جبال الريح (3)


محمد نفاع


المنصورة قرية صغيرة جميلة خضراء مع عين ماء وحواكير مزروعة بمختلف انواع الخضار


عملية جراحية
أذكر ستي عفيفة وهي تقلي عجنة الزلابة على الموقدة، زلابات البدوية طيبات. وهي اول من عمل عملية جراحية في القرية. ظل الديك العتقي يأكل من كوم الشعير الشائك، حتى تقدّحت رقبته، وانتفخت بحجم كوز الرمان الوسط، لان الدجاج لا يعرف الشبع، فما كان منها الا ان جرحت رقبته، واخرجت الشعير، زور شعير، ثم عادت وقطبتها بالابرة والخيط، وطال عمر الديك، وظل حيا.


"فلا بد ان يكون المرء حقيرًا في شدة افتتانه بنفسه حتى يتحدث عنها بغير خجل ولا حياء".
هكذا يدهشنا دوستويفسكي، في هذا القول الرهيب الفظيع في نزاهته وشجاعته وتمام الثقة بالنفس والتواضع السامي.
قد تكون كتابة المذكرات من اصعب الامور، اذا اريد لها ان تتحلى بالأمانة، ونشر ما هو ضروري من قيم انسانية، وجوانب البيئة الاجتماعية المعقدة وما فيها من خير وشر ورفض كل ما هو ضار وفاسد والتحكم بميزان اخلاقي لا يصدم.
فهل كان على جان جاك روسو مثلا ان يكتب في مؤلفه "الاعترافات" انه في شبابه كان يحب ان يكشف عن عوراته عارية كل العري ويلبث على هذا الوضع في احد الزوايا الى ان تمر نساء فتراها!! لماذا لم يعتذر توفيق الحكيم ونجيب محفوظ عندما ادارا ظهر المجن لجمال عبد الناصر بعد وفاته وأمعنا في نهشه!! لم يسلكا هذا السلوك في زمانه وهو الذي احتضنهما!!
وقد نعود الى مثل هذه الملاحظات لاحقا.
اما في ذلك اليوم، فقد جاء قاسم الصالح الى عمي محمود بهدف خدعة مازحة وأسرّ اليه ان في قرية المنصورة قبال فسوطة رطل الثوم بأربعة قروش، اما عندنا فالرطل بقرش واحد، جاء عمي محمود الى ابي مصدّقا المزحة وقال: عندك للسر موضع!! إحلف.
شحد اهلي دابة وحملوها عديلة فيها اكثر من اربعين رطل ثوم، وكذلك فعل عمي. اما امي وامرأة عمي فراحتا تكتمان السر، وتخططان لاستقبال هذا المبلغ المحترم احسن استقبال، والدابتان المسكينتان تقطعان الطريق مع الفجر الى حرفيش والدير القاسي ومن هناك الى طلعة المنصورة. والمنصورة قرية صغيرة جميلة خضراء مع عين ماء وحواكير مزروعة بمختلف انواع الخضار. قالت لهم امرأة: يا عمي هون ما حدا بشتري ثوم، كل بيت عنده كفايته من المونة. من هناك ارادا الذهاب الى رميش في لبنان فقال لهم رجل من اهل المنصورة، ارجعوا عمي ارجعوا –رميش بعيدة كثير، فظلا على العين.
جاءت صاحبة بيت مفتوح فوق العين، وهي امرأة في تمام الكمال والوقار والجمال، وابي يحلف انه لم يرَ اجمل واكمل منها حتى في الارجنتين، ويبدو انه تعرف على الكثيرات في تلك البلاد. قالت المرأة: هيئتكو غرب، تفضلوا على لقمة صْبوح، هياني في البيت.
- يكثّر خيرك.
لكنهما فلشا الزوادة وراحا يفطران على العين، حياء وخجلا وغشمنة. جاءت صاحبة البيت وهتفت:
- لا تواخذوني يا عمي حسبتكو بشر!!
حلف عمي انه سيقوّس قاسم الصالح.
والناس يتندّرون على هذه الحكاية لغاية اليوم، ونمزح نحن مع ابنائه واحفاده.
وعندما كنت في اجتماع في فسوطة، دلني الرفيق جورج جريس على فسوطة وارضها وخلاتها، واحدى الخلات اسمها "خلة العرصات" والعرصة هنا ليست بمعنى الساحة والباحة، بل المعنى الآخر. واشار الى اطلال المنصورة، خفق قلبي وضحكت، ونشرت قصة "اطلالة على الجهات الاربع من قرية فسوطة" وفيها حكاية المنصورة والثوم والامرأة الوقورة الكريمة.
اما قاسم الصالح واخوه فندي وجميل الولي فقد قُتلوا على يد مجرمين دفاعا عن فلسطين، والثلاثة اجاويد طيبون بسطاء وليسوا جنودًا، يومها رثاهم كمال كنج ابو صالح في كلمة انسانية بليغة قبل ان تعتقله السلطات الاسرائيلية، بسبب تصدية لمخطط اقامة دويلة درزية دمية لإسرائيل، لكن هذا ما سيأتي دوره.
احضر ابي من الارجنتين اربعة كتب: جواهر الادب من خزائن العرب جميع وتأليف ابراهيم صادر، وكتاب كليلة ودمنة، والطب البيتي لمؤلفه الدكتور يوسف اسعد محمود من مجدل شمس السورية، قبل مئة عام. والكتب موجودة عدا احد اجزاء جواهر الادب، استعاره صديق من البقيعة قبل ثلاثين سنة، ولم يعد، قبل سنة وعدني الاستاذ رياض مخول بإعادته.
جدتي ام والدتي عفيفة الطافش وزوجها جدي ابو علي حسين شاهين، وهو رجل ورع وشغيل، طوّع ارضا وزرع زيتونا في عين الاسد، كانوا ينقلون تشاليش الزيتون البري من الوعر، ثم يطعمونه بأقلام ورقع زيتون صوري او سوري. كان بيته مفتوحًا، وكان كثيرون من اهل لبنان يأتون مع شُلَع المعزى يشتّون في صير ومغر البلد بسبب قساوة الطقس، ويأتون كذلك من قرية عُرْنة السورية وخاصة الشيخ أمين كبّول. وسمي آل كبول بهذا الاسم لان امرأة صالحة واسمها صالحة، كانت تحضر التنور للخبز، فجاء سُكين وهو من احرف الكذب عند الدروز مثل نشتكين الدرزي، وراح يعدّل النار فما كان من صالحة الا ان حشت راسه في التنور حتى مات، اما العجين المعد للخبز ففرقته صالحة على اهل البلد، ويسمون هناك قطعة العجين – الكبّول – وسموا دار كبول. وعُرنة جارة "حضر" البطلة والتي ببطولتها وموقعها افشلت محاولة البعض عندنا ومن مجدل شمس – عملاء السلطة الاسرائيلية – بضمّها الى اسرائيل وتكون تحت رحمة الاحتلال المجرم الغاشم.
ستي عفيفة كانت سمراء، سمرتها غامقة. وكان الشيخ محمد معدي يقول عنها: هاي البدوية نفسها طيب على الاكل. والشيخ محمد معدي هو زوج ستي ريا من عائلة الرمال. وهو الذي جلب المطحنة الى البلد، بعد ان كان الناس يطحنون القمح في وادي سلامة وسكّرة ميرون، ووادي عامود. تأخرت امي مع الطحنة في الليل هي ومن معها، فتأثر الشيخ محمد معدي ووعد بشراء وعمال مطحنة خلال سنة وهكذا كان. وكانت عنده شلعة معزى اكثر من الف راس، ويوجد اليوم عدد من رؤوس الماعز من نسل معزى الشيخ محمد، وكذلك عنزتنا العَطْرة الذي ذكرها ابي في الدفتر الاسود.
كانت امي تساعد ستي ريا على الزيتون في موقع الكواشين في يركا، ومنها تعرفت على اسماء بعض المواقع في يركا، الكواشين، الرّغب، المجنونة، الخشنه، مُرّان، العنقور...
عقدت ندوة في يركا للطلاب والمعلمين والاهالي، شاركت فيه انا مع جدعون عِزْرا نائب رئيس الشاباك سابقا فقال: انا ساعدت في تخريج تسعة ضباط من يركا، وقلت انا: نحن ساهمنا في تخريج تسعة جامعيين من يركا، في الطب والهندسة والحقوق، وانتم صادرتم ارض يركا، فما كان من ذلك الاهبل، الا ان صرخ:
- أنت ضد الدولة.
وعندما عددت اسماء الخريجين بحضور الرفيق الدكتور عبد الله ابو معروف، وعددت مواقع الارض المصادرة صفق الجمهور طويلا. وفي النهاية وفي استفتاء الطلاب اليركاويين نال الحزب الشيوعي قصب السّبق، وسقط ممثل المخابرات سقوطا مدويًا فهو اهل لذلك.
كان اول الخريجين من يركا الرفيق  صالح ثابت والذي توفي في حادث طرق قبيل عرسه.
في اجتماعي جماهيري في مجدل شمس، ذكرت حرق سُكين في التنور وقصة الكبّول، الاجيال الشابة لا تعرف الكثير، اما المتقدمون في السن فراحوا يصفقون ويشرحون للشباب.
الكبة اليركاوية المصبوغة مشهورة، كانت ستي ريا تفرك الكبة على "القلعة" هكذا يسمون بلاطة الكبة في يركا. قلايد الفلفل الاحمر معلقة على حيطان يركا للكبة، خاصة الفلفل "البِحْرِق" الحار او الحرّاق.
أذكر ستي عفيفة وهي تقلي عجنة الزلابة على الموقدة، زلابات البدوية طيبات. وهي اول من عمل عملية جراحية في القرية. ظل الديك العتقي يأكل من كوم الشعير الشائك، حتى تقدّحت رقبته، وانتفخت بحجم كوز الرمان الوسط، لان الدجاج لا يعرف الشبع، فما كان منها الا ان جرحت رقبته، واخرجت الشعير، زور شعير، ثم عادت وقطبتها بالابرة والخيط، وطال عمر الديك، وظل حيا. ربما كانت تتعب من اشغال البيت وتحضير الطعام وتقول لسيدي حسين:
كل ما شاف واحد ديّان بحسبُه جاي من الصين!!
والمقصود الصين الجوّاني، أي الجنة كما يعتقدون.
والسدّ الذي يحيط بالصين الجواني عند جبل قاف بناه اسكندر ذو القرنين، ومن اليونان خرج العديد من الانبياء كما يعتقدون مثل: ارسطو طاليس وسقراط وافلاطون.
من هناك يظهر المهدي وجيوشه كما يرتلون في العسكريات:
ويش الخَبر يا هندي
لك البشارة عندي
قال لي جيوش المهدي
فاضت على الاناما
وهي قصيدة روحانية لها مكانتها مطلعها:
حَنّ الفؤاد وهاما
والوجد فاض وعاما
أهلا وسهلا فيكو
يا زايْرين تهاما
بالآل والأنصارُ
نادوا الرحيل وساروا
والعسكر الجرار
والعزّ والانعاما
حفظت كل هذ العسكريات في طفولتي، وكذلك النشيد الذي القاه امير البيان شكيب ارسلام في مقام النبي شعيب في قرية حطين سنة 1946 قبل حكم اليهود:
شعيب با بدر الدّجى
باب المهيمن والرجا
والهم عنا يُفرجا
زيدوا الصلاة يا حاضرين
اسرائيل صادرت معظم اراضي وقف النبي شعيب وسبلان، وغرّرت بالاعتداء على وقف جامع حطين، لكن المؤامرة فشلت.
الزيارة العمومية الى مقام النبي شعيب تأتي سنويا في 25 نيسان، اسرائيل واتباعها والمعتاشون على اموالها حوّلوا الزيارة العمومية الى عيد وألغوا عيد الفطر، العيد الزغير، ارض النبي شعيب قدّمها ووهبها صلاح الدين الأيوبي، وهو اول من اشار الى هذا المكان المقدس، وفي انتصاره على الفرنجة، كان معه مسيحيون، وفرقة من الموحدين الدروز.
أما معلم التراث المزيف فيقول امام التلاميذ:
طياراتنا، أي الطائرات الاسرائيلية انتصرت سنة 1967 على سوريا العدو، لانها حوّمت وتباركت فوق مقام النبي شعيب!!
لكن اين هذا الموقف الهزيل من مواقف السعودية وقطر والبحرين والامارات وكل الرجعية العربية المساهمة في الحرب الاجرامية عل سوريا البطلة، هنالك عملاء صغار، وهنالك عملاء كبار.
الشيوخ المتزمتون لا يلفظون كلمة فسوطة، لانها تشبه التشاقيع، يقولون عنها وهي العامرة بأهلها – الخِربة، وعن النكنيك نشنيش. مع انهم يقولون عن تقطيش العنب – زْباره – وهي صحيحة لغويا.
الشاعر إبناقرث عوني سبيت يقول فَصّوته، ورغم اختلاف اللفظ تظل فسوطة بلدة رائعة عامرة، طلاب إقرث في ثانوية الرامة كانوا من اشطر الطلاب، وهم مؤدبون جدا.

السبت 4/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع