلِ الظروفِ التي تحاصر ثقافتَنا خصوصًا في الأراضيِ الفلسطينيةِ المحتلةِ عام 1948، وتسعى لتهميشِ لغتِنا العربيةِ ومحوِ تراثِنا الفلسطينيِّ بكلِ جوانبِه وتشوّق ذاكرتَنا الحيّةَ، فإنه من الضروري العملُ على الإبداعِ من وجهةِ نظري بكلِّ أشكاله من فنٍ وموسيقى وأدبٍ وشعرٍ بصورةٍ تُظهر هويتَنا الفلسطينيّةَ ولغتَنا العربيّةَ السليمةَ وانتماءَنا المتجذّر بها" .وفي خزفيتِها نرى كثيرًا ما نجحت في حوارِ النصوصِ  فتناغمت الأسطورةُ مع النّصِ الموجودِ، ولكن في حالاتٍ أخرى كان استدعاءُ الشخصيةِ مجردَ ذكرِ لها دونَ فاعليةٍ تلائمُ اللوحةَ الفسيفسائيةَ الموجودةَ ففقدت دفء التجربةِ وتناميها.
حاولت منى ظاهر خلقَ حالةٍ شعوريةٍ لتراكماتٍ ذهنيةٍ حسيّةٍ في مفاهيمَ كثيرةٍ تحومُ حول علاقةِ الرجلِ والمرأةِ  في تنفسِهما للوطنِ الكليم، وبما أنّ" للأساطيرِ قدرةً فائقةً على تحويلِ الوعي إلى حالةِ ذهولٍ، وتحويل الحالة الذهنيّة إلى التجسيدِ لما لها من علاقةٍ وطيدةٍ بالخيالِ"، فإن منى رأت بالأسطورةِ  نسيجًا جماليًا تحيك به البعدَ الإنسانيَ بحيث تصلُ في تجربتها الشعريةِّ إلى الإنسانيةِ عامةً،فأبحرتْ في أساطير الشعوبِ، استحضرت منى الأساطير ولكنها لم تمتصّها بشكلٍ يغيّر من دلالتِها فحافظت على دلالتِها ووظّفتها  في خدمةِ العلاقةِ الشائكةِ بين الرجلِ والمرأةِ.
"خميل كسلها الصباحي"، هو   منظومةُ العشقِ الأبديّةِ التي تقوم برسمِها الذاتُ الأنثويّةُ، فهي هنا الأنثى الفاعلةُ المحللةُ الجريئةُ والتي تنتشي بعلاقتها الوجوديةِ مع ذاتِها والرجلِ والوطنِ، وتقومُ الأنثى بإبداعِ خزفيّةٍ نصيّةٍ لامرأةٍ قويّةٍ تعرف ما تريد.


سيميائية العنوان والغلاف: خميل كسلها الصباحي
معنى خمل في لسان العرب: الخامِل الخَفِيُّ الساقطُ الذي لا نَباهةَ له يقال هو خاملُ الذِّكْرِ والصوتِ خَمَل يَخْمُل خُمولاً
والخميلةُ: الخَمِيلةُ الشجر المجتمع الكثيف وقيل هي رملةٌ تُنبت الشجرَ
فالمعنيان يحملان الأمرَ ذاتَه، فإنّ  كثافةَ الشجرِ قد تخفي وراءَها أشياءَ أخرى
فهنا قد يكمن الغموض ونتابع مع العنوانِ الفرعي: خزفيّة نصيّة لرفسة غزال
وما يحملُه هذا العنوانُ من مفارقة.
خزفيّة: ما عُمِل من طينٍ وأُحرق بالنَّارِ فصار فخّارًا، مادَّة قاسيةً وهشَّةً ومقاومةً للحرارةِ والتآكلِ تُصنع بتشكيلِ وخَبْزِ مادَّةٍ غيرِ معدنيّةٍ كالصلصالِ في حرارةٍ عاليةٍ
فالخزفيةُ صُنعت من طينٍ كالإنسانٍ تمامًا الذي خُلق من ترابٍ
الرفسةُ: الصَّدْمَةُ بالرِّجْلِ في الصدرِ
ولكن تكمن المفارقةُ في أنّ الرفسةَ تأتي من غزالٍ.
كان الغزالُ منذُ القدمِ رمزا شمسيًا لدى العديدِ من الشعوبِ، لذا كان رمزًا مقدسًا. وقد احتل مكانةً هامةً لدى الحثيين، حيث عبدوا الإلهَ "كارهوهاس- Karhuhas" أو "كارهونتا- Kurhunta"، وهو "الإلهُ الغزالُ"، وكان على الأرجح يُمثِّل إلهَ الخصبِ حاميَ الطبيعةِ.
وفي التقليدِ الكلتي كان للغزالِ جانبان أحدُهما مؤنثٌ والآخرُ مذكّرٌ. كانت "الأيلة- "Hind وهي الغزالةُ الأنثى الحمراءُ، تُدعى "إيليد-Eilid" في اللغةِ الغيليةِ، وهي ترمزُ إلى الأنوثةِ، وسرعةِ البديهةِ والرشاقةِ. وكان يُعتقد بأنّ هذه الأيلةَ مُرسلةٌ من قبلِ مملكةِ الجنِّ إلى البشرِ لحثّهم على التخلي عن الزخارفِ الماديّةِ لما يُسمى بـ"الحضارة" والمضي بعيدًا في أعماقِ غابةِ السحرِ، لاستكشاف طبيعتَنا السحريّةَ والروحيةَ الخاصةَ بنا. فعندما نستكشفُ السحرَ والروحانيةَ، فإنه ينبغي علينا فعلُ ذلك بحسنِ نيّةٍ، لا رغبةً في أذيّةِ أيِّ كائنٍ حيّ، وإنما للولوجِ إلى عالمِ الأشياءِ البريّةِ بروحِ المحبةِ والتشاركيةِ.
وفي الأساطيرِ اليونانيةِ، ارتبط الغزالُ بشكلٍ خاصٍ بالإلهةِ أرتميس في دورها كصيادةٍ عذراءَ. ومن بين هذه الأساطيرِ قصةُ الصيادِ أكتيون، الذي شاهد الإلهة َأرتميس عاريةً أثناءَ استحمامِها في بركةٍ، فحوّلته إلى أيلٍ، وطاردته كلابُها حتى مزّقته إربا إربا.
إذ يرتبطُ  الغزالُ بقدسيةِ الغابةِ السحريةِ. وهو يمثلُ الاستقلالَ والطهارةَ والكبرياءَ.
والأنثى العذراءَ التي رُغمَ براءتِها ورقّتِها قد ترفسُ من يحاولُ المسَّ بكريائِها.


ثيمةُ العشقِ بأبعادِها الثلاثةِ
ثيمةُ عشقِ الذاتِ الأنثويّةِ/ ثيمةُ  عشقِ  الرجل/ثيمةُ  عشقِ الوطنِ وتظلّل هذا الثالوثَ ثيمةُ العشقِ الأسطوريِّ
عشقُ الذاتِ الأنثويّةِ: تتمتّع منى ظاهر في خزفيتها برونقٍ خاصٍ، فالأنثى لديها تصرخُ بالمسكوتِ عنه، تتلوّى نشوةً عندَ المتعةِ، تعلنُ رغباتِها وآلامها وأحلامها بلا وجلٍ، تستنطقُ أنثاها بزخم الحضورِ" تتمرّدُ نصوصي لتكونَ فيها المرأةُ هي الفاعلةُ أيضًا.. المتحدّية، الجريئة المقرّرة والّتي توازن في معادلات القوى بينها والرّجل، لتضحى العلاقة بين الرّجل والمرأة- هي تلك العلاقة المساندة والدّاعمة لبعضهما البعض، والمتعلّق أحدهما بالآخر، وتتمازج  الشخصيات الأسطورية الأنثوية في خزفية إبداعية تؤكد قوة المرأة وصلابة جأشها وأنوثتها في آن.
فها هي هيرا زوجة زيوس وأخته والتي على الرغم من عشقها له عندما تكتشف الخيانة تنتقم، فهي كبرياء أنثوي خالص، وتمتص منى ظاهر أسطورة هيرا  ودلالاتها  في بحث الأنثى عن معنى لأنوثتها في اتحادها بالرجل اتحادا فكريا، قد يتم بالتلاقي الجسدي المؤقت، ليموت الجسد وتتألّق الروح، فالجسد ما هو إلا قناة عابرة للوصول إلى عالم الروح "هي ذاتها سيدة الموت، الإلهة التي تشكّل الحب اتّحادا لجسدين ليتمكّنا  من الدخول إلى عالم الرّوح، وأنت ذاك الغراب الأسود المفتون بالتّدفق فيها، في لحظات الانتعاش والانكماش."
هذه العلاقة الأزليّة بين الرجل والمرأة:
"جسدي يسائلني عنك...
شوقي لك عمره ألف عام
يعلّق الرجل سيمفونيات تأوهاته على شفتي المرأة الملازمة له...
ترتسم  خطوط أصابعها على أنسجة شرايينه
تتموضع رغبته فيها ويصحو جسدها بنضرته على خاصرة أوقاته
يموت الرجل في خليلته ويحب أن يشهد موته معها
يعصف المكان بذاكرة جسديهما والزمان يؤرقه انفلات ملمس الأرجوان"
هذا التصوّر الأسطوري للحب يجعلها تتقمص شخصية هيرا فتقول: "معه أصل إلى الحتف المشتهى حتف دم الغزال. قد أكون أنا هيرا" تلك الإلهة التي أحبّت بجنون ودافعت عن حبها بشراسة.
تريد أن تتحد برجلها ظنا منها أنّه باتحادهما  تصب عليه حكمتها فكأنها إلهة الحكمة ميتيس "التي ابتلعها رئيس الآلهة لتجيشَ عليه بإلهامها"
هي امرأة الأسطورة، حفيدة عشتار "والمرأة حفيدتها الخارجة من رحمها- الثلاثينيّة- آتية من حبّات البحر، نازلةٌ من رذاذِ الغيم، مُرتحلةٌ من امتداد الأزرق في السّماءِ.."  وعشتار هي الإلهة رمز الحب والإخلاص التي أنقذت "تموز" زوجها ونقلته من عالم الأموات إلى عالم الأحياء، وبما أن القاصّة  استدعت عشتار ورأت بها جدة امرأتها الثلاثينية، لتقول إن المرأة المحبّة تتمتع بجينات عشتار في الحب والوفاء لرجلها.
"امرأة الثلاثين تُطل وتحاكي رجل الألف عام، عن حكايا تعتّق النّبرات من الرّوح الهاربة فيهما، نقاطًا بيضاء من غيوم".
اختارت أن تستدعي إلهات تتمعن بالقوة والشجاعة، بالحب والانتقام وبالإخلاص والوفاء تعرف مبتغاها ووجهة المسير.
إن هذه الخزفيّة  يحيكها الإله قدمس إله الكتابة، لتنسج  الأنثى مشتهاها "فإنّ المرأة عندي تعمد إلى الحبيب بجميع جوارحها وطاقاتها، وتضطرم طاقاتها الحسّيّة فتجهد نفسها لالتقاط المعاني وابتكار الصّور، وهي تتوجّه إلى الرّجل الحبيب توجّه الفنان ترسم الصّورة كما تشتهي وكما تتخيّل، وكما يملي عليها ظمؤها إلى المفاتن، إلى الجمال الّذي تصبّه في كأس راحها، وتطفئ به لظى روحها وروحه. إنّ تجربتي الكتابيّة تربط علاقة العاشقين أو الزّوجين أو الحبيبين بتقصّي حالة الفقد والوطن وآيات العشق والحلم. وتجيء على الصّفحات بلغة الجسد النّافر وكومة المشاعر المسترسلة."
هذه العلاقة الشائكة بين الرجل والمرأة تتمخّض عنها محاولة التنازل عن أشياء كثيرة بدافع حبها للرجل و لتتقرّب منه، ولتوضّح منى هذا استحضرت أسطورة المرأة الفقمة التي تحوّلت من فقمة إلى إنسانة لفقدانها لجلدها، وتزوجت إنسانا من البشر وأنجبت منه طفلا جميلا غير أن حنينها للبحر ما انفكّ يراودها إلى أن اكتشفت أن من أخذ جلدها هو زوجها وأخفاه لكي لا يخسرها، وعندما وجدت جلدها رحلت تاركة ابنها رغم ألمها لفقدانه لأنها في النهاية فقمة وليست بشرا "هناك حيث الشواطئ الفضيّة كركرات من شفاه هي تجليات سيقان طويلة رفيعة مطهّمة بخلاخيل ملوّنة.. هي رقصات على دفء نغمات نبرات الوهم العاشق.. من على صخرة مرقّطة في البحر هناك أطَلّت وقالت: تعلّمت أن لا أصدّقَ شفاهَ آدم"
استثمرت الأديبة هنا  أسطورة المرأة الفقمة، ومعنى الحب الواهم حين اعتقدت الفقمة أنه بمقدورها العيش مع البشر بدافع الحب، فتحطمت أحلامها على صخرة الهزيمة والوهم، تماما كما يحصل للمرأة في محاولتها التقنع بقناع ليس لها من أجل الاستحواذ بالرجل.


عشق الرجل
هذا الرجل ابن الألف عام أتى من الأساطير من روح زيوس ونرسيس وأبوللو
" آتي أنا كما إله الشّمس أبوللو في عربته تجرّها الأحصنة ذوات الأجنحة الذهبيّة ليدقّ بصولجانه رئيس الآلهة زيوس لتولد الصواعق، بعدها حينما كانت ماردتي تصل في ذروة نشوتها".
هذا الرجل العاشق رأيناه بشخصيتين تكادان تكونان واحدة، عجيب وغريب  يتّسمان بصفات إلهية أسطورية، فهو زيوس قاهر النساء وربّ الصاعقة، صنعه البشر من أجل التعبير عن رغباتهم المكبوتة،
وهو أبوللو "الجالس على جبله. ذاك الموهوب بهبات إلهة الأرض " جيا" ظلّ يستقي المستقبل من لمسات استطالات ليلها.. محاولا الوصول إلى مركز ذاته ليتجاوز تكتكات محيطها".
هو هذا الخارق الذي يتمتع بكل صفات أسطورية " هو رجل مثل أيوب...يحلم هو بها غيبوبة عشق تأتيه ولا يفيق، ويفيق على وُريقة خريف تنثر إلى أعلى، تعلو، تحلّق ثمّ تهيم إلى أسفل ويفيق".
هذا الرجل يستحضر آلهة تملك القوّة والجاذبية حلم كل رجل، فأبولو إله الضوء ورمز الشمس والبهاء سخر مرة من كيوبيد إله الحب وهذا استثار الأخير وانتقم من أبوللو وانتظر مرور الحسناء دافني ووجّه سهم الحب في صدر أبوللو وفي المقابل وجّه سهم الكره نحو قلب الفتاة، فصار أبوللو يطاردها في كل مكان وهي تهرب منه. فكأنه هو يلاحق امرأة المستحيل  وهي لا تصدقه" من على صخرة في البحر هناك، أطلّت وقالت: تعلّمتُ أن لا أصدّق شفاه آدم تقلّبت عندها موازين دورته الدّمويّة بانفعال مائي مُتّقد، أجابها: نعم، لا تصدّقي اشتياقي، ولا إنّي أموت حتّى ألقاكِ.. ولا تصدّقي كلّ هذا، لا تُصدّقيني.. صدّقي أن لا تصدّقي."
وكأنه يطارد ميدوسا وهي التي أصيبت وأخواتها الجورجونات الثلاث بلعنة، فكل من يراهن يتحوّل إلى حجر، واللقاء بميدوسا في هذه الحالة مستحيل  " يتحجّر الرجل مكانه، كما لو أنّه رأى رأس ميدوسا الجورجونة.
يلهث وراء امرأة الحلم المرأة المشتهاة ويحلم بلقائها  فهي في مخيلته تكاد تكون إلهة لتستجيب لرغباته الأسطوريّة"  تشبه أمّه التي " من النصف الأول لجسدها رُفعت السماء، ومن النصف الآخر كانت الأرض".
وهو العاشق لذاته وكأنه نارسيسوس الذي ذاب صبابة في ذاته لمّا رأى صورته على صفحة البحيرة وعشق ذاته " ويصمت حين تنادي شفافيّة داخله، يروح عميقا في روحه.. أيعقل أن يكون نارسيسوس؟!" ولكن في الوقت ذاته عليه ألا ينسى أن أنثاه مستحيلة " رجلُ المِراحِ/ المختالِ أنت.. لا تنس جرحكَ النّرجسيّ ولا أنّ تلك المرأة هي أنثى الاستحالة".
  فالشاعر" ينطلق في تشكيل رمزه من حالة غير معلومة أو بالتحديد من عدة حالات تحيل إلى المجهول والمعلوم معا. وتصاحب انبثاق وجود الرمز في القصيدة حركة ميلاد أشياء الطبيعة، بحيث تغدو تكوينا بكرا أو صورة رمزية جديدة لا عهد للواقع بها، ولا منطق لتصورها إلا وفق خيال الشاعر الذي يصيّر المتناقضات إلى صورة موحدة، حتى وإن كانت تنتمي إلى عالمين مختلفين تماما مثل عالم الطبيعة المحسوس وعالم ما وراء الطبيعة غير المحسوس".

عشق الوطن
الكتاب محْبُوكٌ من ثمانٍ وأربعين شذرة وهذا يوحي بنكبة 1948 وضياع فلسطين.
ووسط هذه العلاقة الحلم بين الرجل والمرأة  ينبض الوطن برائحة الزعتر والنعناع، رائحة فلسطين" دورات واسعات كانت للأيّام، على هذه الأرض المتنازع عليها منذ قرون- نفسُهُ التنازعُ من دوراتٍ واسعات على الأيّام ".
غير أنّ الاحتلال أضاع عبق الياسمين في حقول البلاد " في لحظة مُنفلتة غاب حقل الورد، وبات امتدادُهُ الأسيلُ يخِيطُ مغاراتٍ مهجورةً، كُلّما الليلُ عسعس."
وألهة الأرض " دا" تعلن غضبها " تعوي بالنفير إلهة الأرض "دا"
هذه العلاقة الشائكة بين الرجل والمرأة يوحّدها وجع الوطن" الرّعب اللذيذ ينثال إلى طين النّعناع، ينصبُّ فيه ثقل الشّوق.. وتكون المرأة ورَجُلُها هياج المطر.. وقنطرة السّحاب ونمرقة الوطن".
ما يجمعهما هو هذه " الغريزة الوحشية المتغلغلة فينا، المرعبة للا حياتنا بونينٍ  وأنين، الموقظة لبربرية دواخلنا والقابضة على ذواتنا بفدادين شيطانية من الصدق العاتي "
ليتحدا معا في حب فلسطين وصوتهما الأخير"....ولنواصل القتال".
"يهدف هذا العمل للاندغام بطبيعة المكان والوجدان الفلسطينيّ وعلاماته من نبات وطير وحجر وروائح وتقاليد. هذه التّجربة، كرّست هويّة المكان والإنسان جماليًّا ووجدانيًّا، وفيها التّركّز على عنصر التّلاحم بين الإنسان الفلسطينيّ وبُعده المكانيّ، بما فيه سحر الطّبيعة الفلسطينيّة وغرابتها..".


العشق الأسطوري
يظلّل هذه الثيمات الثلاث: العشق الأنثوي، عشق الرجل، عشق الوطن، عشقٌ أسطوريٌ يبارك هذا الثالوث،فعند لقاء الذات الأنثويّة بالرجل "يقف هرميس"  إله الخطابة والبلاغة  ليزيد حضورهما بهاءً  لتختمر علاقة جمالية أسطورية " هو كائن من خمائر.. هو رائحته،عبقُ مساماته، تمتصُّ هي عطرَهُ، تتركه يصير ضبابًا يحوم في شبحيّة خيالات.. تقرّر هي أنّها ناهيةٌ فيه طريقَها!.. يَثِبُ هو من وشوشات عصفورة.. ومضة.. وثبة وومضة".
هذه العلاقة الأسطورية تشعل الأبدية، وكأنها تلاحم الكائنات الواقعية والأسطوريّة في آن، وكأن الآلهة تُسخّر الطبيعة لخدمة نشوتهما" حين التقيا تحت شجرة الصّفصاف، هناك في حاكورة التّوت.. بعد طريق المُشْمُش، خلف أرض الوادي.. كانت شجرة الياسمين تكبر وتكبر بطريقة غريبة، لم تكن تعلو بأغصانها، بل كانت تتكاثف على نفسها بشدّةٍ..ربما لأنّها كانت تخمّن أنّ موعدَهما سيصير قريبًا منها.. لذا جعلت نفسَها سياجًا يحميهما ويغطّيهما..لا أحلى من سياج عابق بياسمين!"
فتغني الطبيعة بهما  ولهما وكأنّ جمالا أسطوريا اخترق المنطق وسيطر على المكان" يلاقي الزّمان امرأة الخريف ويلتقي زمانُها معه، ذاك الذي لا كلام يملؤه.. في دندنات أصابعه تتفتّح الألوان الزّهورُ من ثنايا الجسدِ البرتقالي المائل للأصفر. وتسيل من شهوته خضرة  تكسو العيدان في الغابات الأحاسيس".
هذه الخزفيّة تطال بنا السماء في عالم ما وراء الطبيعة، فتبارك الآلهة وجودهما وترسل الجنيات لحياكة ما تبقّى من المشهد" أولاء الجنّيات يَجْدِلْنَ نسيجَ الغوايةِ كي يغتسلَ المكانُ في حناياه بنهوض الرّبيع، لتكتسح الأرضَ زلزلةٌ تنمو بأطرافها..".
الخاتمة
هذه العلاقة الحلم والخزفية المترابطة والمرابطة  لعشق الرجل والمرأة والوطن، هي أشبه بلغز كلمات متقاطعة، وكأن بالشاعرة تقول:  ولأنني عشقت الصورة الأولى أفضّل أن أفقد البصر، وفقدان البصر هنا بالمفهوم الايجابي، أن أرى ما أريد وأحقق ما أريد وسط عالم أسطوري يفوق العقل البشري فهما ودرايةً، عشق الرجل لذاته ورغبته في المرأة المستحيلة في آن، لهاثه وراء السراب  ورفضه للموجود، نزواته المتخيلة من خلال الأسطورة المثالية زيوس، مخترق قلوب العذارى وصاحب الصاعقة والجبروت، وعشق الذات الأنثوية وصراعاتها المريرة بين كبريائها ونشوتها، ووسط هذه العلاقة الفلسفية جمعهما حب الوطن ونزيفه ، وهذه الخزفية تجعلنا نعي أن الحياة بشِباك العناكب المستشرية فيها، ما هي إلا أخطر أسطورة عجز الخيال عن استيعابها.



12/05/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع