دروب وأشواك مجموعة حكايات للرفيق عمر سعدي: خبرة حياة عاشها كرفيق نشيط في ميادين النضال السياسي


د. بطرس دلة


هذه المجموعة المنمنمة للرفيق عمر السعدي هي عبارة عن تجميع للعديد من القصص والحكايات التي عاشها هذا الرفيق على مدى عضويته في صفوف الحزب الشيوعي، وهي لذلك تختصر والحزبي فاكتسب الكثير من تجارب الحياة وجمعها لتكون عبرة لمن اعتبر من رفاق الدرب ومن الشباب العرب الفلسطينيين في الداخل وفي العالم العربي. ونحن نعرف أن الأدب الراقي والناجح هو ذلك الأدب الذي يصور لنا حياة الواقع مع شيء من الخيال، الى جانب الكثير من خفة الظل وروح الفكاهة التي تجعل الحكاية أقرب الى النفس وأكثر امتاعا. ولما كنا بصدد مجموعة من الحكايات او القصص الصغيرة فان علينا أن نعرّف القصة القصيرة كما يلي:
القصة القصيرة هي فن أدبيّ نثري سردي لا بدّ أن يكون قصيرا نسبيا بحيث تمكن قراءته مرة واحدة وليس على مراحل ولا بد أن يحدث تأثيرا وانطباعا في نفس القارئ أو المتلقي بحيث يجعله يتعاطف أو يتساءل أو كليهما معا، ولا بد كذلك أن يخضع لقواعد ما كنت لأقول "صارمة" ولكن تحافظ على الأقل على الحبكة او العقدة بعناصرها الخمسة وهي: الزمان والمكان، الشخصية (او الشخصيات) الحدث (الأحداث ) والراوي. هذه العناصر كما يقول الدكتور محمد هيبي ابن كابول لا يمكن لأية حبكة قصصية او حكاية أن تستغني عن واحد منها، كما أنه لا بد من تحديد كمّي ونوعيّ معينين لكي لا نعدم التمييز بينها (أي القصة القصيرة) وبين أمثالها من فنون القص المختلفة وعلى رأسها الرواية.
ونضيف هنا: ان هذا الفن لم يأخذه العرب عن أدب الغرب كما قد يدعي البعض وذلك لأن له جذورا عميقة في أدبنا العربي، كما في المقامات لبديع الزمان الهمذاني والحريري مثلا وقصص ألف ليلة وليلة الشهيرة وقصص أيام العرب عن الغزو والفتوحات العربية وغيرها.
 فمن هو الرفيق عمر السعدي؟
الرفيق عمر السعدي هو ابن قرية عرابة الجليلية عربي فلسطيني رفيق في الحزب الشيوعي الاسرائيلي ولد عام 1939، عاش النكبة الفلسطينية كغيره من المواليد الذين ولدوا قبل عام 1948 وشهد تشريد الشعب العربي الفلسطيني واغتصاب أرضه ووطنه وهو بعد في عمر الورد وظل في قريته ولم يتحول الى لاجئ كغيره من ابناء هذا الشعب الذين هاجروا خوفا من ويلات الحرب أو هُجروا عندما هدمت قوات الجيش الاسرائيلي قراهم، ولكنه عاش فترة من أصعب الفترات التي مرت على شعبنا العربي الفلسطيني بسبب التشريد والتهجير والحكم العسكري والاحتلال. كان لانتسابه الى صفوف الحزب الشيوعي الاسرائيلي أثر بعيد في نفسه لأنه كان له لقاء مع غيره من الرفاق المناضلين ضد الحكم العسكري وضد سياسة التجويع ومصادرة الأراضي وملاحقة كل القوى الديمقراطية التقدمية فتعلم النضال ولا يزال حتى اليوم يعمل في صفوف المناضلين الشرفاء من أبناء عرابة ومن رفاق الحزب فاكتسب الكثير من التجارب والخبرة في الحياة فباتت ذاكرته جزءا لا يتجزأ من ذاكرة هذا الشعب ولذلك جاءت هذه المجموعة القصصية جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الشخصية والجمعية، ولكي لا تضيع ويقتلها النسيان فقد رأى أن من واجبه الوطني وكشيوعي أن يدوّن هذه القصص لتظل عصية على النسيان وتبقى نماذج لما يجب أن يذكره كل عربي فلسطيني ويوثقه مقابل محاولات تزوير الرواية التاريخية الصهيونية لقضيتنا الفلسطينية بشكل عام.
تشمل هذه المجموعة القصصية أكثر من ثلاثين قصة – حكاية الى جانب بعض الطرف التي سمعها او عاشها المؤلف منذ صباه وبالتحديد منذ الثورة العربية الكبرى عام 1936 وحتى اليوم. ومع أنه تقاعد عن عمله الا أنه ما زال يعمل ويناضل في صفوف الحزب حتى اليوم. هكذا جاءت حكاياته توثيقا رائعا لمختلف الأحداث التي عاشها شعبنا بحيث جمع كل ما تعلمه وعرفه بما في ذلك أسماء أبطال قصصه المعروفين وأسماء طيور ومواقع وأشجار ونباتات وكل ما يميز الجغرافية الفلسطينية، هذا الى جانب العديد من الأمثال والقصائد والأغاني والأزجال والطرف وكل ما يميز المجتمع الفلسطيني والتراث الفلسطيني. كما تحدث عن الفلاحة العربية وأنواع المزروعات وطرق العناية بها الى جانب العادات والتقاليد والأفراح ومختلف المناسبات، بحيث تحولت الحكايات الى قاموس ودراسة اجتماعية- اقتصادية لكل ما يدور حولنا في حياتنا اليومية.
ولم ينس الحديث عن السلطة الظالمة ودور بعض رجال الدين الرجعي والمطامع الصهيونية الاستيطانية وأوضاع اخوتنا اللاجئين في المخيمات ومشاكل المرأة الفلسطينية والصراع القائم مع الرجل المتسلط في المجتمع الذكوري الذي يتنكر لحقوق المرأة العربية، كل ذلك بأسلوب مرح وبخفة ظل تحبّب الحكايات لجمهور القراء فلا يجدون مللا بل متعة كبيرة في ملاحقة الحكايات، والأمثلة على ذلك كثيرة نحاول أن نستعرض بعضها.

**من حكايات النكبة
كثيرة هي الحكايات التي استقاها من فترة النكبة عام 1948 وهي حكايات محزنة لا يستطيع القارئ الا أن يتفاعل مع بطلها، كأبي يوسف الذي عندما هربت صبرية وزوجها مع أولادهم الى لبنان واضطرت أن تترك ابنتها الصغيرة زينب ابنة الثلاث سنوات وأودعتها أمانة لدى عائلة ابي يوسف العاصم وهو رجل طيب ومن اصدقاء العائلة وغادرت القرية مع جموع النازحين اللاجئين. ولكن شاءت الصدف أن زينب مرضت وارتفعت درجة حرارتها ولم تجدِ معها الوصفات ولا الصلوات وفي سكرات الموت راحت تهذي " وانثالت الكلمات من فمها خفيضة وراحت بحشرجة تنادي: يمّا! يابا! يمّا!ا تعالي وينك؟! بدّي أروّح! وأغمضت عينيها وأسلمت روحها ورحلت رحلتها الأبدية وماتت البنت حزينة تبكي فراق والديها وصرخ أبو يوسف قائلا: ضيعنا الأمانة!!. هذه القصة نموذج لمعاناة الأهل والأولاد خلال النكبة. ونحن عندما نتحدث عن النكبة يجب أن نستذكر حالات انسانية مثيرة عانى منها أهلنا وهي كثيرة. فالنكبة اذن ليست الخسارة والهزيمة العسكرية بمقدار ما هي مشقات ومصاعب، قاسى منها أهلنا وأجدادنا آنذاك الى جانب المجازر الوحشية وهدم البيوت والقرى بحجة أنها قاومت وما رافقها من خيبات وحسرات لا تعد ولا تحصى.
قصة جهاد وتسلّل: هذه القصة امتدت على عشر صفحات من صفحات هذا الكتاب وهي قصة شاب اسمه عرفة كان قد انضم الى صفوف الثوار المناضلين ضد الاحتلال الصهيوني، وكان على علاقة مع فتاة أحلامه فوزية واضطر الى مغادرة القرية من أجل النضال العسكري حيث كان يؤمن أن ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة فشارك في أكثر من معركة بعيدا عن فتاة أحلامه وأخيرا وبعد نضال مرير عاد الى قريته حيث التقى بفوزية ليعيشا معا ويحقق عرفة حق العودة ولو رغم أنف السلطات الاسرائيلية، وليثبت أن الحب أقوى بكثير من كل القيود والأسلاك الشائكة والقوى العسكرية.
قصة مين أصدق: عيني ولاّ الخرافة؟: كان بطل هذه القصة شابا في سن المدرسة الثانوية حيث ترك القرية للدراسة في احدى المدارس في قرية اخرى وكانت لديه ثقافة قروية دينية ساذجة حيث كان يؤمن بوجود الغول والاصابة بالعين أي الحسد وبالسحر والحجاب والضرب بالرمل والجن وقدسية بنات العين ومقامات الأولياء الصالحين وما الى ذلك. ولما ضاع حمار العائلة قام والده وطوى سكينه لأنه كان يؤمن أنه بذلك سوف يمنع الوحش من افتراس الحمار، ولكن الحمار نهشته الكلاب الضالة والضباع ولم تجده سكين الوالد المطوية.
وذات يوم عينت ادارة المدرسة معلما مسيحيا ليعلم التاريخ في المدرسة وكان قد زار القدس ضمن زيارات المسيحيين لها، وكانت السلطات الاسرائيلية تسمح للحجاج المسيحيين بزيارة القدس لما لها من مكانة مقدسة في نفوسهم. وكان هذا المعلم قد زار مسجد قبة الصخرة وفي حديثه عن الأقصى ومسجد قبة الصخرة قال: انه رأى الصخرة التي عرج عنها الرسول الى السماء السابعة في الاسراء والمعراج جاثمة تحت قبة الصخرة. استغرب الطلاب ذلك وقام صاحبنا يناقش المعلم وقال: يا أستاذ! أنت بهذا تخالف ما جاء في الدين الاسلامي! وتقول أشياء مغايرة لتعاليم الاسلام! فالصخرة سابحة في الفضاء منذ أن عرج الرسول الى السماء!؟ ابتسم المعلم وراح يشرح للطالب وللصف أنه رأى الصخرة جاثمة تحت القبة بأمّ عينه وأضاف: من أصدق يا عزيزي عيني ويدي التي لامستها أم الذين غالطوكم وغرروا بكم؟!
وفي قصة أخرى قرأنا كيف غرر الأهل بأحد الشباب الذي جاء يخطب ابنتهم عروسا له قزوجوه بأختها وصرح قائلا: آخ... خدعوني وانضحك عليّ!
قصة حلفت عائشة بالطلاق بالثلاث: هذه القصة فيها الكثيرمن الدفاع عن المرأة واحترام موقفها عندما يكون الرجل مخطئا وتكون هي محقة وهذا ما كان:
في عام 1948 عام النكبة كانت أخبار مجازر دير يسين وقبية وعيلبون قد وصلت الى جميع القرى والمدن الفلسطينية. خاف المواطنون وكثر القيل والقال واتخذ البعض قرارات بالهجرة هربا من المجازر، وبسبب الرعب الذ ي دب في النفوس وضعت عائشة أولادها الثمانية في العريشة وجلست تحرسهم وهم نيام كالدجاجة التي تجمع صيصانها ريثما يعود الرجال من المقاومة، وكانت قد شهدت هجرة أهالي صفورية ومشهدهم القاتم والمأساوي والمصير المجهول المنتظر لقريتها، وكانت قرى سخنين وعرابة ودير حنا قد استسلمت لعصابات الهاجنا. ولما عاد الزوج كان قد اتفق مع بعض الرفاق أن يهربوا من الاحتلال الى لبنان وحاول اقناع زوجته بفكرة النزوح واللجوء الى لبنان ولأن ميعار سوف تستسلم في اليوم التالي ومن يعرف ماذا سيكون مصير العائلة كثيرة الأولاد. وهنا جاء دور عائشة لترفض فكرة الهجرة الا أن الزوج هددها بالطلاق بينما كان الأولاد يرجفون خوفا من المجهول ولأن عائشة عادت تخاطب زوجها بنبرة حادة وقالت: "اسمع! أريد أن أحلف كما يحلف الرجال، فطلاق منك بالثلاث! لن أغادر هذا المكان! الحمار الك ولبنان قدامك والأولاد الي وأنا باقية هون! ارحل أنت ومع السلامة! "
استعاذ الرجل وحوقل وجلس القرفصاء... وأشعل سيجارة وأخذ ينفث الدخان... فقد شعر أنه يملك زوجة أقوى من العصابات الغازية " وقد أثبتت له الأيام مدى شجاعتها وصدق موقفها.
أخيرا نقول: ما وجدناه في هذه المجموعة القصصية لا يقل روعة ووعيا حقيقيا عن أية مجموعة قصصية محلية، والحق يقال ان كاتب هذه القصص الرفيق عمر السعدي قد تعلم الشيء الكثير في صفوف الشبيبة والحزب الشيوعي وقد نجح في اقناعنا بأنه كاتب مجيد مع أن بعض القصص لا ترتقي الى مستوى القصة الفنية، وهناك بعض الأخطاء اللغوية والمطبعية التي كان على دار النشر الاهتمام بها وتصحيحها قبل الطباعة.
وللكاتب عمر السعدي أقول: بورك قلمك الذي أبدع هذه القصص بقليل من الخبرة في الكتابة فقد أثبت أنك كاتب قصة ناجح وكتاباتك فيها الكثير من المتعة وخفة الظل. ولدي ايمان أن هذه المجموعة يجب أن تكون في كل بيت من بيوت الشباب المطالعين لما فيها من مواعظ وأفكار نيّرة وتقدمية وواعية!
فيا أيها الرفيق لك الحياة!
(كفر ياسيف)
 

الأربعاء 13/6/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع