ثقافة الحوار


رشدي الماضي


التعدّديّة حقيقة تاريخيّة أكيدة ومؤكّدة. وحينما تصبح عنصرا أساسيا آخذا بالهيمنة تدريجيا على واقعنا بكل تضاريسه الاجتماعية والسياسية والدينية والفكرة، لا بد لنا أن نسأل، وبسرعة، هل قنوات الصلة والتواصل الجواري بيننا تتمتّع بالموضوعيّة والانفتاح الحقيقي والواسع؟ أم أنّه ما زال حفيدا لموروث عقلية الصحراء، سلفنا الصالح.
الجواب لا يحتاج الى كثير من الجهد والعناء، بل الى جرعة كافية من النقد الذاتي الصحيح، لنقر، وهذا يصب في مصلحتنا جميعا، بأن مناخات الصحراء بكل أجوائها وألوانها ما زالت تعصف قوية داخل نفوسنا وفكرنا. ومما لا شك أن استمرار هذا الوضع سيبقي نقاشاتنا وحواراتنا الثنائية منها والجماعية على اختلاف أنواعها امتدادا أمينا لبرج "بابل" بل صورة مكرّرة عنه ولكن بحلة "عصرية" جديدة. هذا من جهة، أما من الناحية الأخرى فستظل علاقاتنا الكلامية بعيدة عن الحوار الحقيقي لأنها تفتقر الى عناصره الأساسية، الإقناع والاقتناع والإثراء المتبادل الذي لا بد أن يتمخّض عن تغيير وتعديل وتصحيح الأفكار والمواقف.
وما أحوجنا في هذا الزمن الرديء الى ذلك، فنحن بمثل هذا الحوار الحقيقي فقط نعبّد الطريق للوصول الى إجماع عربي حول هذه القضيّة أو تلك والذي يقودنا الى رصّ الصّفوف والتجنّد لإيجاد الحل العلمي والناجح لها حتى نحوّلها الى إنجاز جماهيري ملموس، فنحن متعطّشون لمثل هذه الإنجازات وحيث أنّني مثل الكثيرين اؤمن حتى النّخاع بأنّنا مجتمع يختزن مؤونة وافرة من الوعي والطاقات والقدرات الخلّاقة، الأصيلة والرغبة الصادقة في إحداث التغيير واستثمار كلّ ما عندنا من إمكانيّات حضاريّة، لذلك، ما أراه  وبتواضع، بأنّنا بحاجة سريعة وماسّة للآليّة الحقيقيّة لذلك، وهو ما يُعرف بثقافة الحوار المنهجي الصحيح، التي تجعل من التعدّديّة وهي واقع هذا الزّمن الذي نعيشه، الرّافعة الحضاريّة التي تنظّم نسيج علاقاتنا المتشابكة وتمدّه بالزخم اللازم لشحن وشحذ الفكر بالفكر في إطار وضمن الهويّة والعائلة الواحدة، مت سيؤدّي الى توليد شرارة النّور والطاقة القويّة ليتضاعف ويتّسع تيّار التلاحم والوعي حتى يحتضن في النهاية كلّ شرائح وقطاعات شعبنا الطيّب.
09/07/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع