رواية “ضحى” للكاتب حسين ياسين: في الهروب المقدسي


رائد نعيم


"مدينة الورد والحُب . . القدس المُحتلة"؛ عدسة: مسلّم مرعي


قصص وتواريخ
يهرب المقدسي في “ضحى” من تاريخه في غالب الرواية (الفصل الأول- تانيا  والثالث ‏‏– ماري تريز) ويلجأ إلى أكثر من آخر قد يتقاطع مع تاريخه الذاتي حيناً كما في تراجيديا ‏التمبلريز وقد لا يفعل كما في قصة القبائل المغولية في جبال تيان شن. وهو هنا لا يسرد ‏قصة فقط بل يتعمد الإكثار من الإشارة و بانتظام إلى أن ثمة تاريخ هنا وهناك أيضاً ‏وكأنه يصرخ: “دعوني وشأني فلست الوحيد الذي يكبله تاريخه.‏‎



لا أعتقد أن ثمة مفردة تفوق “القدس” حجماً في الوعي الجمعي الفلسطيني خاصة إذا نظرنا إلى الوعي الثقافي. لذلك فالتعامل الأدبي مع القدس يشبه إلى حد ما تسلق جبل شاهق لم يتسن سوى للقليل القليل الوصول إلى قمته بينما بقي الآخرون ممن حاولوا مجرد “متسلقين” بكل ما للكلمة من سلبية قد لا تعجب البعض. فأول ما يتطلبه التعامل مع مفردة بحجم القدس هو اختراق حاجز “الابتذال” الذي حفره “الرمزي” في تراكمية الوعي الثقافي.
ولأن القدس هي القدس بما لها وما عليها فإن للرمزي فيها أبعاداً شاسعة تجعل من المستحيل الالتفاف حول هذا الحاجز عن طريق التخلي عن بعد ما أو إسقاطه. فالنتيجة حينها تكون الوقوف في عمق الابتذال مكبلاً بالبُعد المُسقَط ذاته والأبعاد الأخرى مجتمعة.
والحل الأمثل للحيلولة دون الوقوع في هذا الفخ يكمن في الانتقال من “الرمزي” إلى “الفردي” أو من “العام” إلى “الخاص” أو على المستوى الفلسفي من “الموضوع” إلى “الذات” وهو بالضبط ما قام به الكاتب حسين ياسين في روايته “ضحى” الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ضحى ليست رواية عن القدس كما يروج لها الناشر وكما تصورها بعض المقالات النقدية المستنسخة بل هي رواية عن “المقدسي” بامتياز.
ولكي يخرج المقدسي من قدسيته إلى ما بعد السور القديم والجدار الجديد كان عليه أن يهرب هروباً يليق بأسوار القدس وسجونها. وهو يقوم بذلك على أكثر من مستوى تشكل في مجموعها مشروع الرواية بفصولها الثلاث.


الجغرافيا
تبدأ الرواية بهروب المقدسي من مقدسيته المكانية إلى النقيض التام. فالجملة الأولى: “كنت وصديقي في مدينة سوخوي عاصمة إقليم أبخازيا” تفضح بما لا يدع مجالاً للشك شوق المقدسي إلى جغرافيا أخرى تحرره من ضيق المكان واكتظاظه إلى “العراء الفسيح” الذي يخلقه له الكاتب ليسيح فيه. هذا الشوق إلى عراء جموريات آسيا الوسطى ورحابة الريف الروسي يرافق القارئ على امتداد الفصل الأول (تانيا) بكل شخوصه ومشاهده.


الدين / التقاليد
في الفصل الأول يتجرد المقدسي كذلك من كل القيود الاجتماعية والدينية التي تكبله منذ أن حملت مدينته اسمها ويحاول أن يجعل من ذلك التجرد أغنية يكسر بها سيطرة المجرد الموروث لصالح الآني المحسوس: “كنا ثلاثة: تاتشنكا وأنا وقارورة مملوءة بابنة الكرمة العتيقة”. ثم يذهب أبعد من ذلك فيعلو غناؤه: “قلبتها على بطنها. انبطحت تقوم على ذراعيها والركبتين رافعة ظهرها … فركت أعضاءها بالراحتين …” محاولاً أن يجعل من أغنيته نشيداً لغيره ممن لا يجرؤون على البوح برغبتهم بالهروب.


التاريخ / السياسة
يهرب المقدسي في “ضحى” من تاريخه في غالب الرواية (الفصل الأول- تانيا  والثالث– ماري تريز) ويلجأ إلى أكثر من آخر قد يتقاطع مع تاريخه الذاتي حيناً كما في تراجيديا التمبلريز وقد لا يفعل كما في قصة القبائل المغولية في جبال تيان شن. وهو هنا لا يسرد قصة فقط بل يتعمد الإكثار من الإشارة و بانتظام إلى أن ثمة تاريخ هنا وهناك أيضاً وكأنه يصرخ: “دعوني وشأني فلست الوحيد الذي يكبله تاريخه.”


الهوية
خروج المقدسي من هويته (أو هروبه منها إذا أردنا) هو حسب اعتقادي مشروع متكامل في الرواية. ففي الفصل الأول برع الكاتب في تغييب الهوية بالتركيز على الشخصيات الأخرى ثم “تغريبها” بتقديمه حكايا على نمط “المقدسي في بلاد العجائب” ليبدأ بعدها وفي الفصل الثاني بتحليلها وتقصي أبعادها الباطنية والظاهرية ولو أنه هنا للأسف غادر موقعه الأدبي في أكثر من قصة وتبوأ مقعد “المفكر العربي” الذي قد يكون القارئ لجأ إلى الرواية هرباً منه بالذات. في هذا الفصل ينتصر على حد تعبير محمود درويش فساد الواقعي على خفة الخيالي. إلا أن الكاتب يعود لاحقاً إلى موقعه ليحاول أن يعطي للهوية بعدها الإنساني وأن يضعها في إطارها الكوني الشامل في الفصل الثالث الذي يروي فيه نكبة التمبلريز.
على مستوى الهوية بالذات تحسم حرب “الهروب/الانتقال” التي خسر الكاتب بعض معاركها حين جعل المقدسي يدفع “قدسه” أمامه ويصعد بها زقاق البلدة العتيقة وتلالها فلم يره القارئ ولم يراها. ولكنه انتصر في النهاية لأنه في سائر المعارك الأخرى ساعد المقدسي على الهروب من “مقدسيته” فوصل إلى القارئ وصدقه وصادقه ودق معه الكأس تلو الأخرى قبل أن يخرج جعبته في اللحظة المناسبة ويخرج منها “قدسه” فلا يستطيع القارئ/الصديق إلا أن يتأملها ويتملاها.
**رائد نعيم . ولد عام 1976 في مدينة هرفورد الألمانية. نشأ في عدة دول عربية قبل عودته إلى ألمانيا عام 1994. درس هندسة البرمجيات في مدينة ميونيخ. حصل عام 1999 على جائزة مدينة ميونيخ التقديرية للقصة القصيرة. نشرت له قصص قصيرة بالألمانية و قصائد بالعربية بالإضافة إلى ترجمات أدبية من العربية إلى الألمانية وبالعكس.



(مجلة "الدروب" المصرية)

السبت 4/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع