الامراض الارتشاحية - المنتشرة في الرئة – Diffuse Pulmonary Fibrosis


د. خليل اندراوس


(3)




التليف الخلالي الذاتي المنتشر:
يتبدّى فقد نوعية التفاعل المرضي في العديد من الاضطرابات الارتشاحية الرئوية المنتشرة بكثرة الاسباب والمشاركات المعروفة وافضل الامثلة على ذلك، التليف الخلالي المنتشر، فقد شوهدت موجودات مرضية مماثلة لتلك المشاهدة في هذا المرض في حالات سببها الخمج والتعرض المهني، والاشعة وإنشاق الاكسجين، والقصور الدوراني المديد او امراض الغراء (مادة غرَوية يغرّي) وذات الرئة التوسفية (توسُّف، تقشر) الخلالية وقد نصح بتسمية هذه الامراض بذات الرئة الخلالية المتعفية الاعتيادية لأنها تصف بشكل صحيح الصورة التشريحية المرضية المتماثلة فيها جميعا ولأنها تسمية توصيفية لا تشير الى الاسباب والامراض، وقد امكن بيان الاسباب والامراض في نصف الحالات المشاهدة في هذا المرض. اما النصف الآخر من الحالات فوصفت بأنها "ذاتية"، اما المرضى الذين يمكن فيهم وضع تشخيص نوعي فقد وصفت حالتهم بتسميات مختلفة، اكثرها استعمالا في الولايات المتحدة هو "التليف الخلالي الذاتي المنتشر".
قد يبدأ التليف الخلالي الذاتي المنتشر بأذى في الجدار السنخي (سنخ رئوي Pulmonary Alveolus) يؤدي لحدوث نتحة (ترشح) خلالية وسنخية واغشية زجاجية، وتتكون المرحلة التالية من ارتشاح خلوي وتجدد في الظهارة السنخية حول المواد الموجودة في المسافات السنخية، وتظهر خلال هذا الطور تليف مترقّ وتغلق وحدات التبادل الغازي، ويبدو خلل شديد في هندسة المتن (سطح) الرئوي، وقد يتم تطور الاذى حتى التليف خلال اسابيع كما قد يتم تشكل ابطأ خلال بضع سنوات هو التطور الوصفي الخلالي الذاتي المنتشر.
مرض الهموسيدريني الرئوي الغامض Idiopathic Pulmonary – Hemosiderosis
يتظاهر الداء سريريا بنفس المظاهر المذكورة سابقا ويصيب بشكل رئيسي الشابات ولكن لا يصيب الكليتين، وهو مجهول السبب ولم تنضج بعد علاقته باضطراب مناعي، ورغم ذلك فالمعالجة مشابهة لمعالجة متلازمة غورباستر (الذي يتألف من مجموعة من الاعراض والعلامات وتضم نفث الدم، فاقة دموية وارتشاحات رئوية منتشرة مع التهاب كبد وكلية وهذا المرض مجهول السبب يصيب الشبان البيض). ولكن النتائج اقل وضوحا في حالة داء الهموسيدريني الرئوي الغامض ومتوسط الحياة يتراوح بين سنتين الى ثلاث سنوات.
واخيرا النزوف الرئوية مع او بدون اصابة كلوية يمكن ان تتراق بأحد امراض الغراء الوعائية وخاصة الذأب الحمامى المجموعي والتهاب محيط الشريان العَقِد، كما يمكن ان تشاهد في التهاب الاوعية المجموعي وخاصة الورم الحبيبي لواغنر والتهاب الاوعية التحسسي ومتلازمة بهجت.
التليف الرئوي الغامض:
ان عددا كبيرا من المرضى المصابين بداء خلالي منتشر لا يمكن نسبته الى أي من المجموعات التي سبقت الاشارة اليها. هؤلاء المرضى الذين هم عادة في متوسط العمر دون غلبة للجنس يراجعون من اجل اصابتهم بضيق نفس وظلال شعاعية على شكل ارتشاحات خلالية منتشرة. ونادرا ما يتطور هذا الداء سريعا نحو قصور تنفسي، ولكن قد تحصل الوفاة خلال ستة شهور اعتبارا من بدء الاعراض (متلازمة هامان ريش). ولكن عندما يترقى المرض ببطء فتدعى الحالة آنذاك التليف الرئوي الغامض المنشأ او التليف الحويصلي الخفي المنشأ.
التهاب الرئة الانسدادي المرافق لذات الرئة العضوية:
وهي أذية رئوية غير نوعية، تنجم عن حدوث تكاثر ليفي يترافق مع حدثية التهابية في القصيبات الرئوية البعيدة والاسناخ المجاورة لها. وهي تسمى التهاب القصبات الانسدادي مع ذات رئة عضوية، وينجم هذا النموذج من الأذية عن خمج فيروسي او تال لاستنشاق غازات سامة مجهولة السبب، تظهر صورة الصدر عتمات بقعية هوائية.
والاعراض السريرية هي سعال مستمر جاف غير منتج لقشع يتلو الامراض الاستنشاقية، ان اهمية معرفة هذا المرض هامة ليتم وضع التشخيص بخزعة الرئة المفتوحة ولأخذ فكرة جيدة عن مدى الاستجابة للعلاج بالكورتيزون ومدى ترقي الحالة نحو التليف.
معالجة امراض الرئة الارتشاحية المنتشرة:
رغم ان معالجة هذه الاضطرابات تعتمد على خصوصيات الحالة التي سبق وصفها فانه يمكن وضع صياغة عامة، واكثر القرارات جذرية يتم فقط عندما يمكن الوصول الى تشخيص محدد. فإذا امكن تحديد العامل المسبب كما هو الحال في السحار الربوي او ذات الرئة التحسسية فان الحل الامثل هو الابتعاد عن السبب.
اما اذا كان التهاب الحويصلات الحاد هو الآفة الرئيسية فان الستيروئيدات يمكن ان تكون مجدية وبمقادير عالية (60 – 100 مع بريدنيزون) في البدء ثم يتم انقاصها تدريجيا الى الحدود التي يتم فيها السيطرة على الحدثية الالتهابية، واذا لم تعط نتيجة فيجب ايقاف الستيروئيدات.
ويتم اضافة العلاجات المثبطة للمناعة في بعض الحالات للحصول على هدأة في بعض نماذج الالتهاب الوعائي كورام واغنر الحبيبي، على ان قيمتها مشكوك بها في متلازمة غودباستر، وهي ذات فعالية قليلة في التليف الرئوي الغامض.
اما فصادة المصورة Plasmaphersis فيحتفظ بها للحالات التي تكون فيها الاضداد الجائلة معروفة كعامل مسبب كما في متلازمة غودباستر، اما في مرضى المراحل النهائية للتليف الرئوي وفي حالات منتقاة فان اجراء زرع رئة يكون فعالا في تحسين الوظيفة الرئوية بشكل هام.
متفرقات:

إن داء كثرة المُنْسِجات الرئوي Pulmonary Histiocytosis X أو الحبيبوم الحمضي الرئوي، هو داء حميد نسبياً . يتظاهر بزلة وعلامات شعاعية واضحة من عقيدات منتشرة أو ارتشاح شبكي عقيدي تتجنب القاعدتين إلى حد ما . ويجب الاشتباه به عند المرضى الذين يبدون علامات شعاعية غير طبيعية منتشرة، والذين يكونون في العقد الثالث أو الرابع من العمر، ومن السهل جداً الخلط بينه وبين الغرناوية، وقد يبدو على الصورة منظر قرص الشهد أو يحدث استرواح صدر. على أن غياب الضخامة اللمفية في نقير الرئة يوجه نحو داء المنْسِجات الرئوي ويعتمد التشخيص على الفحص النسجي والمعالجة غير أكيدة والتراجع العفوي هو القاعدة.
التشخيص:
ان الحصول على قصة سريرية متقنة اساسي لتشخيص امراض الرئة المهنية وذوات الرئة بفرط التحسس، كما ان وجود حمى وعرواءات ونقص وزن وتعب وأعراض اخرى لا نوعية يوحي بوجود آفة خمجية او اضطراب متعمم خلف الارتشاح الرئوي المنتشر، ولا يساهم الفحص الفيزيائي كثيرا في التشخيص التفريقي لتلك الامراض التي تقتصر على الرئة ولكن قد يساعد على كشف بعض الادلة الهامة على اصابة عدة اجهزة اخرى بالخمج او بالورم او بالامراض العائلية او الاستقلالية او المناعية او الدورانية او السركوئيد وداء الناسجات المجهولة، ولا يفيد تعداد الكريات وفحص البول وكيميائيات الدم في اظهار شذوذات هامة تمكن من معرفة سبب الآفة الرئوية. يمكن معرفة سبب الخمج بالفحوص المصلية والزرعية المناسبة، اما امراض فرط التحسس والامراض المناعية فتشخص بتكثيف الاضداد الجائلة والمعقدات المناعية كما تشخص الاورام بالفحص الخلوي للقشع.
الا ان التشخيص النوعي لمعظم امراض الرئة الارتشاحية ان كان مثل هذا التشخيص ممكنا، فيتطلب فحصا نسجيا غالبا ما تكون الخزعة الوسيلة الوحيدة للتأكد من نمط الآفة الرئوية وسببها، تؤخذ الخزعة من النسيج الذي يحتمل ان يكون مؤوفا ودون ان يعرض المريض للخطر، فالجلد والعقد الليمفية والكبد اماكن مناسبة لأخذ النزعات في الاخماج المنتشرة والاورام واحيانا الساركوئيد وأخذ خزعة من جوف الصدر افضل للتمييز بين الاسباب المختلفة للاورام الحبيبية، من اخذها من الاعضاء المحيطية. وإذا كانت عقد الرقبة وفوق الترقوة مجسوسة وجب فحصها نسجيا وزرعيا ومعظم الامراض الارتشاحية الرئوية لا تترافق بضخامة واضحة في العقد اللمفية، واذا استحال وضع تشخيص بالوسائل الاخرى يستطب اخذ خزعة من الرئة.
المعالجة:
لا تستجيب غالبية الارتشاحات الرئوية المنتشرة للمعالجة جيدا، ولكن بعضها قابل للعلاج تماما وتكمن قيمة التشخيص السيي، في تحديد انتقاء الوسيلة المفيدة بين مختلف الوسائل العلاجية العديدة المتوفرة، ان المعالجة الكيميائية النوعية متوفرة في معظم العوامل الخمجية، كما ان الابتعاد عن التعرض ينقص من احتمال الاصابة بالامراض التنفسية المهنية وقد يسمح بشفاء ذوات الرئة التحسسية، تفيد الستيروئيدات ولا سيما اذا طبقت باكرا في معالجة الكثير من اسباب ذات الرئة الخلالية المتعفية كالأذيات الرئوية الكيميائية وذات الرئة التحسسية والساركوئيد وداء الناسجات وذوات الرئة الخلالية المتوسفة، بينما لا يزال دورها في الهيموسيدرية الرئوية الذاتية وذات الرئة الخلالية المتوسفة (داء هامان – ريتش) مشكوكا فيه، ونادرا ما تفيد في معالجة امراض الغراء والامراض الناجمة عن الاغبرة المهنية والتليف الخلالي المنتشر المزمن الذاتي المعروف السبب.
عندما تعطى لا الستيروئيدات القشر يجب ان تعطى بجرعات كافية للحصول على استجابة اذا كان ذلك ممكنا. يظهر التحسن في المصابين باضطرابات قابلة للشفاء (كالسركوئيد) باعطاء البردنيزون بجرعة 40 – 60 ملغم يوميا او ما يعادلها من المستحضرات الاخرى، تنقص الجرعة 5 – 10 ملغم يوميا كل اسبوع، حتى الوصول لجرعة الصيانة التي تتراوح بين 5 – 10 ملغم يوميا او 10 – 30 ملغم مرة كل يومين، يجب متابعة استجابة المريض موضوعيا بالتصوير الشعاعي المتكرر، وباختبارات الوظيفة التنفسية المناسبة وهي الاهم (كغازات الدم الشرياني وحجوم الرئة، وسعة الانتشار) لأنه لا يمكن الوثوق باستجابة المريض الشخصية للمعالجة بالتسيروئيدات القشرية لانه غالبا ما يشعر بتحسن ونشاط دون ان يترافق ذلك بتحسن موضوعي، اما المصابون بآفات ارتشاحية لا ينتظر كثيرا تحسنها (كذات الرئة الخلالية المتعفية وامراض الغراء) فيبتدأ باعطائهم جرعات عالية (60 – 100 ملغم بردنيزون يوميا) في محاولة للحصول على استجابة، فإذا ما تثبت دراسة اختبارات الوظيفة التنفسية، حدوث تحسن وجب ايقاف الدواء سريعا.
احدثت المعالجة المثبطة للمناعة فترات هوادة طويلة، من في الاشكال الشديدة من داء ويكنر الحبيبي، وهو مرض مترق وقاتل، كما استجاب التهاب المفاصل الرثواني والذئبة الحمامية الكلوية للاذية.
الإنذار:
يتبين مما سبق ان سير وانذار امراض الرئة الارتشاحية المنتشرة مختلف جدا اذ يتحدد مستقبل المرض بالسبب الكامن وراء هذا المرض وبمدى تقدمه عند تشخيصه وباستجابته للمعالجة وبوجود المضاعفات. يكون الانذار حسنا في الامراض ذات الاسباب العكوسة، سواء حدث التحسن تلقائيا او بالمعالجة المحتملة (كالاخماج، والاذيات الكيميائية وذوات الرئة التحسسية والساركوئيد) يكون الانذار سيئا في معظم امراض الغراء، وامراض التغبرات المهنية المترقية والتليف الخلالي الذاتي المنتشر المترقي، وفي كل الحالات التي ترقت الى تليف رئوي شديد والى مظهر "قرص العسل"، تترافق هذه الاضطرابات بتخرب رئوي بطيء ولكنه حثيث مع نقص اكسجين تدريجي يؤدي اخيرا للموت بالقلب الرئوي او بالخمج القصبي الرئوي الثانوي.


* المراجع:
- مبادئ الطب الباطني – هاريسون
- الموسوعة الطبية للعائلة
- مواقع طبية مختلفة

13/06/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع