خطة (ب) بعد الواجب النضالي الراهن لو تعنّت العنصريون:
أتصِرّون على دولة امتيازات يهودية؟ أوكي، نحن نريد حكما ذاتيا عربيا!


هشام نفاع


بوستر في الذكرى الثانية لقرار الأمم المتحدة الذي عرّف الصهيونية كعنصرية (ثم ألغي لاحقًا تحت بهجة أوسلو..)


احتمال الفشل
مع أن القانون يؤكد قُبح المعروف ويشدّد قوننة السائد والمقونن أصلا ومُسبقًا من عنصرية صهيونية وامتيازات قومية لليهود، فإن مجرد طرحه وتمريره بعد 70 سنة من استمرار ممارسة مضامينه عمليًا وتطبيقيًا، هو استفزاز للعربي واستهتار واستهانة وإذلال، وممنوع السكوت عليه. أمام هذه الوقاحة، هناك خط استراتيجي هام وجدّي يطالِب بإلغاء القانون. وهو خطّ يجب استنفاده حتى النهاية. لكن لنأخذ احتمال الفشل والتعنّت على القانون. وربما هو الاحتمال الأقوى. فما العمل؟




كي أكون صريحًا، فما زلت حتى الآن منفصمَ التفكير عميقًا بشأن قانون القومية الإسرائيلي. هو الانفصام بين وعي الحدْس وبين المعرفة بالتحليل.
من جهة أكاد أندفع للقول إنه لا جديد تحت الشمس البُنيّة الفاشية الصهيونية، فعلامَ إذًا كلّ هذا الصراخ. ومن الجهة الثانية يستفزّني ككل فلسطيني مجرد الإقدام الإسرائيلي على إعادة التأكيد الاستعلائيّة الوقحة والمهينة لما نعرفه ونشعر به جميعًا من  عنصرية قومجية في هذه الدولة: عرب تحت ويهود فوق.
من خلال إعادة التأكيد على دونيّة مكانة المواطن العربي بواسطة قانون القومية، هناك كأنّ من يمدّ أصبعه ليفقأ عينك بعد أن كبّل أطرافك وكتم أنفاسك وقهقه فوقك. لقد هيمنتَ وتسلطتَ تماما يا رجل، تقول، فلماذا الإذلال أكثر؟! لماذا الانحطاط بَعد؟!
أكيدٌ لا يمكن القول ببرودٍ هادئ إنه لا حاجة لفعل شيء ودعوا الأمور تسير كسابق عهدها، حتى حين يعتقد المرء بل يدرك أن القانون يكرّر المكرور العنصري. فالمسائل لا تتعلق بالضرورة دائما بالمضمون. وإنما بالشكل والسياق وبما يبثّه الفعل من بلاغات، حتى لو كان مراوحة في حيّز فعل سابق رديف أو شبيه. ربما هذا لأنّ السياسة عمومًا لا تتعلق بالمضامين فقط، فللشكل أهمية كبرى وأحيانًا قصوى.
هذا القانون لم يضف مدماكًا جديًا جديدا في المبنى البشع للصهيونية الاستعمارية - التي هي المرجعية والرّب وبمثابة الكف الاستعارية التي تحرّك أصابعها دولة اسرائيل. لقد عرفنا البلاغ منذ حين. منذ النكبة وقبلها. حين أنشئت دولة لليهود واستيطان اليهود وهيمنة للعبرية وللرواية الأسطورية الدينية اليهودية، تلك التي بنى عليها علمانيون وملحدون "طلائعيون" من طوائف اليهود في أوروبا مشروعَ دولة غريبة غربية في فلسطين المشرقية.
هذا ليس استعمارا عاديا، جاء فيه جشِع غربيّ الى فضاء شرقي أو جنوبي للاستغلال والاستثمار تحت غطاء التمدين والتحديث. بل هو استعمار مع قيمة مضافة: جاء فيه جشِع غربي مماثل الى فضاء شرقي واحد للاستغلال والاستثمار تحت غطاء (أخفّ) من التمدين ‏والتحديث، فهو يستلّ الكذبة الاستعمارية الرائجة وفقا لمقتضى المصلحة، لكنه أضافَ أيضًا زعمَ تملّك تاريخ وحاضر ومصير اليهود ودفعِهم نحو ما تقول رواية الدين والأسطورة إنه وطن اليهود الحصري المفقود.
أما كيف تصبح أساطير الدين أَلـْ مرجعية لعلمانيّ عَلَنيّ، فذاك ما لم يُتحفنا للآن، منذ 70 حَوْلاً، أحدٌ بجواب عليه يستوفي شرط العقل.. العقل، رحمة الله عليه..
وبناءً عليه، فماذا قال القانونُ إضافة لذاك العبث الرشيق، الذي أنتج كيانا سياسيا عسكريا علمانيًا حديثًا ولاحقًا محوسَباً، دينُه الأسطورة وديدنُه السلاح وعصَبُه رأس المال؟
وأمّا عن طمس لغتنا العربية بتغيير مكانتها، فلا حاجة للإسهاب. لقد كانت الحزينة لغة رسمية لنصف قرنٍ ونيّف في جنائن ديمقراطية إسرائيل الى أن جاء التماسٌ للمحكمة العليا طالَبَ باحترام تلك المكانة على لافتات الشارع على الأقل. ولمّا اضطرت سلطاتُ حربِ الشوارع لتطبيق الأمر كتبت لنا بالعربية: "عكّو" و"يافو" و"تسفات". بقي الشكل اللغوي وانمحق مضمونه. فماذا استفدنا من هكذا مكانة شكلية لحروف الأبتثيّة حين تتم إبادة المضمون وعلاقة الحرف\الدال بوطنِ دلالته؟ فصفد لن تعني شيئا لعُرْب ولا لعجَمٍ بصيغة "تسفات"، وعكا تُمحى محوًا عنيفًا بصيغة الـ"عكو"، حتى لو كتبت بالخطّ الكوفي.
أما بلاغات الـ "ممنوع الدخول، والتدخين، واصطحاب الكلاب" فلطيفٌ أنها بالعربية أيضًا، ممْنونون نحنُ، ولكن إذا كانت هذه ذروة تجسّد مكانة لغتنا الرسمية فأشرَف لنا التنازل. لأن هذه المكانة الرسمية المرموقة لم تخرّج طالبا يهوديا واحدا في ختام تعليمه المدرسي يتحدث عربيتنا بطلاقة، بل حتى بخَراقة، ناهيك عن جهل قراءتها وكتابتها. هذه المكانة لم تخلق مساحة ضئيلة واحدة فيها للعربية مكانة متكافئة مع شقيقتها العبرية (وهما فعلا شقيقتان)، ولا حتى في أقسام تدريس اللغة العربية وأدبها في جامعات إسرائيل حيث تدرّس لغتنا جزئيا باللغة العبرية.
فعن أية رسمية مفتقدة للغتنا نتحدث؟! علامَ ننتحب؟! هذه كذبة توازي في الحجم وربما الوزن رديفتها المدعوة: "تقيم (دولة إسرائيل) المساواة التامة في الحقوق اجتماعيا وسياسيا بين جميع رعاياها دون تمييز في ‏الدين والعنصر والجنس  وتؤمن حرية الأديان والضمير والكلام والتعليم والثـقافة ‏" - الواردة في وثيقة استقلال إسرائيل.
وأما عن المكانة الفُضلى لقيمة المستوطنات اليهودية فيمكن التعقيب بضحكة ساخرة. فهل سيُحدث هذا القانون تغييرا في حقيقة أن كل ما أقيم وبني من بلدات في هذه الدولة منذ نكبتنا عام 1948 كان يهوديا فقط؟ أي صفر للعرب؟ وحقيقة أن كل ما صودر هو أرض للعرب؟ هل يجب الغضب فقط لأن هذا تقونّن؟ هل القانون فعلا أشدّ إيلامًا وتهديدًا من الواقع، يعني من السياسة؟! وألا يفسّر هذا بالذات ردة الفعل الشعبية شبه اللامبالية بالقانون العنصري الجديد، قياسا بشبه حالة الطوارئ التي تعلنها "النخب العربية"؟ (هذا سؤال للسوسيولوجيات/ين والسيكولوجيات/ين).
ولكن، ولكن، ومع كل ذلك، مع أن القانون يؤكد قُبح المعروف ويشدّد قوننة السائد والمقونن أصلا ومُسبقًا من عنصرية صهيونية وامتيازات قومية لليهود، فإن مجرد طرحه وتمريره بعد 70 سنة من استمرار ممارسة مضامينه عمليًا وتطبيقيًا، هو استفزاز للعربي واستهتار واستهانة وإذلال، وممنوع السكوت عليه.
أمام هذه الوقاحة، هناك خط استراتيجي هام وجدّي يطالِب بإلغاء القانون. وهو خطّ يجب استنفاده حتى النهاية. لكن لنأخذ احتمال الفشل والتعنّت على القانون. وربما هو الاحتمال الأقوى. فما العمل؟ لربما في هذه الحالة يجدر أن يرفع المواطنون العرب، الأقلية العربية، الجماهير العربية، شعارا وردًا بسيطا وواضحا، عميقا وموجعا ومتحدّيًا:
أتريدونها دولة يهودية مع امتيازات لليهود، أتسنّون قانونًا توكيديًا كَيديًا بدلا من تخفيف الظلم؟ أتستمتعون بتهشيم قواعد اللعبة تمامًا؟ تمام، أوكي. إذًا نحن نريد حكما ذاتيًا، أوتونوميا، وإذا تماديتم فإننا نريد الانفصال.
فلا يمكن الخروج من هذا الحضيض بلباقة. وحتى الاستقالة الجماعية لنوابنا في "القائمة المشتركة" من الكنيست لن تكفي حين يتعنّت الصفيقون. مطلب الأوتونوميا حتى الانفصال تهديد. وربما أن هذا التهديد بالذات هو ما يمكنه دفع بعض الصهاينة المتغطرسين زيادة عن اللزوم، للعودة للواقع وإعادة التفكير في فرضية أنه يمكن دائمًا دوس العرب كهواية، كرياضة، كل إثنين وخميس، ومن دون توقّع أي ردّ مهدِّد أو موجع أو حتى مؤثّر.
لو تعنّت العنصريون، فإن كلّ ردّ أقل من هذا لن يجدي أي نفع. فلسنا أمام عقول يحثّها استفزاز نظري من عالم الفكر السياسي، ولا في حضرة ضمائر توقظها معضلات من عالم الأخلاق. نحن أمام زمرة حثالات. امام فاشيين من النوع الواطئ. لا تفهم سوى لغة التهديد. هذه الوقاحة الصهيونية تستدعي تقنيّات نيوتونية: ردّ فعل مساوٍ في قوة ‏التحدّي والوقاحة ومناقض له في الاتجاه.‏
ولمن يقول – بحقّ - إن هذا التهديد لن يحرّك المذكورين بالضرورة، فيمكن القول إنه ربما من شأنه تحريك الغالبية أو (الأقلية غير القليلة) اليهودية الصامتة أو المتلعثمة أو الجبانة أو البليدة أو المتكئة على صمت العرب، في مجتمع يهود إسرائيل وربما في مجتمعات اليهود خارجها. لكن الأكيد هو أننا بحاجة الى خطة (ب) لو تعنّت العنصريون: أتريدون دولة امتيازات يهودية؟ حسنًا. نحن نريد حكما ذاتيا عربيا!

السبت 11/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع