"وهاي كانت زَلِّة عُمري!"


عفيفة مخول خميسة


بهذه الجملة ختم أبي، رحمه الله، قصة عنزتنا الختيارة "شهلا"، وقد غيّر اسمها لاعتبارات أخلاقية فصارت "أم الوفا"، وقد اشتُهرت بهذه القصة مضافة على سمعتها الطيّبة كولّادة وحلوب تكفي الأسرة ألبانًا ولحمًا. وصلت شهرتها الضواحي القريبة، وكثُر طلّاب إحدى بناتها، وكُنَّ قليلات بالنسبة لعدد الذكور. وبما أن ابن العم بِنَزّل العروس عن الفرس، فقد خصّ وليّ أمرها (والدي) الأقربين بالدرجة الأولى. لكنَّ أحدهم برى الطريق وبصطاره هبوطًا وصعودًا من وإلى كسرى، بدون طائل. فرجا: "صرلي ثلاث سنين حاطط دور... أنا بستكفي بالختيارة. بكفي تخلف بطن بطنين...". ضاق أبي به ذرعًا، وبشقّ الروح بارك له بها. ودارت بينه وبين أمي المطاحنات. وتحلف بأنّ مصريات العنزة مش حلال علينا! وتُضيف: "إلي ما بفهم بالكلمة الحلوة بفهم بالكرباج" (يعني القول الحاسم القاطع). وقد أخذ منه الحزن كلّ حيلة لتبرير "فعلته"... فردَّ قائلًا: "إذا كان فراق البدوي بعباي خليها بسوق العُبي"! يلعن أبو الشيطان! خلينا نروّق ونفكر كيف نرجعها... بكره انشالله.
لكنّ أم الوفا وفرّت عليه مشّقة الصعود والهبوط إلى البقيعة/المرج، وعادت قبل طلوع الضو، وطوق الجلد حول رقبتها دون الرسن! وجدته جالسًا على درج المدخل قابضًا على رأسه بكلتا يديه... احتكّت بهما دون أن تُصدر أيَّ صوت، ففضهما، وكان المشهد الذي ظلّ طافيًا على سطح ذاكرته كما تطفو الأمثال الشعبية على سطوح الأحداث اليومية، يحكي القصة بحذافيرها، ولا يحرجه اعترافه بالبكاء، وهو يستسمحها لقلة وفائه. "قلتلها إنت أوفى وأشطر مني... علمتيني درس على جلدي والله ما كنت أكذب لما قلت للزلمة هاي العنزة بركة خلقت تحت عيني، وبتموت بين إيديّ". وتبعها بما خطر له من الترضيات... "وهاي بدل السيجارة ثنتين!" وقد عُرفت أنها مدمنة على التدخين، تتبع سحابة دخان السيجارة ما أتاح لها الرسَن، ومتى حظيت بجرعة عن قُرب تلّعب ذيلها شكرًا وامتنانًا!
وقد صاغ فلسفة روّج لها: "إلي بقلل من قيمة الحيوان بكون قليل ذمة... واللي بتعلمش من الطبيعة بظل علمو ناقص إعرج، لازم يدور على حيوان يتعكّز عليه تيدلو كيف يمشي دغري".
عاد الرجل وقد قدّر أنها عادت إلى مسقط رأسها. فأرسلت لأبي نظرة ناطقة...ردها لها وعدًا: "تخافيش بعد بعيدها؟ هاي كانت زلة عمري!". ناول الرجل مقدمها ومؤخرها (حبة مسك) أصرّ عليها تساوي عشرين ليرة كتكفير عينيّ عن فعلته، وصرفه.
وثّقتُ هذه الحكاي كتابيًا ضمن اهتمامي بحفظ أبرز منحوتات ذاكرة الفلاح، وما أدراك ما هذه المنتقيات! لكن، وبقدرة عصرية يوم متحمس، كان ولد في الصف الرابع قدَرُه أن يولد في هذا الزمن، قد عاد من المدرسة مرفوع الهامة بعلامة 100/100 نكاية بالعلامة السابقة 88/100 مذيلّة بتوقيع أنيق متبوع بملاحظة مطرّزة بالخط العريض "عافاك يا بطل الأبطال". يبدو أن تحت لسانه طلبًا.. استجمع جرأته وطلاقته "وسمّع حكي": "ولاد صفي عندن تلفونات، وفلان عندو مجموعة من 7000 متابع!"، وبعد الأخذ والردّ، الاقناع والاقناع المضادّ، تبين أن المكسب المرجوّ هو الربح والشهرة! هذا موجع ومحيّر... والاَباء دائمو التنقيب عن حلولٍ "لا تموّت الذيب ولا تفني الغنم".
أما المكان ففي ظلّ شجرة العائلة الصغيرة. وأما الجبهات فاثنتان: معارضون لا يتمتعون بالمرونة العصرية، كما تدعي الجبهة المواجهة المؤلفة من حالم بالتواصل مع أطراف الأرض، يؤازره اثنان ابن عمه وابنه عمه وملامحهما تشي بأنهما يركبان على طلبه "ترمب" طلبين مسبقين. فاخترقت الصفوف بجملة اعتراضية. كانوا قد سمعوا قصة العنزة. قُلت "عارفين إنّا العنزة اللي كانت اتدخن تشردقت بالعسل؟" فاندفعوا باَذانهم مخلفين طلباتهم وراءهم. كانت هذه دعوة غير مباشرة تجمهروا حولها. وعلى ذمة هذا الملحق، كان أبي قد قدّم للعنزة كفًّا من الشهد، ما ان اعتصرته حتى فاض طعمه وأغرق لسانها، فماءت مستميتة بدعوة جدائها الثلاثة للاقتراب وتذوق هذا الطعم اللذيذ... فتشردقت وغرقت بدموعها ولم تحُل أزمتها هذه دون عتابه على تأخره بتقديم هذه الحلوى المدهشة. لكن أمرها ازداد سوءًا وكادت تختنق وتموت بين يديه (كما أراد) وبدأ يبكيها قبل أن تموت: "يبدو أنني سأنال عقابي" . لكنها، وبعد انصراف الرجل، استعادت نشاطها ومرحها... وأكرمها بسيجارة أشعلها على شرفها!
وهكذا تنتهي القصة محلاة بالشهّد، علّق اللميظ صاحب القضية: "بالاَخر يا ستي صارت القصة مخترعة بس مخيفة!! فهمت شو قصدك... قصدك منكولش إشي يمكن يخنقنا!! يعني شو قصدك إنّو التلفون بخنقنا؟!" قلت لا. لكنه مؤهل لخنق عقولكم الصغيرة. ما كان أسهل أن يصل هذا الخطاب إلى أصحابه بدون مقاطعة! وعلمت منه لاحقًا أنه أقنع أحد رفاقه بالتخلّي عن فكرة امتلاك تلفون! وهكذا استحقّ ملاحظة "عافاك يا بطل الأبطال".
(معليا)

الخميس 9/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع