طالت طريق الانتصار أمام شعب الجبارين (2)


تميم منصور


بين جيشين
هناك من شبه جيش الانقاذ بالجيش الذي اعده القائد صلاح الدين، لتطهير البلاد من احتلال الفرنجة، لأن جيش صلاح الدين كان مؤلفًا من كافة الأقطار العربية في ذلك الحين، مصر العراق، الشام الجزيرة العربية المغرب. هذا كان حال جيش الانقاذ، فهو أول جيش عربي تمت اقامته من غالبية الأقطار العربية، الذين عبروا عن استعدادهم للقتال في فلسطين. لكن شتان ما بين قيادة جيش صلاح الدين وقيادة جيش الإنقاذ والقوى التي وقف وراءه.



مرة أخرى فإن الصراع على السلطة بين صفوف القيادات الفلسطينية حال دون اقامة مؤسسات عسكرية، أو شبه عسكرية، وحال دون اقامة أحزاب بعيده عن روح الطائفية والقبلية، والسؤال هل يمكن لأيه حركة وطنية أن تتطور وتخوض غمار أي صراع سياسي، اذا كانت قيادات  ذات مرجعية قبلية عائلية، أو طائفية، لأنه من غير الممكن اعتماد أو اعتبار أي تجمع طائفي أو عائلي حزبًا يحمل فكرًا تقدميًا، واليوم بعد عودة الطائفية الى العراق وتواجدها الراسخ في لبنان، يمنع استقرار الحياة السياسية في هذين القطرين العربيين الهامين.
المفتي وموقعه الطائفي و الحمائلي، كان احد الاسباب التي افشلت اقامة أول تنظيمات شبه عسكرية في فلسطين في أكثر الأزمنة حساسية،  فقد أصر المفتي  على تولي حزبه " حزب الدفاع " المسؤولية عن فصائل النجادة بعد تشكيلها، ليس لأنه لم يكن يثق بقائد النجادة "محمد نمر الهواري" فقط، بل لأنه كان يسعى للسيطرة على كافة المؤسسات القائمة في فلسطين.
عندما رفضت قيادة النجادة الاعلان عن تبعيتها لحزب الدفاع، رفع المفتي يده المالية والمادية والمعنوية عن هذا التنظيم، وأخذت جماعته بالضغط على الكثير من عناصر هذا التنظيم بتركه والانضمام الى تنظيم بديل له من الشباب أطلق عليه اسم "الفتوة".
هذه الاجراءات لم تصب في مصلحة الشعب الفلسطيني، وتعكس فسادا وانانية داخل القيادة الفلسطينية، وتوضح دورها في اقامة شبيبة فلسطينية مقاومة، كما كان الأمر لدى الجماعات الارهابية، التي كانت لا تتوقف على تدريب  ابناء الشبيبة اليهودية على الفنون العسكرية، من خلال تنظيمات "الجاد – ناع" وفرق الفيلم التي كانت رديفا للعناصر المقابلة، في وحدات الهاغاناة، والبلماح وغيرها، اعترف العديد من المؤرخين قيام وحدات البلماح بارسال مستعربين الى قطاع غزة في منتصف ايار 1948، لوضع السموم في آبار غزة، ونشر انواع خطرة من فيروس داء التيفوس، أما القيادات الفلسطينية فقد كانت متصارعة فيما بينها، وكان المستفيد الوحيد من هذا الصراع العصابات الصهيونية.
حتى يحقق المفتي غاياته، أصر على دمج تنظيم النجادة مع تنظيم الفتوة في تنظيم واحد، لكن هذا لم يمنع تحديد موعد ومصير هذين التنظيمين وخروجهما للتقاعد الابدي قبل نضوجهما، فقد تبخر الحماس في نفوس أعضاء فصائل النجادة، بدأ الشباب يتخلون علن هذا التنظيم، واغلقت الكثير من مقراته، ولم تبدأ سنة الحسم 1947 الا وكانت وحدات هذين التنظيمين قد تفرقت، وأغلقت جميع مقراتها، بما فيها مقرها الرئيسي في مدينة يافا الفلسطينية، وأثناء المواجهات العسكرية بين العرب واليهود خلال عام 1948، لم تساهم عناصر التنظيمين المذكورين في القتال، الا بصورة فردية في بعض القرى والمدن.
لم يتعظ المفتي وكل الذين حوله، كما هو الأمر اليوم بالنسبة للرؤساء والملوك العرب من أحداث وتاريخ الامبراطوريات العربية، التي تهدمت حصونها، ووهنت قواها، وهزمت جيوشها، وتجزأت اقاليمها، من دولة الراشدين الى الامبراطورية الأموية وتلتها الامبراطورية العباسية، ومن بعدها الوجود العربي في الاندلس في مقدمة الاسباب التي وقفت وراء ما حل بهذه الامبراطوريات هو الصراع على السلطة.
كان للقيادة الفلسطينية أيضًا دور هام بإفشال مهمة أول جيش تقيمه الجامعة العربية، ميزة هذا الجيش ان جنوده لم يكونوا من قطر عربي واحد، بل كانوا من جميع الأقطار العربية تقريبًا، وقد عرف هذا الجيش باسم "جيش الانقاذ" فقد قررت جامعة الدول العربية اقامته مباشرة بعد صدور قرار التقسيم عام 1947، وقد كلف بحماية المدن والقرى الفلسطينية ومقاتلة العدو، ريثما تدخل الجيوش العربية الى فلسطين بعد انسحاب بريطانيا وانهاء انتدابها الذي امتد من  عام 1918- 1948.
مرة أخرى حشر المفتي نفسه، ورفض التعاون مع هذا الجيش، لأنه اراد ان يتولى قيادته، وقد تعاملت قيادة هذا الجيش الذي كان مقرها في مدينة دمشق مع المفتي بالمثل ورفضت التعاون مع المفتي.
اصيب هذا الجيش بالمرض وهو لا زال في المهد، فقد اثيرت شكوك كثيرة حول قيادته، أمثال فوزي القاوقجي وطه الهاشمي وغيرهم. والدليل على فشله في الادارة والتنظيم، انه رفض التعاون مع قوات الجهاد المقدس التي قادها عبد القادر الحسيني، ومولها المفتي، كما أنه لم يحسن استعمال الاسلحة التي حصل عليها من الدول العربية، وهناك من اتهم بعض ضباطه ببيع قسم من هذه الاسلحة، والدليل على فشله وتواطؤ قيادته انه لم ينجح في منع سقوط قرية الشجرة وقرية المجيدل، ولم يتمكن من الدفاع عن مدينة الناصرة.
هناك من شبه جيش الانقاذ بالجيش الذي اعده القائد صلاح الدين، لتطهير البلاد من احتلال الفرنجة، لأن جيش صلاح الدين كان مؤلفًا من كافة الأقطار العربية في ذلك الحين، مصر العراق، الشام الجزيرة العربية المغرب. هذا كان حال جيش الانقاذ، فهو أول جيش عربي تمت اقامته من غالبية الأقطار العربية، الذين عبروا عن استعدادهم للقتال في فلسطين. لكن شتان ما بين قيادة جيش صلاح الدين وقيادة جيش الإنقاذ والقوى التي وقف وراءه.
ويذكر عارف العارف في موسوعته "نكبة فلسطين" بأن المفتي وضع الكثير من العراقيل لافشال مهمة هذا الجيش، الذي وصل عدد المتطوعين العرب داخل صفوفه حوالي أربعة آلاف متطوع، اضافة الى حوالي 1500 متطوع فلسطيني، لقد كان مصير هذا الجيش في النهاية مثل مصير فصائل النجادة والفتوة. حيث ساهم في اكمال فصول النكبة، مثله مثل باقي الجيوش التي ارسلتها جامعة الدول العربية، لتسليم أكبر مساحة من فلسطين بدلًا من الدفاع عنها.
(يتبع)

10/06/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع