قصة:
جبال الريح (4)


محمد نفاع


السراج والشمعة
نظرهم قوي، يعيشون في الفلا، هكذا كنا في صغرنا، نقرأ ونكتب على ضوء السراج والشمعة وببور الكاز، اليوم!! حتى الاطفال مع نظارات نظر. كله تعويد والزيت يجلي النظر!! لم يكن يومها زيت ذرة، كوكز، وسمسم، وميّال الشمس، عشنا على زيت الزيتون الصوري، السميدة والزيت عمود البيت، زيت مع لبنة معزى بلدية. زيت مع زعتر اصلي، برّاوي، زيت مع دكاديك ذرة بيضا، وطلامي قمح من الخيط والزابود، ومعجَنة مفروكة مع طلامي ودبس وزيت، كول دبس وزيت وناطح الحيط. وباطِح "أي" ما اشتهيت.



في كل حياتي "أكلتُ" من أبي كفّين على يدي اليمين، ومن أمي ثلاثة كفوف قوية على مكان آخر ملائم من جسمي، كنا في طريقنا الى زيارة النبي شعيب في حطين، مجموعة من النساء والأطفال والدواب، قطعنا الطريق الوعري من البلد الى عين الأسد، تحت عين الأسد رأيت شجرة تفاح حاملة، نازلة من عينيها، لكن الوصول اليها مستحيل، بسبب سنسلة عالية جدا تفصلها عن ساحة العين، نظرت الى هذه النعمة، الى التفاح الاحمر الصغير الكثير بشوق ومحبة، فدَقّرت على العين وأضربتُ اضراب جلوس ومرمغة على الارض، وهو أول اضراب أقوم به، وشعاره: بدّي تفاح!! ضربتني أمي ثلاثة كفوف موجعة، حتى جاءت امرأة من دار "العروس" هكذا اسم العائلة، وأحضرت لي حفنة كبيرة من الحَب الشهي، وفَك الاضراب بعد ان حقق هدفه، ومن هناك أكملنا الطريق بين الزيتون في مواقع الريف وعين ام قطيش ودرب المغار وعمّورة الى المغار، ونمنا في المنصورة، وهي غير المنصورة قبال فسوطة، فيها حواكير وتين وصبر وجرانة نحل من طين ابيض. ورفضت الركوب على الدابّة، قطعت كل الطريق مشيا على الاقدام، يومها ولأول مرة شاهدت السيارة – أوطُمْبيل -، ومن دهشتي رأيت في السيارة يومها غير ما هي عليه في الواقع، اذكر أنها كانت عبارة عن قُرص واسع من الحديد بحجم فرشة ببّور الطحين، وقرص مدور يدور فوقها!! لا اعرف كيف. حكيت هذه الحكاية عشرات المرات، حتى قال عمي حسن:
- منيح!! حيّرتنا. أسكت عاد!!
وسأعود الى قصص وحكايا عن حطين لاحقا.
وفي نفس الجيل تقريبا كنا مجموعة من الاولاد نسرق جَرَنك من البلد، والشجرة كبيرة وعالية لدار قاسم لِحسين، ونحن نكتّ قلوب الجَرنك بالحجارة، جمال وسلمان وفضل الله وأنا، ملأنا جيوبنا ومشينا نواحي خلة العنق، لكن فضل الله ظل يقرش حبة جرنك، والتقينا مع نجيب الفارس وقال: شو في ثِمّك!!
فقال فضل الله: جَرَنك
- منين!!
- من غاد!!
- يلله قدّامي، كلكوا!! تعالوا دلّوني.
ساقنا أمامه كما يسوق شلعة سخول. وانضم الينا عدد كبير من الاولاد، ليتفرّجوا على القتلة التي سنأكلها من اهلنا، كان بيتنا اول بيت، وأمامه حاكورة وساحة واسعة. يومها قال شفيق على مسمع من الأولاد ومن أبي الذي كان في الدّار:
- يا اولاد تِحكوش لعمي حسين إنو محمد كان يسرق جرنك!!
حاولت تأجيل القصاص قدر الإمكان، ورحت أشرب من طاسة النحاس على قلة من مهلي، وفي رشفات وما بي من عطش الى هذا الحد.
أخذ أبي الطاسة ووضعها على الشقيف وقال:
- في أي إيد سرَقت يا عاطل!!
- في هاي!! في اليمين.
ضربني كفّين. وتفرق الاولاد.
والشقيف هو شقيف صوّان، كنا نحمل حجارة صوّان ونضربها على الشقيف في الليل حتى تشهب النار، في ومضات صغيرة جميلة، وكم قرقطنا اصابعنا بضرب الصوان على الصوان، حتى يهب الأهل والسّهّار ويصرخون:
- بَس يا عفاريت!! صَوَرتونا.
ونخبئ الحجارة الى الليلة التالية.
كنتُ وحيدا ومدللا، وأطلق أبي عليّ عدة ألقاب: نُص مْصيص، قاسم النّحس، الجرذون، شايب العديلة، كنتُ حِيَلجيا – محتالا.
اهلنا في الشغل، في الكروم او الزيتون، ونحن ندق بُحص، انا وأختي نايفة، لنعمّر أوضة بطون. اهلنا يغيبون كل النهار. وأترك نايفة تدق البحص، وأنا اروح العب. وميعاد عودة اهلي أرش على شعري وملابسي طحين البحص الابيض حتى أظهر اني عملت طيلة النهار. اما أختي فيزلّ عقلها وتروح تبكي وتتشكى، كان لسانها ثقيلا، فهي كما تقول ناتقة – متقمّصة – من بلاد الفُرس اسم أمها بدر، واسم أبيها صَنيور، وهي اسمها صالحة، وبلدهم اسمها – زيزي – فلُقبتْ بذلك. عندما كانت ترى فُرسا يمرون في البلد ويقولون: خَلي ولادِك يا ماما، يبيعون او يشحدون تظل تبكي حتى تعزمهم امي الى البيت. وليس من المؤكد انهم فُرس. بعدها سأل أبي عمي محمد، وهو شيخ تقي وعالم كبير عن "زيزي" فقال: أزيزو، هاي بلد حمزة بن علي، صلى الله عليه، من هناك ايضا سيدنا سلمان الفارسي صلى الله عليه، وكان اسمه روزَبَة وأطلق عليه الرسول عليه السلام اسم سلمان.
في العراق وإيران وبَلَخ وسيحون وجيحون الكثير من الانبياء والرجال الصالحين، مثل البلخي، وسيدنا أدهم، وعبدالله بن المبارك وأحمد السبتي...
كان عندنا اربعون طير جاج، ولبعض الدجاج اسماء مثل: نَجلا والدّيدبة، والزّعرا، والبْغيتة – وهي صغيرة الحجم، وللدجاج خُمّ واسع ومُعقال من عيدان حطب فوق الارض وتحت السقف ينام عليه، لأن الدجاج سبحان الله يخاف من النوم على الارض، وفي الخُم جورة واسعة فيها رماد، هناك يبيض الدجاج، وأمي تطول البيض في الشّطَبه وتبيعه الى يوسف الخوري، يوسف البعناوي وتشتري منه كرّار خيطان وسلايك وإبر خياطة وابرة منجّد، والكثير من حوايج البيت، مقايضة – ويوسف الخوري رجل جهام مع قنباز ابيض واسع ونظيف وحطة بيضاء وعقال وساكو بيضا. وإذا وجد في أي بيت امرأة مخلفة، كان يصر على اعطاء البيت سبعة – ثمان بيضات، هدية، مجانا، لأن أكل النفاس في تلك الايام كان طواية ثوم مع بيض، او بيضا مسلوقا، اذا لم يذبح اللحام ذبيحة. كل يوم كنت أسرق بيضتين من الخُم وأشتري بزر بطيخ من دكانة رفيق وفارس المندوه، ومع ان أختي نايفة كانت تأكل معي وبشهية الا انها تقدّم بيانا لأهلي بكلام ثقيل وهي تُتأتئ: وسَرَأ – سرق – بيضتين من الخُم واشترى بزر. وإذا رحتُ أدخن أعواد الفَقوع، او ورق كدْش مع جعساس او ورق عنب يابس تفسد لأهلي. حتى اجبرتها ان تدخن. كانت تدخن وتبكي، لكن انقطع الفساد، واليوم نتذكر ونتحسر على تلك الايام.
كان الدجاج يسرح في الدار، وعلى المزبلة القريبة وبيادر الربيعة وبيادر حسون وخلة عميرة، جاء نسر كبير واختطف دجاجة وحملها وطار بها الى خلة عميرة ووعرة محمد زيدان، لحقه أبي ونكّره وقد بدأ بأكل الصيد، وعاد أبي حاملا الدجاجة الميتة المدمّاه، فطبختها أمي – طبيخ عرس – جْريش غليظ مع مرقة دبس بندورة وحمص.
كنا نلقط سبَل القمح الساقط عن ظهور الجمال وهي ترجد الموسم من الحقل الى البيادر، ونرمي ضمم السبل او الشعير والقطاني امام الدجاج الذي يروح ينبش الحَب ويوقوق بفرح. وإذا ربخت قُرقة، تضعها أمي في زاوية البيت، وعندها ممنوع الصياح ولا الطقطقة ولا قَدْح النار بالصوان، لأن الضجّة تعطّل على القرقة ويُمذّر البيض.
أبي يحب الحكي عن امريكا، عن الارخنتين.
البدو من دار العَنّان، اليوم في سلاّمة، كانوا يسكنون في الزابود والجرمق، في شوادر وبيوت شعر، وعندهم معزى وبقر وجمال، وأبي في اول عمره كان يسرح في السخول ويوردها على عين البيضا، في الجرمق والزابود الكثير من العيون: البيضا والورقة والسمورة والحمَيمة، والجديدة، وبير السكر، وجرانة العصافير، جاءت صبية واسمها صنية العنان وقالت لأبي:
- لا تورّد السخول على العين يا عجي وِدْنا نشرب ونسقي الحلال!!
لكن أبي رفض هذا الطلب، فجاءت صنية العنان ووضعت صحن لبنيّة في الميّ، عافت السخول ولم تشرب، يأتي السخل ليغبّ، ثم يرفع رأسه ولا يشرب ويهز رأسه هزات سريعه.
بعد عودته من الارجنتين، وقد تغير زيّه، وربّى كريمته، ويلبس عمامة، كان عائدا من عكا في الباص، وحرمة بدوية تلبس الكبِر و"الحسينية" على راسها، راحت تدق نظرها فيه ولا تحيد نظرها عنه.
- مالِك يا أختي!!
- ناسي يوم ما حَطيتلك لبنية في عين البيضا!!
- إي!! وِلِك إنتِ صنية!!
بعد عشرات عديدة من السنين، كنت في سلاّمة لأداء واجب اجتماعي عند دار العنّان، فحكيت لهم الحكاي، ردّ واحد وقال:
- نادوها!!
جاءت امرأة متقدمة في السن، وراحت تحكي الحكاية، لهم اسماء جميلة، صْويلح – صالح – اسماعيل، خالد، هايل، قاسم، أحمد.
أبّنت أحمد العنان – أبو هايل – في جنازته، وكان صديقا لكثيرين من اهل البلد، وشركاء على البقر والمعزى. هناك وجدت الرفيق سعيد بدر ابن طرعان، فقال لي:
احتاجت حركة النساء الدمقراطيات الى بيت شعر لإقامة معرض  تُراثي في يافا، فاستدلّ الرفاق على أبو هايل وقدم لهم بيت شعر كبير اسود، وقال سعيد: بعدنا حامْلين جْميلتُه لليوم. ونشرتُ كلمة التأبين مع هذه الجْميلة في جريدة الاتحاد، وهي محفوظة عندنا وعندهم.
قبل انتقالهم الى سلاّمة، نزلوا في موقع "البلاّنة" تحت عكبرة، وعندما توفي أبو حمد اسماعيل من بلدنا، رُحنا أنا ونصّار ننعي. وصلت سيارة الجيب الى مكان بعيد عن بيوت الشعر، والدنيا ليل، عتمتها ثقيلة، فذهبنا مشيا على الاقدام حتى دهمنا بيت الشعر، وأم هايل هناك وتقول:
شُفتكم من بعيد!!
سألتاها عن أبو هايل فقالت:
- راح يطل على البَكَر – البقر –
تطلعت الى الشرق وقالت:
- هذاك هو هاه!!
أما نحن فلم نرَ شيئا.
هم نظرهم قوي، يعيشون في الفلا، هكذا كنا في صغرنا، نقرأ ونكتب على ضوء السراج والشمعة وببور الكاز، اليوم!! حتى الاطفال مع نظارات نظر. كله تعويد والزيت يجلي النظر!! لم يكن يومها زيت ذرة، كوكز، وسمسم، وميّال الشمس، عشنا على زيت الزيتون الصوري، السميدة والزيت عمود البيت، زيت مع لبنة معزى بلدية. زيت مع زعتر اصلي، برّاوي، زيت مع دكاديك ذرة بيضا، وطلامي قمح من الخيط والزابود، ومعجَنة مفروكة مع طلامي ودبس وزيت، كول دبس وزيت وناطح الحيط. وباطِح "أي" ما اشتهيت.
شربنا قهوة مرة في البلانة، وأبو هايل يقول:
- يا اسفِه على شريكي بُحمَد اسمعين.
كنت احب فرجيل وأتمتع بشعرِه، كما احب هوميروس، وعندما قرأت انه كان منحرفا جنسيا ويفضل عجان الغِلمان على الصبايا الرائعات الجميلات، بهت حبي له، وهام "دانتي" الرائع ببياتريتس وهي في التاسعة من العمر. كانت هنالك قوانين تحلل الزواج من بنات في عُمر عشر سنوات، هذا ما كتبه فلاديمير نابوكوف في رواية لوليتا، حيث أعطى نفسه الحق ليفعل فعلته مع لوليتا الطفلة ابنة الـ 12 سنة، وهي رواية معقدة جامحة.
ومن المستبعد ان أسهب فيما كانت بنات العشر سنوات يفعلنه معنا نحن الاطفال الاصغر منهن سِنا في جحروفة بيادر حْسون، حتى جاءت الامهات وفلفلتهُن بفِلفل بِحرِق في الموضع الحساس المذنب.
كانت أمي الورعة العاقلة تتضايق من أبي وهو يكثر الكلام عن الارجنتين، والمرأة كالطفل تحب التملّك والتسلّط. وكم امرأة تزوجت من أرمل او مطلّق وقلبت البيت فوقاني تحتاني حتى لا يظل من آثار زوجته الاولى شيئا وتتحكم في البيت وتتضايق من سيرة الزوجة الاولى.
عندما يتزاعل أبي وأمي تقول: بشّر القاتل في القتل، وبشِر الزاني في الفقر، وتكره سيرة الارجنتين، قد يكون بسبب ورعها او غيرتها او الاثنين معا، خاصة اذا كان الحديث عن النسوان، عندما كنت طفلا وتصايحا في الليل، قمت وقلت:
لا تْأرِّب – تقرّب – عليها ولا تْأرّب عليك!!
ظلاّ يتحدثان عني في كبري ويضحكان، يبدو ان هذا الطلب والتوجيه ساهم في الصلح، لأنهما راحا يضحكان تحت اللحاف، وأنا اذكر ذلك.
- هذا الولد شيطان إشمط، نُص مصيص.... العياذ بلله من شرّه.

السبت 11/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع