"تمام مكحول" للكاتب عودة بشارات: رواية تتجاوز الواقع لتعود اليه ولتنطلق من جديد


فيصل طه


دافعة للتأمل
رواية صريحة جريئة جديّة مشوبة بالسخرية والنقد البناء، بعيدا عن جلد الذات، مشيرة للعيوب، محفزة للتصليح والتغيير للأفضل، صادقة مع رؤية ناقدة بنّاءة، رواية مثيرة، ممتعة، تتجاوز الواقع لتعود اليه ولتنطلق من جديد، تستحق القراءة والدراسة دافعة للتأمل، للتفاؤل، للتجدد ولـ "الصباح رباح"، وبهذه الرؤية التفاؤلية يحسن الروائي عودة بشارات انتقاء نهاية مفتوحة لروايته، روايتنا، وينهي. "لا أفضل من الصباح للشروع في بداية جديدة". 


 
 رواية تمام مكحول للكاتب عودة بشارات، تلامس بل تتغلغل في ثنايا وتفاصيل معيشتنا بجرًاة ومعرفة لافتة للنظر، تلتقط بذكاء حيثياتنا، وتقف ساخرة وناقدة لحالنا.
استطاع الكاتب ان يلتقط صورًا من حياتنا وان يكشفها ويبعثها حيَّة، ونجح بمعايشتها والتفاعل والقارئ معها. استطاع الروائي ان يضعنا بمواجهة ذاتنا، وأن نطرح الأسئلة، نبحث عن أجوبة، نحدد موقفًا أو نتغاضى. انها رواية أبعد عن الرصد والوصف، اقرب الى المواجهة مع الذات، إلى رسم متفاعل، عميق بريشة نقدية تبرز أحيانًا سذاجة باهته وأُخرى حنينا للبساطة والصدق والى استيعاب سلس لتغيرات الحياة بعيدًا عن التعقيد وتسييسه، وكأننا نجول ونبحر بحرية واستقلالية وبساطة لا تعرف التمثيل والتصنيع. رواية صادقة مع الواقع ومتغيراته، تُشغل القارئ وتجعله في حالة مقارنة دائمة ومذهلة تتقافز زمنيًا من على صفحات فصول الرواية مرورا بالراهن الصعب عائدة الى واقع الأمس الجميل.
 تبدا الرواية بحدث حزين، موت تمام مكحول، موت فاجع مفاجيء أيقظ حبًا قديمًا دفينًا هامدًا في قلب ووجدان جواد عبدالله، والذي كان بإمكان هذا الحب لو استمر أن يُغيّر ويقلب مجرى حياته رأسًا على عقب، ويجعله أكثر انسجامًا مع ذاته !!. باغته هذا الموت واغرقه في زحمة الذكريات ناسجًا منها واقعًا خياليًا يهرب ويرتاح إليه، وكأنه كان ينتظر حدثًا قويًا صادمًا كهذا ليقوم بتصحيح مسار حياته الرتيبة إلى ما هو أفضل وأكثر حيوية. لقد اهتم جواد، الشخصية المركزية في الرواية، اهتم وبشغف لقراءة مذكرات تمام، فتكشفت له حقائق وتجارب مريرة لم يرد ان يعرفها، وجعلته مصدوما واجمًا أمام تفاصيل بعضها مأساوي، والاخر مغامر، مما أثار لديه الفضول لمعرفة دقائق الأمور والانغماس في التفاصيل، ليجابه بحزم من صديقته القديمة الجديدة، سامية، بأن "يتوقف عن هذا الجنون في نبش الماضي وجعله عقبة في وجه المستقبل" وأجابها مُعللًا  بانه "تعلَّم الكثير، وتعرَّف على كنوز غائصة في الاعماق" وأردف "ان العالق في وسط البحر الهائج يبحث عن الميناء بينما المنتظر على الميناء يتوق للابحار". وكأنه يقول، لا أحد يرضى بحاله، وأن الانسان يبقى يراوح ما بين الواقع والمنشود، علَّ المنشود أفضل، ولكن ليس بالضرورة!، كالسمكة التي تنجذب لداخل الشبكة طمعًا بالطعام بينما التي بداخلها تتوق التحرر من قيدها نحو الخارج، كلاهما يميل إلى مكان الآخر، ظنًا انه الأفضل.
 لقد أدّت قراءة جواد لمذكرات حبيبته المرحومة تمام إلى يقظة مرتبكة، وإلى صحوة من هيامه وخياله الرحب وعودة الى الواقع، واقعه هو.
 إن الإستكانة للواقع تُعيق امكانية الانطلاق والإبحار، وتعبث بريشتنا في رسم حياة وردية تخطُّها أنامل عاشق آمل بغدٍ مغاير، ان الإنشغال بهموم وتفاصيل الحياة يبعد المرء عن ادراك معناها، و يجعله اقرب الى غرائزه وأبعد عن انسانيته، وكأن اللحظات الشاعرية والإنسانية هي استراق لبعض لحيظات جميلة من زحمة الحياة، من واقع قاهر، او رتيب غير مدهش.
يتجاوز االروائي المُحسِّنات اللغوية بأنواعها وأشكالها المتعددة إلى بساطة التعبير واقترابه إلى لغة الناس المحكية المحلية الواضحة، مُضمنًا اياها العديد من الأقوال والأمثال الشعبية المحلية، مُرتكزًا على الوصف الدقيق للأمكنة والأطعمة والألبسة وغيرها، في ظل زمانها، وكأنه يوثق بأمانة تاريخية وتراثية جُلَّ أشكال ومضامين مراحل حياتنا المحلية منذ النكبة إلى يومنا هذا.
احثل الحوار مع الذات ومع الاخر مساحة جدِّية في حركة النص الروائي، وقد انساب الحوار جاريا بحرية وسلاسة وفق مسارات حددتها أحداث الرواية بأيامها المؤرخة والمتأرجحة ذهابًا وإيابًا بين سنوات الثمانين من القرن الماضي إلى أيامنا هذه، ضمن حركة جدلية يتداخل بها المكان بالزمان، بدءًا من الناصرة إلى حيفا ورام الله وباقي بلدات الوطن وخارجه. هذا الحراك الكلي المتلاحق، المتشابك، المتلاحم والمتفاعل تجعل القارئ مشدودًا بشوق إلى متابعة التفاصيل، وتتركه في حالة تأمل وتخيل خلاق، مما يمنح الرواية جمالية ومساحة ابداع واثارة بعيدا عن التقريرية والرتابة المملة. 
أثارت الرواية ومنذ بدايتها، قضية انسانية مُقلقة تتعلق بشريحة المتقاعدين والتي تزداد اتساعًا في مجتمعنا العربي المحلي. يتساءل جواد "ماذا ينتظر الانسان بعد اقترابه من سن الستين؟"، يجيب "كل شيء انتهى أو كاد!" ويستدرك "بقي له الكتاب ورؤية العالم"، ثم يراجع ماضيه ويغرق في هواجس تبعث القلق والحسرة على منحى ومجرى حياته الذي لربما "كان أكثر انسجامًا مع ذاته لو اتخذ لها مسارًا آخر".
خروج الإنسان إلى التقاعد، يفقده "عَظَمَة العمل الذي يخلصنا من الغوص في اعماق أنفسنا"، ويدخله في معاناة يومية قاسية مرهقة، حيث الفراغ و العزلة والوحدة والإنغماس في الذكريات وايقاظ بعضها حسرة وشوقًا لفرصٍ فائتة أُفلتت منه. بدأ نبش الماضي حين خرج جواد للتقاعد المبكر، وهكذا بدأت حياكة الحكاية، الرواية، إذ أصبح لموت تمام في فترة تقاعده عن العمل مكانة واسعة وعميقة في ذهنه، أثّر على سلوكه ومواقفه وقراراته المستقبلية.
لم يخل حوار الشخصيات من تصادم وتشابك الرواية العربية الفلسطينية بالرواية الصهيونية حول الصراع على المكان ومصادرته، وتحويله الى قرى مهدّمة مُهجَّرة.
اتخذ الحوار مسارا انسانيا رافضا للعنصرية، وكان جادا مُجديا وعقيما في آن، أشبه بحال المتشائل. كان يكفي الكاتب أن يُظهر "الشارع الفاصل بين المدينتين، نتسيرت عيليت والناصرة، كأنه فاصل بين عالمين"، ليطرح تساؤلًا خفيًا !!، مركزيًا حول ماهية وجدِّية دورنا المحلي، وإمكانية تأثيرنا ضمن هوامشنا، على محيطنا، وعلى إحداث التغيير نحو الأفضل رغم الظروف الصعبة.
 تتجلّى في الرواية، وفي أكثر من موضع، الاشارة إلى واجبنا بعدم الاكتفاء بتحميل المسؤولية الكاملة عن سوء أوضاعنا على الاخرين، على السلطة الرسمية وسياستها العنصرية فقط، وتبرئة الذات من المسؤولية، بل واجبنا أيضًا أن نُحَمِّل أنفسنا جزءًا ليس بالقليل من هذه المسؤولية، والعمل الجاد لتحسين حالنا، وعدم التقاعس بتاتا، اذ من السهل تبرئة الذات، لتبرير العجز. حرص الكاتب ان لا يتركنا في حالة عجز كسِمة مجتمعية راكدة بل سعى للإتيان بنماذج ايجابية حيَّة تثير الاعتزاز، كارتفاع نسبة وعدد المتعلمين العرب، ودور "الدول الاشتراكية في تعليم بناتنا وأبنائنا"، وخروج المرأة إلى العمل، وأصبحنا نجد "البنت الطبيبة"، وغيرها في شتّى مجالات العمل والمهن إضافة لنشوء منتديات شبابية، ولقاءات تجمع شبابا وشابات حول برامج اجتماعية، ثقافية، فنية متنوعة. لقد عرض الروائي امام القارئ انكشاف شبابنا للأدب والثقافة والفن العربي، مثل روايات نجيب محفوظ،، والكاتبة العصرية السعودية بدرية البشر مؤلفة رواية "غراميات شارع الأعشى"، والشاعر العراقي مظفر النواب، وشعر نزار قباني، والكاتب العبري أ، ب، يهوشع، وسماع أغاني أُم كلثوم، ومشاهدة "مسرحية شاهد ما شافش حاجة" لعادل إمام، لكونها علامات بارزة لمرحلة تواصل ونهوض ثقافي فنّي.
الرواية تحاكي توثيقًا لسيرة ذاتية شاملة لشابات وشباب هم أقرب الى جيل الكاتب ولأهل المرحلة، مرحلة بقائنا في وطننا، واندماجنا المجروح في المجتمع الإسرائيلي. لقد كان الكاتب مباشرًا في ذكر اسماء المقاهي كما هي "أروما، فتوش، منزو", وحرص، ومن خلال شخصياته، على نقل صورٍ واضحة عن عاداتنا ومناسباتنا، وخاصة الجنازة وبيت العزاء فقد أدخل وصفًا شمل أدق التفاصيل، كتوزيع المقاعد وترتيبها وما تحمله من منافض، وعلب السجائر بأنواعها الثلاثة، ومكان تجمع الشباب في طرف الساحة لمعالجة الجمر في مناقلها المتنوعة الأحجام، وإلى صناعة القهوة ووضعها في "المعاميل" وتقديمها للوافدين الآتين من البلد، ومن باقي البلدات القريبة والبعيدة، ليمتد وصفه للأحاديث الخاصة، وللتوتر الناجم عن مدى الانتظار، ولمسار التشييع، ولطقوس الصلاة، وللوعة التوديع ولباقي المراسم التي لم يُترك لها مجالا للإفلات من الرصد.
أحاطت الرواية بعضا من عيوب حياتنا الاجتماعية الهدّامة، كالتحرش والاعتداءات الجنسية داخل وخارج العائلة، وما يرافقها من مواقف متناقضة، مُبررة ورافضة أو غير مبالية، تاركةً الضحية عُرضة للتخبط ببن الشعور بالذنب والعار، بين اتهام الذات وبين اتهام المجرم الحقيقي، حالة تناقض صارخ نازف ومؤلم وما زال.
 وبالمقابل كشفت الرواية عن الملاحقة السياسية القذرة اتجاه النشطاء السياسيين العرب و"محاربتهم بلقمة العيش" ودمغهم بـ"النقطة السوداء" واستعمال المخابرات لوسائل تعذيب وإذلال، واستغلال جسد المرأة لعملية ابتزاز دنيئة ومُهينة.
تضمنت الرواية أقوالا وأمثالا شعبية عديدة تتلاءم والأحداث والمواقف وتشير الى ثراء تراثي عميق لدى شعبنا العربي الفلسطيني، والى معرفة الكاتب الواسعة بهذا التراث، والى مدى قدرته على انتقاء الأكثر ملائمة للحدث."الذي يده بالماء ليس كالذي يده بالنار"، والمثل الخنوع "امشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة"، " النفخ في قربة مثقوبة"، اضافة لأقوال خاصة بمجتمعنا من الصعب ان تجد لها مرادفا في لغات اخرى "قطع الحكي"، "لا قدامي ولا وراي"، "افرد الطاولة"، والى دخول مفردات حديثة تدل على فترة ظهورها وارتباطها بالتطور العلمي والتكنولوجي " فيس بوك، واتس أب، سكايب، ستاتوس،انترنت.." وقد أظهر مواقف ايجابية لبعض العادات مثل" مشاركة الأتراح أفضل ما بقي للعرب من عادات" وأنه في الأعراس "يحب دعوات العشاء ولا يحب القاعات"، وقد بعث الكاتب، ومن خلال شخصيات في الرواية، رسالة تربوية صائبة حول اساليب التدريس الجيّدة، وأن المعلم المتميّز هو القريب من الطالب والمتفهم له "ولا يتحدث من فوق، بل يفهم نفسية الطلاب.. له طول بال" وقدرة "على شرح ما ليس واضحا".
نجح عودة بشارات أن يشد القارئ الى أحداث الرواية ويجعله متفاعلا، متداخلا في أجوائها ليجد نفسه أحد أبطالها العالم ببطونها، وكأنه الشاهد الشخصي لمجريات أحداثها.
رواية صريحة جريئة جديّة مشوبة بالسخرية والنقد البناء، بعيدا عن جلد الذات، مشيرة للعيوب، محفزة للتصليح والتغيير للأفضل، صادقة مع رؤية ناقدة بنّاءة، رواية مثيرة، ممتعة، تتجاوز الواقع لتعود اليه ولتنطلق من جديد، تستحق القراءة والدراسة دافعة للتأمل، للتفاؤل، للتجدد ول "الصباح رباح"، وبهذه الرؤية التفاؤلية يحسن الروائي عودة بشارات انتقاء نهاية مفتوحة لروايته، روايتنا، وينهي. "لا أفضل من الصباح للشروع في بداية جديدة".


(الناصرة- صفورية)

السبت 11/8/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع