صفقة القرن: تحييد العرب وتحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل


خالد الحروب


مُقلق وخطير
يترافق مع التحالف المريكي-الاسرائيلي-الخليجي تغير مُلفت ومُقلق وخطير في الخطاب الاعلامي والثقافي الخليجي (فضلا عن الرسمي السياسي)، والذي يعمل على تهيئة الرأي العام الخليجي والعربي لإقامة تحالف مع اسرائيل. وربما يمكن ان تُختصر كثير من توجهات وتعبيرات هذا الخطاب الجديد في التصريحات المتكررة للجنرال المتقاعد والمقرب من صناع القرار السعوديين انور عشقي، وآخرها الذي قال فيه إن "إسرائيل عدو مظنون وإيران عدو مضمون". والخطر الكبير في بعض جوانب هذا الخطاب انه لا يقوم على تبريرات براغماتية سياسية، بل يحاول شرعنة وجود اسرائيل من ناحية حقوقية وتاريخية وحتى دينية، ليبرر العلاقة معها، خاصة عندما يتدخل رجال الدين في محاولة لتسويغ وتبرير الخيارات السياسية للقادة الخليجيين.




يمكن الزعم بأنه لم يمر العرب والفلسطينيون في تاريخهم المعاصر ومنذ تحقق الاستقلالات الوطنية ورحيل الإستعمار في مرحلة وبيئة إقليمية اسوأ من المرحلة الحالية والتي يمكن تحديد سنواتها بالعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وهي التي يمكن القول ان منحى إنحدارها المتسارع بدأ مع الغزو الامريكي للعراق سنة 2003، وما تلاحق عنه وبعده من انهيارات متتالية في الصف العربي.
المشهد الراهن لهذه المرحلة يتسم بعددم من المعالم الاساسية القاتمة التي اتاحت للعنجهية الامريكية الترامبية ليس فقط الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بل ومحاولة تصفية القضية برمتها عبر ما يُسمى بـ "صفقة القرن".
السطور التالية تتأمل في معالم هذا المشهد ثم تموضع "صفقة القرن" وتحدياتها ضمن ذلك المشهد. اول هذه المعالم هو تبلور وظهور تحالف امريكي|اسرائيلي|خليجي ضد إيران إلى العلن، العنصر المؤسس في هذا التحالف الذي يتبلور بسرعة مُدهشة هو المقاربة الخليجية التي تعتبر "النفوذ الإيراني" هو الخطر الاساسي والمتعاظم والمهدد لأمنها الإقليمي، خاصة بعد ترسخ ذلك النفوذ والسيطرة الإيرانية في العراق وسورية ولبنان من جهة شمال الجزيرة العربية وتحقق ما وُصف ب "الهلال الشيعي"، إضافة إلى الإلتفاف الإيراني من جهة الجنوب اليمني ودعم الحوثيين وفشل حرب عاصفة الحزم في إيقاف نفوذ طهران هناك. وانطلاقاً من هذا التقدير ترى بعض الدول الخليجية، وتحديدا السعودية والامارات والبحرين، ان إسرائيل هي القوة الاقليمية الوحيدة التي بإمكانها وقف التوسع الإيراني في المنطقة وتحجيمه. وتزداد التمظهرات العلنية لهذه القناعة ومعها تزداد إحتمالات خروج التحالف مع إسرائيل إلى العلن، وهو ما يُمهد له عن طريق خطابات سياسية واعلامية تطبع العلاقة "الاستراتيجية" مع اسرائيل على قاعدة العداء الُمشترك لإيران.
يترافق مع هذا التحالف تغير مُلفت ومُقلق وخطير في الخطاب الاعلامي والثقافي الخليجي (فضلا عن الرسمي السياسي)، والذي يعمل على تهيئة الرأي العام الخليجي والعربي لإقامة تحالف مع اسرائيل. وربما يمكن ان تُختصر كثير من توجهات وتعبيرات هذا الخطاب الجديد في التصريحات المتكررة للجنرال المتقاعد والمقرب من صناع القرار السعوديين انور عشقي، وآخرها الذي قال فيه إن "إسرائيل عدو مظنون وإيران عدو مضمون". والخطر الكبير في بعض جوانب هذا الخطاب انه لا يقوم على تبريرات براغماتية سياسية، بل يحاول شرعنة وجود اسرائيل من ناحية حقوقية وتاريخية وحتى دينية، ليبرر العلاقة معها، خاصة عندما يتدخل رجال الدين في محاولة لتسويغ وتبرير الخيارات السياسية للقادة الخليجيين.
المعلم الثاني في المشهد الإقليمي هو تبلور هدف استراتيجي اسرائيلي يقوم على ضرب ايران، او اضعافها. واذا كانت ايران تقع في مركز الإستهداف الإسرائيلي منذ سنوات عديدة بسبب الملف النووي على وجه التحديد، فإن هذا الإستهداف تضاعف بسبب زيادة النفوذ الايراني في سورية، ووجود غطاء امريكي صريح وقوي للموقف الاسرائيلي الهجومي. وترى إسرائيل في النفوذ الايراني في سورية مسوغاً اضافياً للإسراع في ضرب ايران، وهذا كله يزيد من احتمالات اقتراب اسرائيل من القيام بعمل عسكري في هذا الإتجاه، اي ضد ايران مباشرة سواء في سورية او في الاراضي الإيرانية. يعزز احتمالات العمل العسكري ضد ايران الموقف الامريكي الراهن ضد طهران الداعم سياسيا ودبلومسيا لموقف نتنياهو بلا تحفظ والذي تجسد عبر إلغاء ترامب للإتفاق النووي مع إيران.
ثالث معالم المشهد الاقليمي الراهن يتمثل في الهيمنة الامريكية المباشرة على اهم العواصم العربية والتحكم فيها، والاصطفاف العلني مع اسرائيل. وهنا فإننا نشهد سياسة امريكية "ترامبية" غير مسبوقة في المنطقة تتجسد في الإخضاع والإبتزاز العلني المكشوف للدول العربية، مقابل الاصطفاف العلني والمكشوف في صف إسرائيل. وهذا يعني تبديد المناطق الرمادية التي كانت توجدها الإدارات الامريكية وتحرص على بقائها للمحافظة على ماء وجه حلفائها في المنطقة. وتبدو العواصم العربية الاهم في المشرق (مثل القاهرة، والرياض، ومعظم العواصم الخليجية، وعمان، وبغداد) خاضعة بشكل او بآخر للسياسة الامريكية، ومطلوب منها تنفيذ ما تطلبه تلك السياسة من دون نقاش. عقيدة "الترامبية" السياسية لا وقت لديها لدبلوماسية "الشراكة" في الشرق الأوسط، بل فرض "الصفقات" على الأعداء والحلفاء سواء بسواء. وتعلن "الترامبية" ايضا وعبر تصريحات فجة ان من حقها الحصول على جزء من ثروات الخليج مقابل الحماية التي تقدمها، كما تريد من الدول الخليجية تمويل حروبها ضد ايران، وتخفيض اسعار النفط، وتمويل الوجود العسكري الامريكي في المنطقة، كما تضغط بإتجاه إنخراط الخليج في حلف عسكري مع اسرائيل.
رابع معالم المشهد الاقليمي يمكن رؤيته في تعزز المعاداة الامريكية للفلسطينين. وهنا ثمة مؤشرات عديدة تتجمع وتشير إلى صعود نزعة عداء شبه عنصرية، إن لم تكن عنصرية بحتة، ضد الفلسطينيين في اوساط مؤسسة الرئاسة الامريكية والكونغرس فضلا عن دوائر اليمين المُتصهين. وسوف تدخل "الترامبية" في التاريخ الفلسطيني بكونها الحقبة الامريكية الأكثر بشاعة والتي عزز فيها الرئيس الامريكي نفسه نزعات وسياسات إحتقار الفلسطينيين وكراهيتهم، وترجم تلك الكراهية إلى قرارات سياسية مدمرة بدءاً من نقل السفارة الامريكية للقدس، إلى تغيير الموقف من المستوطنات والاستيطان، ثم مروراً بوقف المساهمة الامريكية في ميزانية وكالة الغوث، الأنروا، وليس انتهاءً بالتضييق على مكتب منظمة التحرير في واشنطن. وهذه الكراهية المُتصاعدة هي التي تبرر الصمت الامريكي عن كل السياسات والممارسات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، وحتى عدم التعليق على اكثر التصريحات الاسرائيلية عنصرية ونازية مثل تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان بأنه لا يوجد ابرياء في قطاع غزة ـ اي ان قتل اي فرد من المليوني فلسطيني في قطاع غزة مبرر.
خامس معالم المشهد الاقليمي عربيا هو تزايد وتسارع التفكك العربي سواء على صعيد جمعي او فردي. وهنا ليس ثمة اي حاجة إلى تفصيل أو اسهاب في هذا الصدد، إذ ثمة غياب واضح وفاضح لأي دور مؤثر تقوم به الدول العربية على مستوى اقليمي، سواء أكان جمعيا ام فرديا. فالوضع في سورية مثلاً تقرر فيه روسيا وايران وتركيا، مع غياب تام حتى للجامعة العربية فضلا عن الدول الكبرى مثل مصر والسعودية، او دول الجوار السوري مثل الاردن والعراق.
يُضاف إلى ذلك حالة الإنهاك المتواصل لمعظم الدول العربية خاصة في المشرق مثل سورية والعراق وحتى الإردن، وإلى حد ما مصر، وصولاً إلى الجزيرة العربية الذي تصاعد مع الاستنزاف الكبير في حرب اليمن الطاحنة وملايين الابرياء الواقعين تحت جنونها. وزيادة في التدهور عبر انشطار الكتلة الخليجية التي كانت حتى وقت قريب العنوان العربي الاقليمي الوحيد الذي حافظ على تماسك نسبي ومعقول. والخلاصة ان هذا التدهور العام ليس في صالح فلسطين او القضية الفلسطينية بداهة.
سادس تلك المعالم يتجسد في تزايد الإختراق الاسرائيلي والاجنبي للبلدان العربية وخاصة مصر والاردن والخليج. ترتب على الضعف والتفكك العربي تزايد الاختراق الاسرائيلي لبلدان كانت مُخترقة اصلا من قبل اسرائيل، او بلدان ومناطق صارت تشهد اختراقات علنية، تفاخر اسرائيل بوجودها ولم تعد حتى تحترم تعهداتها لحكومات تلك البلدان بأن تُبقي علاقتها معها سرية. وهناك تعاون اسرائيلي مُتعدد المجالات امني واستخباراتي وربما عسكري مع اكثر من دولة عربية وخليجية، فضلا عن صفقات تجارية موسعة اهمها صفقات الغاز المثيرة والمُحيرة مع مصر والاردن. ومن ناحية اخرى وارتباطاً مع زيادة التفكك العربي وفي ضوء توسع الفراغ الجيوسياسي الناتج عن غياب الدور العربي الاقليمي تصاعد النفوذ الايراني التركي المزدوج إلى درجة مذهلة بل وفاضحة. ويكفي ان الملفات العربية الاهم والأسخن في الوقت الحالي يتقرر مصيرها في طهران وانقرة وليس في اي عاصمة عربية. وتمثل سورية الآن الضحية الاكبر لتقاسم هذا النفوذ حيث سيطرة تركيا على الشمال السوري، وسيطرة إيران على الوسط والغرب السوري. إضافة إلى ذلك تزايد النفوذ الروسي في سورية وبناء قواعد عسكرية فيها والتحكم فيها بشكل شبه مطلق.



(باحث وأستاذ جامعي فلسطيني)

السبت 4/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع