قصة
الممرِّضة ديمة


محمد نفاع


الارض البعيدة
هذا الغمر اليانع من خير الأرض، يتفرّد مع عَبق الشَّعر الفالِت المرتعش. تعرفي على قمح العصافير، ونحن نحب العصافير. وفي مرّات قادمة سنلتقي عند جرانة العصافير فوق ميرون، وعين الوَرقا والحميمة عند غباطة، وتحت التينة الغزالية في الارض البعيدة، وأكواز نقدة العصفور.


//"كل الأعمار تذعن للغرام"
و"رفض رغبات النّفْس هو رفض للحياة"
الاديب رحْمات فيضي من كتاب "صاحب الجلالة الانسان"//



لا يمكن ان اكون ممرضا، حتى لو فُرض علي، ارفض من جملة ما رفضت، مع اختلاف الاسباب. باستطاعتي ان اكون مريضا. لستُ أهلا لهذه المهنة الشريفة، التمريض مهنة انسانية إلى أقصى حد، كذلك الطب بكل اقسامه، طب عام، عيون، اعصاب، سرطان، قلب، مفاصل، عظام، مسالك، اطفال، نساء...
تولستوي حقد على الاطباء بقسوة، شتمهم شتما مدويا في روايته "سوناتا كرويتسر" – والتي سرقوها من عندي قبل سنوات -، كل ذلك لأنهم حافظوا على شباب وصحة زوجته، ونصحوها بعدم إرضاع ابنائها، فاكتنزت صحة وجمالا وخانته مع العازف الفرنسي فذبحها. مضروب المثل بالفرنسيات والفرنسيين في امور لا ترفع الرأس، لا اقصد فولتير وروسو وموباسان وهيغو وسارتر وعارهم في الجزائر، وصديقته سيمون دي بوفوار وكثيرين غيرهم.
كنت أقوم بدور المريض ليس على خشبة المسرح، بل على سرير الواقع في المشفى.
لفتت انتباهي الممرضة ديمة، حلوة هذه الاسماء، ديمة مُزنة، سائرة، وهي من اسماء السحاب السابح بين الارض والسماء، فهتفت في وجهها:
ديمةٌ سمحةُ القيادِ سَكوبُ
                            مستغيث بها الثرى المكروبُ
وليس فقط الثرى. طاقية بيضاء، تتفلت من تحتها ضُمم من شعر اسود تتراقص على الاكتاف وجوانب العنق، ووجه ابيض مورّد وخدود أسيلة، وبسمة رتعت على ثغرها الحلو العَبِق. لا يمكن ان يكون غير عبق وشذي. لا استطيع ان اكون ممرضا، في هذه المهنة الراقية الكثير من القذارة والقرف والنفور، بحسب ذوقي الفاسد المنحط المريض. تنتقل كالنحلة من مريض إلى آخر، وأين المرضى الكالحون المصفرّون الذابلون من الزهرات اليانعة الفواحة الندية في الشفق الربيعي!! فحص السكري والدم محمول وغير منفِّر، بالإمكان التسامح معه، مع ان نغز الابرة في لبلوبة الاصبع ليس نعمة، كذلك قياس الضغط واللفافة المشدودة على العضُد، وحتى ميزان الحرارة تحت اللسان، كلها معقولة، وأنا اتشاغل بالتطلع إلى يديها الناعمتين ووجهها وفسحة وافرة من صدرها في لقائه مع العنق الدسم النقي. لكن ماذا مع الاعمال والواجبات الأخرى!! إطعام مريض لا يستطيع القيام بأود نفسه، وإذا فعل يلغمط يديه وفمه ووجهه وأنفه، المنظر منفِّر برأيي الحقير. يستحيل ان أقوم بذلك.
- أنا سأحمّمك!! قالت بصوت طري وكأن الأمر مفروغ منه.
- لا لا أعوذ بالله.
أن أتعرى تماما، اقول تماما وكليا وهي معي.
- لا يمكن. استطيع لوحدي.
- ممنوع، لا تخجل، هذا دوري، انا مسؤولة عنك في نوبتي.
- قلت لك أرفض، مستحيل.
عورة الرجل من صدره إلى زِرّه، هذا القول غير متقن، إلى زرِّه!! يجب الزحف اكثر إلى أسفل.
وعورة المرأة من منخارها لتحت زنارها. والأدق من ثغرها إلى كعب إجِرها، لأن بين الجانبين وطرفي المعادلة، تُترك مسافة مع مواقع رهيبة، وبقاع في غاية ومنتهى الـ... ألا تعرفين من أين أتيت!! مع سيل عَرِم من المحرّمات والممنوعات، غيّري الموضوع وخيطي بغير هذه المسلّة. يكفي النبض والضغط والدم.
تحمّمني عاريا!! إلى أين وصلنا. تصوري، فقط تصوري هذا الأمر المُنكر وأبعاده.
- وماذا مع فحص البول وخلافه!!
- أرفض رفضا قاطعا بإباء وشَمَم.
جاء الطبيب الرائع القدير البشوش بصوته المشرّب بغضب محاولا إقناعي.
- لا تتعب نفسك يا سعادة الطبيب، أنا أرفض، حتى لو جاء ابن سينا. وعلى مسؤوليتي وأوقّع على ذلك.
ماذا لو كانت ديمة زوجتي وهي غاطسة في هذه الأعمال الشهمة والقذرة!!
- على الأقل أترك باب الحمام مفتوحا.
- لا تحلمي بذلك.
- وإن أصابتك النوبة ووقعت والدوار في رأسك!!
- أفضل من البديل الذي تطلبينه.
- ماذا أقول لك!!
- قول يا طير مَحلا قولك، قولي ما يعنّ على بالِك.
انتقلتْ مثقلة غاضبة إلى شيخ ممدد بارتياح على السرير، شيخ بكل معنى الكلمة، يبدو سعيدا.
هو نفسه الذي ملأ الدنيا وعظا وتوصيات ضد تعليم البنات وسياقة السيارات، وهو الضليع بوضع حدود العورات، حدود تزحف على الدوام كحدود دولتنا، في هذا العالم المريض، وحرّم الرحلات والنوم في الفنادق وشراء الموز والكوسا والخيار من قِبلِهن، وكل ما يمتّ إلى ذلك الشيء بصلة، حفاظا على الشرف.
هو يُبحلق فيها بكل ما أوتي من جهد وجشع، بعينين مسعورتين، في الوعظ كانت نظراته تنقط ورعا وتُقى، وهلعا من عذاب الآخرة، وقيام الساعة قريب ونيّال فاعل الخير.
- في الوجه مراية وفي القَفا مُذراية. اما واحد فاعِل تارِك...
- كيف تقبل ذلك وأنتَ انت!!
- للضرورة أحكام، الله يعاملنا بالسماح.
هل هذه الكلمات الجافة القليلة العليلة تكفي للرد على كل ما دلقته من وعظ ومحرمات وعورات في كل مناسبة.
انا معقّد كما يبدو. أقرف من العَنزة وهي تلحس ولدها، تفو!! والبقرة والغنمة.
الأمومة في قمة القِيَم. أشرف مني بما لا يقاس وأية مقارنة هذه!! أتطاول على القطوف الحلوة.
ذلك المريض يمضغ الطعام بلقمصة وصوت مقرف، أبعد ما يكون عن آداب المائدة.
ديمة لا تأنف من أي شيء. تحنو على المرضى حنوّ المرضعات على الفَطيم، هي في السماء السابعة، لكن برأي الشيخ مأواها جهنم والنار، فهي ليست متدينة وتنكشف على الرجال وينكشفون عليها.
ها هي تقف قرب باب الحمام المقفل، انا اقفلته وعن سبق إصرار، وأتضايق.
بعدها تسللتُ من الغرفة إلى الساحة الرحبة الغرِقة، الريح تصفق الشجر، وتسوطُ الغيم، والرذاذ يتطاير ويرشق الوجه بعزم. غيوم تحبو وتركض فوق الطيرة وعتليت وبلدات الكرمل، عين حوض وام الزينات،
- أين كنت!! انا مناوبة ومسؤولة عنك.
- أتعاطى عشبة الشيطان!!
- وتدخن!! وفي هذا الوضع!!
إسمعي، قبيل الفجر في البيت، افتح النافذة، أتلقى هبات الريح الرطبة، ويحط نظري على جبال الشمال والغرب وتلتين بعيدتين من جبل عامِل تبلجان كالفجر، أرشف عددا من فناجين القهوة مع لفافات دخان من معليا وترشيحا.
- وهذه هي النتيجة.
بَصري لغاية الآن سليم، قد يكون بسبب هذه الرياضة البصرية إلى جبل عامل، او الزيت والزعتر. في الربيع انهض قبل العصافير، وأستمع إلى اول عصفور يغني على السنديانة المعَبعْبِه، يقوم بدور المسحّراتي، فتنطلق جموع العصافير على ثمرات التوت والجَرَنْك..
- ماذا تقرأ.
- قصائد لبوشكين، عن رسلان ولودميلا.
- رسلان!!
- أيوه!! وقصائد للعُمَرَين، الخيام وأبو الخطاب، لا أقصد ابن الخطاب ودُرّته وعدْله، هو في مكان آخر.
- اسم حلو لودميلا.
- خذي هذه الكتب معك.
يبدو انني تنهدت بعمق وهي تقيس الضغط.
- مالَك اين تبحلق!!
- الله هو العليم ان الشريان الرئيسي انفتح تماما بدون عملية القسطرة، ضحكت ضحكة جانبية جافة، قِلّتها احسن منها.
- رغرغت عيوني وانا اقرأ هذه الكتب.
قالت بعد يومين.
- منعوا قصائد عمر الخيّام.
- مَنْ!!
- امثال هذا الشيخ المجلق.
هنالك على الدروب المجهولة
  آثار بهائم لا اسماء لها
ابن حرام بوشكين.
- تعرّفي على طاهر وزهرة من بلاد الطاجيك والأذْر والأوزبك، مثل قيس وليلى عندنا.
- ضروري.
- أدعوكِ على كأس نبيذ أحمر مِز.
هَمَرتْ:
- مع واحد مثلك!!
تجهمتُ، وتحفّز القلب للنطاح، هذا شتم وتحقير.
- أقصد فوضوي.
نُص مصيبة، لا لا لستُ فوضويا من اتباع هذا التيار، والتجلّي بملابس وسخة ممزعة وسلوك ممزّق.
- أسكت!! أي دعوة هذه، وعلى نبيذ أحمر... أعادت الكلمات وكأنها تقرأها بمناجاة.
- وافِقي كُرمى لـ... من شان...
- من شان شو!!
قامتك الهيفاء، والخدود المورّدة الممشوقة، وضمم الشّعر المرتعشة، وثغرك العذب الشذي... وأشياء أخرى.
أدارت ظهرها بنفور
- وشَعرك المجدّل كالحيايا.
- حيايا.
- هكذا نشبه الشعر الاسود المجدّل، بالحيايا السوداء المنسابة بتربص.
لماذا لا تقرأ ادب الناس في وسط آسيا، هناك الناس مثلنا، متأخرون، متعصبون، جاهلون، ولهم حتى نفس الاسماء والامثال، كتب مثل مضيق الثلوج والدماء، وصاحب الجلالة الانسان، وابنة النار، وطلقة في الجبال....
- قلبي نقَزني من الحيايا.
- وأنا مِن...
نلتقي في الوعر، هناك قيسي الضغط وحرارة التنهيدة والنبض، فهذا يناسبني.
في فسحة عفوية فوضوية خلقها الوعر، تحت البطم والسنديان والشبرق كهذه الوجنات، وانا النحل ألثُمه.
- وانا الدبور.
- الجواب قمحة ولاّ شعيرة!! قولي.
- الجواب كرسَنِّه. وضحكتْ بلطف. او شوفان ودخن وجودار، وهي اسماء في الكتب التي اخذتها.
- عُمُر!! وتحفظين الكثير منها.
- نام موعود ولا تنام مبعود، وانا أتحلى بشيء من بُعد النظر والخيال، والكثير من الاحلام والآمال.
- مثلا!!
- موت موعود. وهذا الثغر الشذي، واللقاء على جِسر المجامع بين العنق الغزلاني والصدر الناهض، وعن اهمية قُرب الوِساد. وأي وِساد، غمر من الخافور والنّفَل وقمح العصافير، وغصون من الملعة. والملعة مثلنا ضد التجنيد الاجباري، تعالي أوَشوْشِك كيف تساعد هذه النبتة الأصيلة بغصونها الممشوقة، وزهرها الناصع المُتفلش على الجباب وهي تتعمشق بمحبة ووحدة حال. وهذا سِرّ لم يكشفه الطبيب العسكري، وهذا الورَم على اليدين والرجلين، الملعة تقوم بدور وطني، والسنديان، والحجارة، والتراب، ونحن والناس واليمام.
هذا الغمر اليانع من خير الأرض، يتفرّد مع عَبق الشَّعر الفالِت المرتعش. تعرفي على قمح العصافير، ونحن نحب العصافير. وفي مرّات قادمة سنلتقي عند جرانة العصافير فوق ميرون، وعين الوَرقا والحميمة عند غباطة، وتحت التينة الغزالية في الارض البعيدة، وأكواز نقدة العصفور.
مع علم التمريض طالعي عن الطاجيك والأذر.. كانوا يصطفون في صفين، مع الهراوات، ويضربون كل من يطالب بفتح مدرسة، ويدقون المسامير في آذان وعيون، المارقين عن طاعة الأمير، هم اليوم عندنا، كلا ليس في غزة وفلسطين، في الشام واليمن لتطويع عصاة ذابحي الهنود الحمر وفلسطين، ومعهم بضاعة محلية.
هنالك على الدروب المجهولة
  آثار بهائم لا اسماء لها
كل الأعمار تذعن للغرام
ورفض رغبات النفس هو رفض للحياة.


10/06/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع