الذئب الامريكي الاسرائيلي وأنظمة "الغنم" الرجعية العربية (2)

د. خليل اندراوس


//جذوره موجودة
قانون القومية الذي اقرته الكنيست العنصرية، جذوره موجودة من بدايات الحركة الصهيونية. والقانون هو التعبير الوقح والعنصري والشوفيني والبربري واللاانساني للأيديولوجية الصهيونية منذ نشأتها.. وهو جاء ليتماشى مع "صفقة القرن" الذي تروج لها الولايات المتحدة وعلى رأسها المأفون العنصري اليميني ترامب والتي تهدف الى القضاء على القضية الفلسطينية كقضية قومية للشعب الفلسطيني والذي لا يرضى ولن يرضى بأي وطن الا فلسطين


في تلك الفترة زعمت اسرائيل بأنها لا تريد شن أي هجوم كبير على سوريا. رغم ان اسرائيل مارست جميع أساليب الاستفزاز على الجبهة السورية خلال شتاء 1966. وفي الثالث من نيسان عام 1967 ذكرت الصحافة الاسرائيلية ان الحكومة قررت زراعة كل اجزاء المنطقة منزوعة السلاح، بما فيها قطاع كان السوريون يصرون انه يعود للمزارعين العرب.
وبعد أربعة أيام، بدأ جرار زراعي مدرع يحرث شريطا من الارض المتنازع عليها وكما هو متوقع قصف السوريون الجرار بمدفعية المورتر ولم يصب السائق بأي أذى، فرد الاسرائيليون والأصح تسميتهم بقوة العدوان والتآمر والاستفزاز المترقبون بالمدفعية والدبابات وبقوة كبيرة من المقاتلات النفاثة، وقد قتل حوالي ستمائة سوري واسقطت ست طائرات سورية من طراز ميغ 17، دون أي خسارة للاسرائليين. ومما أشعر السوريين بالذل، سقوط احدى طائرات الميغ داخل دمشق، التي كانت تتعرض لاختراق الطائرات الاسرائيلية لحاجز الصوت فوقها أي فوق دمشق. وهذه الأحداث برأي كاتب هذه السطور كانت يجب ان تكون دليل للسوريين على عدم كفاءة واستعداد الجيش السوري لخوض حرب مع اسرائيل وكان يجب عدم الرد على أي استفزاز اسرائيلي لسوريا من أجل تفويت الفرصة على الثالوث الدنس الامبريالي الامريكي – الصهيوني العالمي – وأنظمة "الغنم" الرجعية العربية، الذي اراد، أي هذا الثالوث الدنس، ان يفتعل الحرب والعدوان بحجة الدفاع عن النفس.
لقد كانت لهذه الضربة العسكرية لسوريا اصداء فورية بالنسبة لعبد الناصر حيث سارع اعداؤه عرب أنظمة "الغنم" الرجعية العربية الى وصفه بالسلبية والتقصير وعدم الرد على العدوان الاسرائيلي وخاصة النظام السعودي، بحيث تساءل لماذا لم ينتقم عبد الناصر من اسرائيل من الجبهة الجنوبية لاسرائيل؟ وبكل وقاحة لم يطرحوا هذا السؤال على انفسهم فهم ايضا جغرافيا يتواجدون جنوب اسرائيل ولم يفعلوا شيء بل كانوا على اتصالات وتنسيق سري مع اسرائيل والولايات المتحدة في التخطيط للعدوان على الدول المجاورة لاسرائيل. أي مصر وسوريا والاردن، والقضاء على جمال عبد الناصر ورسالته القومية الوحدوية وفي حين كان حكام اسرائيل يزعمون على مدى سنوات بأنهم لا يفكرون في شن هجوم كبير على سوريا ولكن الحقيقة هي وباعتراف عيزر وايزمن رئيس العمليات في هيئة الأركان العامة قبل الحرب لا بل قبل العدوان الاسرائيلي الامبرايالي، لأن اسرائيل من ناحية اقتصادية سياسية استراتيجية هي القاعدة الامامية للامبريالية العالمية، اعترف وقال في عام 1972: "لا تنسوا اننا حركنا الدبابات الى الشمال بعد اسقاط الطائرات". وكان يعني اسقاط طائرات الميغ الستة.
واذا كان تحريك الدبابات قد اثار الرعب في المنطقة والخوف من بدء حرب عدوانية اسرائيلية ضد الدول العربية وبتنسيق مع الولايات المتحدة، وسكوت لا بل ومؤازرة النظام السعودي، وسير الأحداث بعد ذلك لم تكن ترمي الى تهدئة الامور ففي الحادي عشر من ايار عام 1967 اعلن الجنرال اسحاق رابين رئيس هيئة الاركان في ذلك الوقت عبر الاذاعة الاسرائيلية قائلا: "ان الوقت قادم للتوجه الى دمشق للاطاحة بالحكومة السورية. لأنه يبدو ان العمليات العسكرية وحدها التي تستطيع ان تفشل الخطط لشن حرب شعبية يهددوننا بها".
وفي اليوم التالي للتهديد العدواني الذي اطلقه رابين، قام زميله الجنرال اهارون ياريف رئيس الاستخبارات العسكرية باستدعاء السلك الصحفي الأجنبي قائلا: "يجب ان نوضح للسوريين انهم لا يستطيعون الاستمرار على هذا النهج، واعتقد ان الطريقة الوحيدة لتوضيح ذلك للسوريين تتمثل في استخدام القوة... ويمكنني القول ان علينا ان نستخدم القوة حتى نجعل المصريين يقنعون السوريين بأن تصرفاتهم لا تجدي... وأعتقد أن الرد الوحيد المضمون والمأمون على المشكلة يتمثل في عملية عسكرية ذات حجم وقوة كبيرين".
وهذا ما كانت تخطط له اسرائيل ليس ضد سوريا وحدها بل ضد كل الدول العربية المجاورة وخاصة ضد مصر من اجل القضاء على النظام الناصري وضد الاردن من اجل اتمام احتلال كامل التراب الفلسطيني لان الحركة الصهيونية التي وافقت شكليا على قرار التقسيم لم تصرح بأن حدود عام 1948 هي الحدود النهائية بل رأوا بالوضع الناشئ مرحلة سيتبعها احتلال باقي اراضي فلسطين التاريخية فمثلا، وهذا فقط مثل، كتب بن غوريون: "سنكسب أرضنا نحن- ارتس يسرائيل (وتعني حسب المصطلحات الصهيونية واليهودية فلسطين "في الحدود التوراتية" أي من النيل الى الفرات) بواسطة العمل والرأسمال والثقافة والعلم". وفي السنة نفسها صرح قائلا: "نحن لم نكتف بالعمل، بل فتحنا الأرض، نحن شركة فاتحين". ومنذ ذلك الوقت نظرت الحركة الصهيونية للشعب العربي الفلسطيني نظرة عدائية بكل جلاء وسطوع، وحتى من إدعى بانه ينتمي الى الفكر اليساري كزعماء "أحدوت هعفودا" اعتبروا اليهود الرأسماليين فعلا حلفاء، بينما العمال والفلاحين العرب عناصر غير مرغوب فيها، أعداء يجب "تحرير البلد" منهم ويجب حرمان العرب من الأرض والعمل وطردهم تدريجيا وهذا ما تم فعلا عام 1948 عام النكبة وتهجير الشعب الفلسطيني وهذا ما يعبر عنه الآن "قانون القومية" الذي أقرته الكنيست العنصرية الشوفينية لا بل الفاشية فلا فرق بين من يدعي بأنه "شعب الله المختار" وبين من إدعى بان "الشعب الأري هو الشعب الأرقى".
وهنا لا بد وان اذكر بان سياسة حكام اسرائيل منذ ايام بن غوريون والى الآن حيال الشعب العربي الفلسطيني والدول العربية المجاورة، هي سياسات عدوانية، تمارس غطرسة القوة وهي من حيث الجوهر تتطابق كليا مع النهج الذي نادى به اليمبن الصهيوني وعلى رأسه جابوتينسكي في الثلاثينيات. وفي سنة 1964 في عهد "الاشتراكي" الصهيوني رئيس الوزراء أشكول، نقلت رفات جابوتينسكي من نيويورك الى جبل هرتسل في القدس ودفن بقرب رفات سائر "أباء- مؤسسي" اسرائيل وهذا الواقع هو دليل آخر على وحدة جميع التيارات الصهيونية. وهنا ايضا علينا ان نذكر بان بن غريون قال بوقاحة في سنة 1917، متجاهلا الوقائع التاريخية بان فلسطين "على الصعيد التاريخي والمعنوي بلاد بلا سكان".
وقانون القومية الذي اقرته الكنيست العنصرية، جذوره موجودة من بدايات الحركة الصهيونية. والقانون هو التعبير الوقح والعنصري والشوفيني والبربري واللاانساني للايديولوجية الصهيونية منذ نشأتها.
وهنا أذكر بانه في آذار عام 1947 قال شاريت ما يلي: "لن نراجع هيئة الامم المتحدة ... لامريكا مصلحة فينا في الشرق الادنى". وهذا ما يمارس على ارض الواقع خلال العدوان الاسرائيلي على الدول العربية، وما يمارس حتى الآن من قبل حكام اسرائيل. فاسرائيل هي الدولة الوحيدة التي لا تحترم ولا تنفذ قرارات الامم المتحدة وباقي المؤسسات الدولية بما فيها حقوق الانسان رافضة قرارات الامم المتحدة الخاصة بقضية اللاجئين، ورافضة قرار التقسيم حيث ان الاعتراف باسرائيل من قبل الامم المتحدة، بموجب بنود الاعتراف مشروط بقيام الدولة الفلسطينية الى جانب اسرائيل.ولكي نفهم ما حدث في الماضي وما يحدث الآن من ممارسات عنصرية شوفينية من قبل الكنيست الاسرائيلي وحكومات اسرائيل المتتالية وخاصة حكومة اليمين المتطرف الحالية علينا ان نذكر بأن الصهيونية رفعت شعارا كاذبا "أرض بلا شعب – لشعب بلا أرض". وكل حكومات اسرائيل عاملت الاقلية القومية الفلسطينية داخل اسرائيل لا كأقلية قومية تعيش على تراب وارض وطنها التاريخي بل "كغرباء" غير مرغوب فيهم وزعماء اسرائيل وغولدا مئير مثلا، والرئيس الحالي ينكرون مجرد وجود الشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير المصير. وصرح دايان بوقاحة باردة عنصرية متغطرسة: "الصهيونية تتحقق على حساب العرب".
وهذه التصريحات العرقية الصهيونية الاسرائيلية تلقى الدعم من قبل اليمين الامريكي الصهيوني المسيحي لذلك نستطيع ان نقول بأن اقرار "قانون القومية" من قبل الكنيست الاسرائيلي جاء ليتماشى مع "صفقة القرن" الذي تروج لها الولايات المتحدة وعلى رأسها المأفون العنصري اليميني ترامب والتي تهدف الى القضاء على القضية الفلسطينية كقضية قومية للشعب الفلسطيني والذي لا يرضى ولن يرضى بأي وطن الا فلسطين وطنًا له.
بعد هذا التطرق لطروحات الصهيونية العنصرية الشوفينية وربطها بأحداث الحاضر، أعود الى تصريحات اهرون يريف عام 1967، حيث كان يكرر المقولة التي كانت تتردد عبر الاذاعات من قبل اعداء عبد الناصر في السعودية وغيرها من أنظمة "الغنم" الرجعية العربية، " بأن عبد الناصر ضعيف" وان "زعيم كل العرب لن يتدخل" كما قال عنه يريف.
وامام التهديدات والاستفزازات الاسرائيلية والاهانات التي انطلقت ضده من كل جهات انظمة "الغنم" الرجعية العربية استجاب جمال عبد الناصر الى ما وصفه فيما بعد بالوقاحة الاسرائيلية وفي الرابع عشر من ايار اصدر امر بتحريك فرقتين عسكريتين الى سيناء.ورغم ان ما قام به عبد الناصر كان نوع من عرض القوة، فان انظمة "الغنم" الرجعية العربيةوعلى رأسها السعودية استمرت من خلال اعلامها بالتعرض لعبد الناصر بالسخرية والادعاء بان عبد الناصر يختبئ وراء قوات الامم المتحدة على الحدود. الا ان رئيس هيئة الاركان المشتركة المصري طلب في السادس عشر من ايار من قائد قوات الامم المتحدة بان يسحب رجاله من غزة.
لم يأت الطلب على أي ذكر للوحدة المتمركزة في شرم الشيخ، والتي كان وجودها الرمزي يضمن حرية المرور للسفن الاسرائيلية، من والى البحر الاحمر والمحيط الهندي. ولاسباب لم يتم تفسيرها بشكل مرضي، فان السكرتير العام للامم المتحدة "يوثانت" اصر على انه اذا توجبت مغادرة أي من قواته لمواقعها في مصر فان عليها جميعها ان ترحل، ولم يكن لدى عبد الناصر أي خيار سوى ان يطلب رحيلها، وبعد ان لم يعد امامه أي مجال سياسي للمناورة. ولاختصار التفاصيل اذكر بان مبعوث خاص من قبل جونسون وهو رجل النفط روبرت اندرسون تحدث مع جمال عبد الناصر وتوصلا الى اساس للتفاهم حول قضية مرور الاسرائيليين عبر مضائق تيران التي كانت ما تزال في ذلك الوقت تعتبر سبب الازمة بأسرها. ولكن الاهداف العسكرية العدوانية الاسرائيلية الامريكية وبتواطئ أنظمة "الغنم" الرجعية العربية كانت تهدف الى القضاء على النظام التقدمي القومي الوحدوي لجمال عبد الناصر خدمة لمصالح الامبريالية العالمية ومصالح الصهيونية العالمية في السيطرة على كامل فلسطين والعمل على انشقاق العالم العربي انشقاقا عميقا ودائما وتحقيق احلام الامبريالية العالمية، والصهيونية العالمية وانظمة "الغنم" الرجعية العربية في اقامة كوندومينيوما (حكما مشتركا) امريكيا اسرائيليا والهيمنة الاسرائيلية في الشرق الاوسط. ولكن هذا السيناريو الامريكي الاسرائيلي مع انظمة "الغنم" العربي الرجعي لم تنجح في ذلك الوقت، واليوم تحاول امريكا تمرير "صفقة القرن" والتي تهدف القضاء على القضية القومية الفلسطينية وفرض الهيمنة الاسرائيلية الصهيونية على المنطقة ولكن صمود الشعب العربي الفلسطيني وفشل المؤامرة على سوريا من خلال صمود الشعب السوري وقيادته ودعم الصين وروسيا وايران وحزب الله لسوريا ستفشل هذه المؤامرة أي ستفشل مؤامرة "صفقة القرن" وستفشل مؤامرة تقسيم سوريا وسيصبح على ارض الواقع محور جديد صيني روسي ايراني عربي مقاوم للامبريالية والصهيونية قادر على دحر مؤامرات الثالوث الدنس في المنطقة.


(انتهى)


السبت 4/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع