آراء المفكّرين في نشأة المعتزلة، تّسميتهم ومواقفهم (1-2)


إلياس خليل نصر الله


العقل والمنطق
يُشير "حسين مروة" في كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية،" بأن المعتزلة "حرَفوا الألفاظ ذات المدلول المادي عن معانيها اللغوية المباشرة (بتأثير فكر أرسطو)، الى معانٍ مجازيّة وإلى دلالات رمزية، فالسند هو القدرة، والاستواء على العرش هو السمو والمهابة، والأعين هي الرعاية والارادة". لذا كانت المعتزلة عُصارة التلاقح المنطلِق من إعمال وتوظيف العقل والمنطق لمواجهة جبروت السلطة وتحدّيات العصر. فنجدها تعارض تعصب الأمويّين للعنصر العربي، وتطالب باستبدال التوجّه العرقي بالتوجّه العقلاني، أي أنّهم أسسوا فكرا عقلانيا يرفض التمييز العرقي



الحرية والاختيار
سُمي المعتزلة بأهل العدل والتوحيد. ينطلق ويرتكز هذا المبدأ على أنّ الإنسان هو الذي يحدّد أفعاله، خيرها وشرها، والقوة الإلهية مُنزهة عن أفعال الشرّ، (أعمال الله كلّها حسنة، وهو لا يفعل إلّا الخير). يفرض محمد عمارة أنّ فكرتهم في العدل "ترتبط بتوفّر مبدئي الحرية والاختيار لكل انسان، أي إثبات القدرة والاستطاعة لدى الإنسان، ونسب أفعاله إليه. ويفرض الجاحظ "إذا ذهب التخيير، ذهب التمييز، وَلَن يكون للعالم تثبُت، توقف وتعلم" (كتاب الحيوان، ج 1، ص، 68). إنّ الإرادة  في تعريفهم تتمتّع بحرية التنفيذ ولا تقوم بتقييدها إرادة سابقة، أي لا يقيّدها قدر سابق أو خرافة.



يختلف العلماء والمؤرخون في وقت ظهور المعتزلة وتسميتهم. فالبعض يرى بدايتهم أيام الخليفة علي بن أبي طالب، حيث اعتزل بعض الصحابة السياسة وانصرفوا الى العقائد والعبادة. فيذكر الملطي لزومهم بيوتهم بعد تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، ولزومهم العلم والعبادة. ويؤيّد ذلك أحمد أمين، بأنّ مبدأهم كان أول أمرهم التفرغ للعبادة، إلّا أنّهم خلال مسيرة تطوّرهم انغمسوا في السياسة. أما القاضي عبد الجبار المعتزلي فيكتب "إنّ كل ما ورد في القرآن من لفظ الاعتزال كان المراد بِه الاعتزال عن الباطل". ويقول الشهرستاني: "إنّ تسمية المعتزلة أطلقها الحسن البصري على واصل لتقريره أنّ مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا بكافر مطلق، فاعتزل مجلسه، ليقول فيه الحسن: "اعتزلنا واصل"، فسمّي هو وأصحابه المعتزلة (الشهرستاني، الملل والنحل ج1 ص 64). أما البغدادي فيُرجِع هذه التسمية لرفض النظام اتهام الأزارقة (فرقة من الخوارج) بالفسق بعد ثورتهم في بغداد. ولأنّهم اعتزلوا إجماع الأمة (الفرق بين الفرق، ص 78). أما ابن قتيبة، فيفرض أنّ إيمان النظام بمذهب القدرية ("مؤسسه معبد الجهني" قتله الخليفة عبد الملك بن مروان لقوله: ان الانسان حر، وهو الذي يخلق افعاله بنفسه)، حمله لاعتزال مجلس الحسن، ولذلك سُميت جماعته المعتزلة (عيون الأخبار، ص، 243).
أما أحمد أمين، في كتابه "فجر الاسلام" فيقول: "ولنا فرض آخر في تسميتهم، لفتنا إليه ما قرأناه في "خطط المقريزي"، أنّه كانت فرقة يهودية منتشرة في ذلك العصر، اسمها "الفروشيم" ومعناها اعتزل، وكانت هذه الفرقة تتكلم في القدر (ليس كل الأفعال خلقها الله)، فلا أستبعد أنّ قوما من اليهود قد أسلم، واعتنق مذهبهم وسموه "معتزلة"، لأنّ "الفروشيم" و"المعتزلة"، فسّروا الدين بمقتضى المنطق (منقول من ضحى الإسلام عن المقريزي). ويؤيد ايضا المستشرق "ألفونس نليلنو "أنّهم أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية لوقوفهم موقف الحياد في المنازعات التي جرت في حينه بين المسلمين / الفتنة الكبرى (التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، ص، 175-184). ويضيف المرتضى المعتزلي أنّهم هم من أطلق التسمية على أنفسهم لاعتقادهم بالأقوال المحدثة والمبتدعة (المنبه والامل ص 4).
يستدل مما تقدّم، تضارب التفسيرات بشكل خاص لتسميتهم المعتزلة، إلّا أنّ التفسير الرائج، هو اعتزالهم مجلس الحسن البصري، والقول بالمنزلة بين المنزلتين، أي عزل مرتكب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين.


الظروف التاريخية والمناخ الفكري والسياسي لظهورهم


هناك سبب سياسي ينحاز له الكثير من الباحثين في تاريخ الفكر، لظهورهم، وهو توسّع الإسلام ودخول شعوب كثيرة فيه، وقد دخلت معها ثقافات مختلفة، وكذلك توسّع حركة ترجمة الفلسفة اليونانية بشكل خاص، مما نجم عنه عدم كفاية المنهج التقليدي النقلي ليفي بحاجات الفكر والجدل الديني، مما أقنع المعتزلة أنّه من الضروري تطبيق المنهج الطبيعي العقلي في كافة النواحي الحياتية. كما اتّسمت مرحلتهم بصراع العناصر غير العربية مع العنصر العربي الأرستقراطي. واتسعت فيها الحركة الشعوبية التي رفضت التمييز ضدها على أساس عرقيّ ونفي المساواة بين المسلمين. وشكّل استخدام العقل كأحد الأسلحة التي استخدمتها القوى غير العربية لتقوم بإبراز تفرّدها عن طريق المعرفة. وهكذا مثّل الإعلاء من شأن العقل كإحدى وسائل الدفاع الأساسية عن الإسلام في فكر المعتزلة. وشكلت المعتزلة المعارَضَة لأفكار حركتي الجبرية والمرجئة، المدافعتين عن استمرارية الحكم الأموي الذي رفع من شأن الأرستقراطية العربية وهمّش بقية الأعراق حتى ولو كانت مسلمة. فرفضت المعتزلة "الجبرية" التي أكّدت أيديولوجيتها حتميّة بقاء الحكم الأموي وأنّه مُقرر من عند الله، ومن يعارضه فهو كافر. أمّا "المُرجئة" فدعت الى ضرورة تأجيل بحث أخطاء السلطة الأموية إلى يوم القيامة، وحكمت على مرتكب الكبيرة بالإيمان.
اعتمد الأمويّون النصّ الدينيّ مصدرا ينتقون منه الآيات التي تبرر شرعية ممارساتهم وانحرافاتهم عن جوهر الدين. بينما المعتزلة كما يُشير "حسين مروة" في كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية،" بأنهم "حرّفوا الألفاظ ذات المدلول المادي عن معانيها اللغوية المباشرة (بتأثير فكر أرسطو)، الى معانٍ مجازيّة وإلى دلالات رمزية، فالسند هو القدرة، والاستواء على العرش هو السمو والمهابة، والأعين هي الرعاية والارادة". لذا كانت المعتزلة عُصارة التلاقح المنطلِق من إعمال وتوظيف العقل والمنطق لمواجهة جبروت السلطة وتحدّيات العصر. فنجدها تعارض تعصب الأمويّين للعنصر العربي، وتطالب باستبدال التوجّه العرقي بالتوجّه العقلاني، أي أنّهم أسسوا فكرا عقلانيا يرفض التمييز العرقي، ويؤكّد ذلك الجاحظ بقوله "إن الأصول العرقية لا يصحّ لها أن تكون عقبة في سبيل وحدة قوم يجمعهم اللغة والدين والهويّة والعادات والأخلاق". ويضيف: "إنّ محبة الوطن شيء شامل لجميع الناس وغالب على جميع الجيرة” (رسائل الجاحظ ص،29-31، وص،63). والمعتزلة، في بدايتها امتنع "واصل" عن الحسم في قضية مرتكب الكبيرة واختار التسوية (منزلة بين المنزلتين)، لتعرّضه لتهديدات السلطة الأموية، إلّا أنّه رغم موقفه هذا، ساهم في الثورة العباسية ضد الأمويّين. فنجد "نيربرغ"، يذكر في "دائرة المعارف الاسلامية"، أنّه خلال الفترة الأخيرة للدولة الأموية، واصلت مجموعات من المعتزلة بنشاط فعال في خدمة القضية العباسية" (ص 164).


* المعتزلة والفكر اليوناني


تذكر المصادر أنّ "مدرسة واصل" عاصرت حركة الترجمة التي وصلت أوجها في عهد المأمون (وساهم السريان في ترجمتها). ويذكر "دي لاسي أوليري" في كتابه "الفكر العربي ومركزه في التاريخ"، "إنّ جيل المعتزلة هو جيل أولئك الذين أظهروا معرفة مباشرة بالفلسفة اليونانية مثل ،أبي هذيل العلّاف، حيث بدأت هذه الفلسفة تُدرس بحماس شديد، ويُسلم بها دون تساؤل مما أدى لخلق التأثير التحليلي، المنطقي والقوي في العقائد الاسلامية" (ص، 110). ويضيف أنّ "ابراهيم بن سيار المعتزلي، كان تلميذا متخصّصا في الفلسفة اليونانية، وأنّ بشر بن المعتمر نجح أكثر من سابقيه في تطبيق التفكير الفلسفي على حاجات الإسلام، وأنّ للعلّاف الفضل في تطعيم مبادئ الاعتزال بمبادئ الفلسفة" (أوليري، ص، 100، 101، 110).
ويضيف جولدتسهير: "إنّ اتصال المعتزلة بالفلسفة اليونانية هو الذي مكّنها من بلورة مبادئها (العقيدة والشريعة في الاسلام ص 62). ويضيف الشهرستاني: "إنّ النظّام قد طالع الكثير من كتب الفلسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة" (الملل والنحل ج1، ص،201). وأنهم ، "اعتمدوا الاستدلال لإثبات العقائد لأن كل مسألة كانوا يعرضونها على العقل، لأن المعارف كلّها معقولة بالعقل وواجبة بنظر العقل" (الملل والنحل ج 1، ص، 38). وأضافوا أنّه إذا تعارض النصّ مع العقل، قدموا العقل لأنّه أصل النص، لأنّه لا يتقدّم الفرع على الأصل". لذا يجب معرفة الحُسن والقُبح فقط بالعقل. ومن الجدير ذكره بأنّها نقلت من الفلسفة المضمون والأسلوب والمقولات التي وسّعت ورسّخت مفاهيمها في العدالة والحريّة. ولذا يطرح ادونيس أنّها "هدفت خلق وتثبيت فهم جديد للموروث الثقافي، ومنهج جديد في البحث والمعرفة المرتكز على العقل والتحليل لخدمة قضايا الفكر في عصرها" (أدونيس، الثابت والمتحول، ج١ ،ص، 139).


* نظريتهم في المعرفة


ترتكز نظريتهم في هذا المجال على اعتبار العقل كوسيلة للمعرفة. أي أنّ المعارف عندهم "كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل" (الشهرستاني، الملل والنحل ص، 50). وتفسير ذلك أنّ العقل هو الذي يقتضي الفعل، ويتوصل الى ما في الأشياء من صلات أو فساد بطبيعته الذاتية ،ولا سلطان لغيره عليه. وتبدأ المعرفة العقلية في فلسفتهم بالشكّ. برأي الجبائي المعتزلي، "الشكّ قبل النظر، لأنّه لا نظر في غير سابقة شك" (اسماعيل المهداوي، الفكر الاسلامي بين العقل والخرافة، مجلة الكاتب المصرية ، سنة ١٩٦٧،ص، 104). لذل يفرض جولدتسهير، "نحن لا نستطيع إنكار أهمية نشاطهم وإبداعهم وخاصة توظيف العقل في قضايا ومعضلات الإيمان في أبحاث الدين والثقافة. فكان لنشاطهم الفكري دور حاسم في توفير أجواء حرية التفكير والعقلانية، وأثر فكرهم على معارضيهم". ويضيف أنّهم قالوا: "إنّ خمسين شكّا خير من يقين واحد" (المصدر السابق. ص، 102). ويبرز النظام دور الشكّ في المعرفة بأنّ "الشاكّ أقرب إليك من الجاحد، ولَم يكن يقينا حتى صار فيه شكّ، ولَم ينتقل أحد من اعتقاد الى اعتقاد آخر بدون أن يكون بينهما حالة شك" (الجاحظ، كتاب الحيوان، ج 6، ص، 35-٣٦). ويؤكد إبراهيم النظام، "أنّ خمسين شكّا خير من يقين واحد" (كتاب الحيوان، ج 3، ص، 60). إذًا تكون المعتزلة في موضوع الشكّ -برأي احمد امين - سباقة لاوروبا ، إذ كان منهجهم في البحث أشبه ما يكون بمنهج من يسميهم الفرنجية العقليين، عمادهم الشك اولا، والتجربة ثانيا والحكم اخيرا. والتعرف عندهم على الحقيقة لا يقتصر فقط على الشكّ، إنّما يحتاج الى التجربة، أي الممارسة والفعل، وبذلك رفضوا أن تكون الرواية والنقل هما الطريق الى المعرفة، إنّما الفعل هو طريقها. ونجد الجاحظ يتطرق بل يحدد موقفه من ذلك بقوله: "لم أعِب الرواية إنّما عِبت الإيمان بها وتوكيد معانيها". (كتاب الحيوان، ج 1، ص، 85).
عارضت المعتزلة التعلّم بحشو المعلومات، لأنّ البحث والتحليل المنطقي، والنظر في الأدلّة، يسبق، بل يفوق الِعلم بها. فنجد النظّام يفرض "أن الكتب لا تُحيي الموتى  ولا تحوّل الأحمق عاقلا، ولا البليد ذكيّا ولكنّ الطبيعة إذا كان فيها أدنى قبول، فالكتب تشحذ وتفتق وترهف وتشفّي" (كتاب الحيوان، ج 5، ص، 10)، اي عندها ستقوم الكتب بشحذ الفكر وتفجير المواهب". ويحدّد النظّام دور الِعلم في المعرفة بقوله: "العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك، فإذا أعطيته كلّك كانت من عطائه لك البعض" (إبراهيم أبو ريدة، إبراهيم النظّام وآراؤه الكلامية والفلسفية، ص، 73). وعليه يفترض القاضي عبد الجبار المعتزلي أنّ "العلم لا يحتاج إلّا لصحة العقل، ويصعب على البليد استحضار العلوم، ولا أقول، يستحيل عليه فهمها، لأنّه إذا استعمل طريق العقل واجتهد، يمكنه اكتساب المعرفة". وهذا التوجّه لا ينفيه علم النفس الحديث. كما آمنت  بقدرات كل انسان على استيعاب المعارف ،بفرضها، أنّ الفرق بين العامة والعلماء لا يعود الى قصور أو نقص في القدرات العقلية للعامة أنّما للظروف التي حرمت العامة من فرص المران والتعلّم. يحمل توجههم هذا دعوة صريحة لديمقراطية التعليم وتحقيق المساواة الحقيقية.
المعتزلة هم واضعو أسس علم الجدل والمناظرة في الفكر الإسلامي كنهج للتوصل الى الحقيقة. وهذا دفع لتسميتهم "فلاسفة الجدل في المساجد". فنجد صاحب "الانتصار"، أبو الحسين الخياط، يعرّفهم "إنّهم أرباب النظر، دون جميع الناس وأنّ علم الكلام لهم" (ص، 72). ولخّص الراغب الأصفهاني أسلوبهم في إدارة النقاش والحوار بهذه الحادثة. "اجتمع متكلمان فقال المعتزلي لنظيره بشرط ألّا تغضب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تُقبل على غيري وأنا أكلمك" (منقول عن أوليري، ن. م. – ص، 115). وأضافوا لهذه الشروط أنّ المذاهب لا إجبار فيها، من شاء اختار منها ما شاء، سرّ ذلك صاحبه أم ساء (رسائل الصاحب بن عبَّاد، منقول من كتاب محمد عمارة، المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية، ص، 184). إلّا أنّ فئات منهم عند مشاركتها في السلطة تنكرت لذلك. إذًا يستدلّ مما ذُكر أنّ المعتزلة قالت: إنّ الوصول الى المعرفة يكون بواسطة العقل، الشك، التجربة، التحليل والاستدلال والنقاش الحرّ. والعقل في منظور فكرهم هو الذي يحلّل يقبل ويدحض ويختار ما هو منطقي وضروري لمصلحة الإنسان، لذا هو المصدر لتحررنا من العقائد الجامدة. لذا قام أحمد أمين بتوصيفهم أنهم "أطلقوا للعقل العنان في بحث جميع القضايا، فجعلوا للعقل الحقّ في بحث ما في السماء والأرض وفي الله والإنسان" (ضحى الإسلام، ج 3، ص، 68-69).
توصّل علماء المعتزلة بتحليلاتهم الى نتائج مهمة ورائدة في مضمار العلوم. فالنظّام أثبت عدم فناء المادة، وعرَّف عملية الخلق بأنّها حلول وجود محل وجود آخر، والطفرة برأيه هي "بأنّ الجسم الواحد يكون في مكان، ثم يعبر الى المكان الثالث، من غير أن يمرّ في الثاني". كما برهن "أنّ الأجسام جميعها متحرّكة، وهي تتحرّك في الوقت الذي تُحسب فيه ساكنة، أي أنّ الأجسام غير باقية، مُتجدّدة مع أنّ الحسّ يحكم بخلاف ذلك" (حسين مروة، ن. م.، ص، 801). أمّا "الأعراض في فكره، كلّها جنس واحد وكلها حركات" (البغدادي، الفرق بين الفرق، ص، 126). وأثبت "أنّنا نشمّ رائحة الورد الجميلة، بِنَاء على ذرات انبعثت من الوردة فلامست خيشومنا، وأنّنا نتذوّق الأشياء بناء على ذوبان ذرات تلامس غدة الذوق، وإذا لم تتحلّل الذرات فلا نُدرِك لها طعما". لذا وصفه المستشرق هورتن "بأنه أعظم مفكري زمانه تأثيرا، وهو في الوقت نفسه أول من مثّل الأفكار اليونانية تمثيلا واضحا"، وايضا مذهبي "التجدد" (هيراقليطوس) و"الطفرة" (عبد الهادي ابو ريدة، إبراهيم النظام، ص، 115). أمّا معمر بن عُبَّاد المعتزلي فقد قال بوحدة الوجود، واعتبر الجاحظ المادّة قديمة أمّا أعراضها فمخلوقة ومتغيرة. 


* موقف المعتزلة من حرية الانسان


الإنسان في فكرهم حرّ في خياراته وقراراته، ولإثبات ذلك استنطقوا النصّ القرآني خير داعم لوجهة نظرهم. واندفعوا لعرض وجهة نظرهم حول حرية الإنسان مستندين إلى النصّ الدينيّ وإلى منهجهم العقلاني. فشدّدوا على حرية الإنسان في تصرفاته وخياراته، وتحمّله المسؤولية المباشرة عن النتائج المترتبة على أفعاله. ويربطون هذه النظرة بمفهوم العدل الإلهي الذي يجازي على الثواب والعقاب. فإذا لم يكن الإنسان حرّا في خياراته فكيف يمكن مجازاته في هذه الحالة على أمور مفروضة عليه. وذهبوا إلى عدم تدخل الله في شؤون الإنسان بشكل اعتباطي. وينطلقون في تعريفهم هذا للحرية انطلاقا من كون عقل الإنسان هو المرشد للإنسان في أفعاله، خيرا كانت أم شرا. ويعتبر المعتزلة أنّ خيار الإنسان وفعله يصعب أن تتحقق من دون امتلاكه القدرة، المُستمدة من الحرية والعدل الإلهي حيث ينصّان على مسؤولية كل إنسان عن أفعاله. ويؤكّد الجاحظ، أحد أعلام المعتزلة، على تميّز الأنسان عن غيره من الكائنات الحيوانية بقدرته واستطاعته على الفعل والاختيار، وترتّب القدرة والاستطاعة على وجود العقل" (جُوبهت بردود عنيفة من قبل "الجبرية" لأن أفعال الإنسان عندهم تقرّرها المشيئة الإلهية).


* مبادئ المعتزلة


تتفق الدراسات على خمسة أصول أجمعت عليها المعتزلة، وشكّلت مفتاح سجالاتها الفكرية والسياسية مع معارضيها. وهذه الأصول هي: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وانطلقت جميعها من منظومة فلسفية توظّف النصوص الدينية لتبرير شرعية صراعها مع خصومها. ولقد كان أحد الأصول يحتلّ الاولوية والأهمية حسب دوره في حسم السجالات السياسية والفقهية الدائرة مع خصومها. أمّا وظيفة هذه الأصول، فكانت مساعدة الفرد على التمييز بين الحقّ وانعدامه في العالم.
التوحيد:   أكّدوا أولوية التوحيد بقولهم إنّ الله قائم بذاته ولا توجد له صفات زائدة عن ذاته، ولا يتدخل في أفعال الناس. وتأثير أرسطو واضح هنا، "حيث فرض أنّ الباري عِلْم كلّه، حياة كلّه، بصر كلّه".
العدل:  سُميت المعتزلة بأهل العدل والتوحيد. ينطلق ويرتكز هذا المبدأ على أنّ الإنسان هو الذي يحدّد أفعاله، خيرها وشرها، والقوة الإلهية مُنزهة عن أفعال الشرّ، (أعمال الله كلّها حسنة، وهو لا يفعل إلّا الخير). يفرض محمد عمارة أنّ فكرتهم في العدل "ترتبط بتوفّر مبدئي الحرية والاختيار لكل انسان، أي إثبات القدرة والاستطاعة لدى الإنسان، ونسب أفعاله إليه (المعتزلة ومشكلة الحرية الانسانية، ص، 35). ويفرض الجاحظ "إذا ذهب التخيير، ذهب التمييز، وَلَن يكون للعالم تثبُت، توقف وتعلم" (كتاب الحيوان، ج 1، ص، 68). إنّ الإرادة  في تعريفهم تتمتّع بحرية التنفيذ ولا تقوم بتقييدها إرادة سابقة، أي لا يقيّدها قدر سابق أو خرافة. وأكدت بهذا الطرح، استقلالية الإرادة الإنسانية، لأنّه من المستحيل اجتماع مؤثرين معا على مؤثر واحد. ونجد النظّام يعرف القدرة "بأنّها القدرة على الفعل قبل حدوث الفعل" (سامي النشار، الفكر الفلسفي في الاسلام، ج 1، ص، 603). وبرأي بشر بن المعتمر المعتزلي "إن كل ما تولّد من فعلنا مخلوق لنا (ضحى الاسلام ج 3، ص، 59). وتفسير ذلك أنّ الإنسان هو الذي يفعل كل شيء ويتحمل مسؤوليته. وقامت المعتزلة بتحديد طبيعة الفعل الإنساني "كلّها من جنس واحد، وكلّها حركة" (سامي النشار، المصدر ذاته، ص، 601). وبرأيها "إنّ كل شيء ليس بحركة ليس من صُنع الانسان" (ضحى الإسلام ج 3، ص، 59). إلّا أنّهم لم ينفوا ارتباط حرية العمل بالظروف الملموسة والعينية. والفعل الإنساني، برأيهم هو فعل لغاية، "لأن الحكيم لا يفعل فعلا إلّا لحِكمة وغرض، والفعل من غير غرض سُفه وعبث" (ضحى الاسلام. ص، 47). ويضيف سامي النشار أنّهم قالوا: "إن حياة الكائن الحيّ تتجه نحو غاية، وهذه ستتحقق مهما اجتمعت عقبات دونها" (ن٠م، ص، 506). وربطوا تصوّراتهم للعدل بدرجة خدمته المصلحة العامة، بقولهم "ما يقتضيه العقل من المنفعة والمضرّة لمصلحة الآخرين" (محمد عمارة، ن. م. ص141). وقالوا أيضا إنّ الإنسان يختار أفعاله ويحدّد رزقه بجدّه وعمله، وهذه دعوة لتحرير الفرد من الكسل والاتكالية، (إلّا أنّهم لم ينفوا ارتباط ذلك بالظروف المتاحة للعمل والامكانيات).
لقد قادتهم فلسفتهم في مضمار العدل والحريّة للتمييز بين القتل والموت الطبيعي. فالقتل برأيهم هو اعتداء ظالم اقترفه القاتل ضد أخيه الإنسان وأضافوا أنّه لو لم يُقتل، لجاز أن يعيش الى وقت آخر. ويُثمّن محمد عمارة موقفهم هذا بأنّه "قمّة الجرأة في مناقشة وحسم قضية الآجال، وتقريرهم أنّ من أنهى أجل القتيل هو القاتل نفسه، ويكونون بذلك قد أجازوا للإنسان إمكانية السعي لتحقيق التقدّم الصحي والمعيشي، بزيادة متوسط عمر الإنسان بخفض نسبة الوفيات، لاعتقادهم بإمكانية التأثير الإنساني لتحديد مدى الآجال وأوقاتها (محمد عمارة، ن.م، ص115). ومن الجدير ذكره ربطهم المتبادل بين الحرية والعقل "لأنّه برأيهم لا عقل بدون حرية ولا حرية بدون عقل" (أدونيس، ن. م.، ص 115). وبرأيي هذا طرح موضوعي لأنّ العقل يلعب دورا فعّالا في فهم الواقع، بينما الحرية تسعى لتغييره أو أعادة تشكيله حسب متطلّبات العقل ليقوم بخلق وعي جديد يتناسب مع الواقع الجديد.  (يتبع)

10/06/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع