تحــــــدٍّ وبقـــــــاء


علا عويضة


يافا العتيقة الباقية.. صورة من العام 1907


أعلام بلادي
لن أرفع الرّاية السّوداء، لن أبكي على أطلال الأمل، لكنني سأرفع عاليًا أعلام بلادي، سأستمرّ في تدريس محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زيّاد، فدوى طوقان، حنّا أبو حنّا، محمّد نفّاع وغيرهم. سأزرع بذور الانتماء وروح التّحدّي، سأشعل صمت الصّبر وقوّة التّصدّي. سأُمسك يدَ لغتي، أصارع بها ألوان العنصريّة، أنسج بها خيوط الحقّ وأجعلها وشاحًا يُدفىء الأمل، وشاحًا أفرشه على وجه السّماء.




جلستُ على ضفاف الأسى أنظرُ إلى شمسٍ لَمْلَمَت ألسنَتَها، إلى طيورٍ تاهَتْ في مسارح الألم وإلى وردةٍ غَفَتْ على ضِفَّةِ الموتِ ورحلَت في أحلامٍ اغتالها الزّمان. أنظرُ إلى عاهرةٍ تقتلُ ورودَ الحياة وتغني، تدمّر المنازلَ وترقصُ، تغتال الضّحكات وتضحكُ، تخنقُ الأحلامَ وتحلّقُ. هكذا تحتفل بقوّتها، بوحشيّتها، هكذا تحيا. تسْلُبُ، تدمِّرُ، تقتلُ لتعيش.
عاهرةٌ تسكن حضن عشيقتها، تلتفُّ بثوب العنصريّة والفاشيّة، في فمها لعنةٌ وقذيفةٌ وفي عينيها دخان أسود. أولادها جنود الموت، قلوبهم مُظْلمةٌ، تنافس الصّخرة الصّماء بقساوتها. يمتصّون الضّياء ويبصقونه ظلامًا، يسقون عيونهم بعصير الشّرايين، يصفعون وجه الحقِّ، يمزّقون دمعة عجوزٍ تصرخُ صامتةً ويطعنون الفجرَ بدخانٍ أسودَ. يدوسون الحقيقة بحوافر العنصريّة والتمييز. وحوشٌ على هيئة بشرٍ يطلقون النّار على أسراب أحلامٍ تسبح في سماء تخنقها أنفاسُ الموت. يحاولون خَلعَ لون الأرض وتحطيم صوتها، يحاولون تكبيل يديها، مصادرة اسمها ووضعها في حجرةٍ منسيّةٍ لترقص مع شبح الموت.
وأمام مسرح الجريمة دولٌ خرساءُ، دولٌ مقيَّدةٌ بسلاسل الصّمت، عيون الإنسانيّة فيها مظلمةٌ. دولٌ هاجرت نسائمَ الوطنيّة وافترشَت الخيانةَ سبيلا.
في مسرح الجريمة عاهرات ووطنٌ؛ موت وحياة؛ مجرمون وأبطال؛ مجرمون يسحقون خدَّ الورد فينتفض الوردُ عطرًا في وجه السّماء، ينتزعون الفرح والقوّة من عيون الأطفال فتصير بذورًا في بيادر القلب. في تلك الأرض التي يرسم فيها المجرمون جرائمَهم البشعة، يسير تاريخٌ في دمعة الصّبر، في شقوق الزّيتون وفي ذرّات التّراب. في أرضنا المقدّسة أمّهات تطهِّرألم الأطفال بدموعها، تطرد أنفاس الموت من سمائهم وتغازل ضحكة الطّفولة بعيونها كما تغازل الشّمس بسمة الأزهار.

أسير في ظلّ سماءٍ تتنهَّد بأنفاس الموت وورود تهرب من أنياب القتل ومن مخالب العنصريّة؛ أسير في أزِقَّة الألم وقد مزّق القلق جفوني، هجّر طعمَ النّوم من عيوني، وملأ صدري بآلام التّفكير وحرقة الحنين.
أرتشف الغضبَ نسيمًا، في حنجرتي أغنية البقاء وعلى جدران قلبي قصائد وطنٍ لا تموت. أنا مَن تستحمُّ البسمةُ على وجهه بدموعٍ محروقةٍ، أطرد هالات الحزن التي تخنُقُ بسمة الفرح وأربطُ لسانَ الوجع بباقة وردٍ وقصيدة. لا تنكسر عزيمتي تحت أقدام الموت، ولا تصيب كلماتي مشنقةٌ صنعَتْها عاهرةٌ.

لن أرفع الرّاية السّوداء، لن أبكي على أطلال الأمل، لكنني سأرفع عاليًا أعلام بلادي، سأستمرّ في تدريس محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زيّاد، فدوى طوقان، حنّا أبو حنّا، محمّد نفّاع وغيرهم. سأزرع بذور الانتماء وروح التّحدّي، سأشعل صمت الصّبر وقوّة التّصدّي. سأُمسك يدَ لغتي، أصارع بها ألوان العنصريّة، أنسج بها خيوط الحقّ وأجعلها وشاحًا يُدفىء الأمل، وشاحًا أفرشه على وجه السّماء.
أنا بدون لغتي في غربةٍ، فالغربة أن تعيش خارج اللّغة، خارج الوطن، أن تكون عاريًا من الانتماء. لغتي قوميّتي، لغتي وطني.



(حيفا)


السبت 4/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع