كـأنّـهـا مـسـتـغـلِـقـة

حـنّـا نـور الـحـاجّ


في أغنية سـمـيـرة تـوفـيـق "رَفّ الحمام"، تقول الفتاة العاشقة:
"عصر مبارح ما شفتَك // البير الغربي فَضّيتو"...
بارك الله في صديقنا العيلبونيّ أبي نـزار (فـضـل سـمـعـان)؛ فقبل نحو عشرين سنة، لفت انتباهي إلى ظرف التعبير الكِنائيّ في هذه الأغنية. الفتاة العاشقة تقول ما معناه أنّها اشتاقت إلى المحبوب، فتذرّعتْ بالذهاب عصر اليوم السابق إلى عين الماء حيث اعتادت أن تراه، فلم تجده. فعادت مرّة بعد مرّة إلى المكان نفسه تملأ الجرّة ثمّ تفرغها في البيت (أو في الدرب الترابيّ أحيانًا) لتُعاوِدَ التوجُّهَ إلى البئر لتلتقيه، أو لتراه على الأقلّ. وبانفعالِ مَن يسكنها الشوق والعشق (وهل من فَرْق؟!)، تنساق إلى مبالغة ظريفة حين تزعم أنّ جيئاتها الكثيرة المتكرّرة إلى البئر تركتْه بلا ماء!
أنا لم أعاصر تلك الفترة التي كانت فيها بيوتنا غير موصولة بشبكة الماء، فيُضطرّ أهل قريتي (وقرى كثيرة غيرها) إلى التزوّد بالماء من الآبار وعيون الماء. أمّا صديقنا أبو نزار، فقد عاش ذاك العهد الذي كانت فيه عين الماء هي المكان الأكثر مُتاحيّةً لالتقاء الشبّان والشابّات في المجتمعات الريفيّة (والبدويّة كذلك). وهناك قرب الماء كانت أحيانًا تبدأ قصص حبّ فيتكلّل بعضها بزواج، وبعضها ينتهي إلى زوال! ذاك ما يفسّر لك كثرة ذكْر عين الماء والنبع والجرّة وشرب الماء في الغناء العربيّ غير الجديد:
- "عالعَيْن يا امّ الزلف"...
- "قلبي يِهواها // البنت الريفيِّة // ويلي مَحـْلاها // على نبع الميِّة" (تـوفـيـق الـنـمـري)
- "وحياتك يا درب العين"... (نـصـري شـمـس الـديـن)
- "عَيْن المَيّ محبوبي وَرَدْها // بِيدو لَمْلَم الغرّة وِرَدّها"... (نـصـري شـمـس الـديـن)
- "على نبع المَيّ يا عينيّي // قِلتِلّي عطشان"... (سـلـوى قـطـريـب)
- "يا ما احلاها الجبليّة // لمّا بتحمل جرّتها"... (سـمـيـر يـزبـك)
ينضاف إلى ذلك ذِكْرُ الطاحون. هناك في طواحين القمح القديمة البسيطة البطيئة، التي تُدار حجارة رحاها بجريان ماء النبع، هناك يُمضي المرء في انتظار دَوْر طَحْنَتِهِ ساعات طويلة قد تستغرق يومًا أو ما يقارب اليوم. هناك، في ذاك الزمان، حيث لا حاسوب ولا جوّال ولا مذياع... كان المنتظِرون وسائرُ الحاضرين يُزْجون الوقتَ بتبادل الأحاديث والحكايات والطرائف والأخبار، فتنشأ مَودّة وألفة وصداقات قد لا تكون عابرة:
- "كان عِنّا طاحون عَ نبع المَيّ // قِدّامه ساحات مزروعة فَيّ // وْجِدّي كان يطحن للحيّ // قمح وسهريّات"... (فـيـروز)
وهناك كذلك كانت تنشأ قصص حبّ تَغْزل مقدّماتِها نظرةٌ مُمَغنِطةٌ آسِرة:
- "عالطاحونة شِفْتَك عالطاحونة // جرّحوني عيونَك جرّحوني"... (فـيـروز)
أجل، تختلف الأزمنة والأمكنة فتَستغلق المعاني على بعضنا، حتّى تلك البسيطة منها.

(عـبـلّـيـن)

10/07/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع