جبال الريح (7)


محمد نفاع


على الصاج
ترش شيئا من العَرْك وهو طحين خشن غير منخّل حتى لا يلزّق العجين مع بعضه او في أرض اللجن، بعدها تروح تشعّل النار في الموقد وتُعالي الصاج "المطوّش" بالرماد والماء، راقة سميكة محزّزة بالأصابع، وإذا قبعت طوشة الصاج ينشعط ويحترق الخبز، عندها أكون جالسا قرب امي وهي ترقّ العجين على مرقّة الخشب، بصوت مألوف ومعروف وتَليحُه حتى يتسع وتلقحه على "الكارة" الثقيلة الخِمله الواسعة عن ذراعها، ثم على الصاج، فيروح الرغيف ينشّ ويُبقبِش بقابيش صغيرة كثيرة، وذلك يعني ان العجين خامر غير معوّص.



في فصل الشتاء، نذهب الى المدرسة، في الدروب الموحلة، والزمهرير، المشايات والكنادِر عتيقة وممزقة، ينفّد الماء العِكر البارد على أرجلنا، وغرفة الصف باردة، أصابع ايدينا تُقرفِش، وأصابع أرجلنا تشفُطنا وتُلهينا مثل النار، تلاميذ الصف الثاني في ايام الثلج يكدّسون الثلج على عباية أحمد الكنج، وهي عباية سيده حسن، حمراء مع مشحات بيضاء فلا معاطف ولا جزمات ولا كلسات، يدفعون أحمد امامهم وندقّ على دار المعلم الذي سكن في دار سليمان لْواح او دار سلمان الذيب، يفتح المعلم الباب في الصباح الباكر فيهيل الثلج باب الغرفة – القبو – فيقول المعلم: روّحوا روّحوا فِش مدرسة، ويكون يوم عيد بالنسبة لنا، نبدأ نتراشق بالثلج، حتى لو كانت الثلجة خفيفة او في اولها، ولتدفئة أرجلنا، كنا نضع رمادا ساخنا – مَرْمَعون – من المواقد في احذيتنا العتيقة المنوعة. ونحن نصغي الى اولاد الصف الثاني يسمّعون المحفوظات، وقد حفظتها قبل ان نتعلمها:
زهر اللوز
أزهرَ اللوزِ أنتَ لكل زهرٍ
  من الأزهار يأتينا إمامُ
لقد حسُنتْ بك الأيام حتى
  كأنك في فمِ الدنيا ابتسامُ
*
الوَرد
للورْدِ عندي محل
لأنه لا يُمل
كل الرياحين جند
  وهو الأمير الأجلّ
*
وكم كنت استحلي محمد العبدلله وهو يُسمّع:
بَقرتَ شُوْيهتي وفجعتَ قلبي
وأنت لشاتِنا ولد ربيبُ
غَذيتَ بدرّها وربيتَ فينا
فمن أنباكَ أن أباكَ ذيبُ
عن العجوز التي اشفقت على جرو ذئب فحملته وأرضعته من لبن غنمتها، فلما كبر قتل الشاة.
كل الاولاد شياطين، سمعت أبي يحدث: كنا أنا واسماعين ابن عمتي حمدة نتفرج على العجايز وهن يشلحن ثيابهن والقنابيز فوق التنور، وهناك يتناوبن على كتّ القمل فوق جمر التنور، كان القمل كثيرا في الملابس وفي شعر الراس، قمل ونمانيم وصيبان وهو بيض القمل، يحترق القمل ويفرقع في النار، ونحن نحضر نتفة ملح خشن ونرشه على النار وتزداد الفرقعة.
- ولَو!! كله هذا قمل يا لعينه!!
ثم يكتشفن الحيلة:
- هذا على لباسات إماتكو يا ولاد الكلب.
والأم تقول لولدها: أقعدْ أسلِتْ لكْ راسك، قوام. تضع بين أسنان المشط المربع خيطان الكرار، وتقحف أعشاش الصيبان من رأس الولد قبل ان يفقِس، فايز وجميل ونجيب أتْيس ولاد في الصف الرابع، والمعلم حنا يحبس فايز عن فرصة الغدا، وشاءت الصدف ان يأتي بياع السمك ومعه اربعة صناديق سردين على ظهر البغلة، ونحن نتمنى ان يكون اهلنا سمعوا عياطه وهو ينادي على السمك.
أهل فايز اشتروا رطل سردين وفايز محبوس والاولاد يقولون: فايز احترَم السمكات، أي خسرهم، فما كان مني إلا ان ذهبت الى المعلم حنا جبران وقلت:
معلمي، اهل فايز اشتروا سمك وهو محبوس، حرام!!
وتفاجأت ان المعلم راح يبكي، جرّني على يدي الى غرفة الصف الرابع، وفايز محبوس وواقف في القُرنة وقال:
روّح، روّح حبيبي تغدّى، وظل المعلم يشهق ويبكي، وقال الأهل: المعلم حنا أبو وْلاد دبّت الشفقة في قلبه، وقد يكون هذا أول عمل مليح قمت به.
وعندما كانت خالتي شهربان تفوّر الحليب على نار الموقدة، رشيت كبشة حَبّ ميس اسود ومستوي في النار، وراح الميس يفرقع بشدة، وهي تقول:
اسم الله الرحمن الرحيم!! شو هذا!! وفار الحليب على النار، اما أنا فشمعت الخيط وانهزمت.
كنت أحب الذهاب مع امي الى المطحنة – ببّور الطحين، خاصة ايام الشتاء والبرد، المكان دافئ، ورائحة القمح والطحين لها نكهة عبقة، ومجموعة من النساء ينتظرن بالدور، يتحدثن بأصوات عالية لأن صوت البّبور قوي، القسطل على السطح ينفث دفقات الدخان بانتظام بوه بوه بوه، اما في الداخل حيث ينزل القمح من الدلو الى الفرشة الحجرية ويُطحن فهنا حزمة كاملة من النغمات، بعضها ناعم عميق يشبه الأنين المتواصل، والطّحان يلبس شروالا وسترة بلون الطحين، والدقيق ينزل من كيس يشبه المخلاة الى الوعاء، والرجل يلقي يده ويفحص اذا "نعمت الطحنة".
وهناك لجن كبير تضع الواحدة فيه حفنة طحين او غَرفة من التنك للفقراء، وبعدها رأيت تنكة يكفتون فيها وقيّة زيت من كل بيت للمحرومين الفقراء، وهكذا مع طحين الذرة والجريش.
- لوجه الله تعالى.
- الله يطعمنا ويطعم جميع خلقه.
- إن طِلع الموسم، على الجميع.
الكثير من هذه الكلمات التي تقال، أحفظها لغاية اليوم، المعّازة يطحنون الشعير للكلاب، خبز الشعير خشن كالح غير متقن وغير ناضج، ضيق يشبه الأقراص، ومع ذلك فهو الطعام الوحيد للكلاب السارحة مع المعزى.
الطحين النازل من المطحنة، دافئ وسخن وكذلك البرغل، كنت ألحّ على أمي ان تخبز فقط ايام الجمعة والاحد، ايام عطلة من التعليم. تعجن ليلة الجمعة او الأحد مدًّا من الطحين في لجن نحاس كبير، بعد ان تنخّل هذا الدقيق وتذوّب الخميرة، وهي قطعة عجين عتيقة يابسة، تظل تفركها حتى تذوب، ولصوت العجن نغمات مثل الطعوسة في الماء، والعجنة الواحدة بحاجة الى سبع ثمان سقوات حتى ينعم العجين، وأمي تحف داير اللجن بأصابعها وتقلب العجين عدة مرات وتتركه ليرتاح، بعد ان تصنع بأصابعها خمسة تجويفات صغيرة، ثم ثلاثة وتقول بورع:
عَجنتك وتعبت فيك، بَرْكة الخمسة والثلاثة تحطّ فيك، لم أكن اعرف ما تعني، بعدها عرفت ان الخمسة هم الخمسة المعصومين "معصومين عن الزواج، العقل والنفس والكلمة، والسابق والتالي"، والثلاثة هم الثلاثة المكرمين "الجَدّ والفتح والخيال".
وقبل ان تبدأ الخبز، ومن قبل النهار، تفحص العجين إن كان خامرا، وتروح تروجه وتقول:
- سْميدْ الله قبل يَدّي. وتعني اسم يَد الله قبل يدي وعندما يعلّم الضو، تروح تقطُم العجين الى قُطم صغيرة، تغتها بالعَرك الموضوع على المِيزَر، وهو وعاء سميك وواسع من القماش، ثم تدور هذه القُطم بيديها حتى تصبح مالسة، وكل واحد مَلوِ الكف، وتصفطها في اللجن، ثلاث راقات، وترش شيئا من العَرْك وهو طحين خشن غير منخّل حتى لا يلزّق العجين مع بعضه او في أرض اللجن، بعدها تروح تشعّل النار في الموقد وتُعالي الصاج "المطوّش" بالرماد والماء، راقة سميكة محزّزة بالأصابع، وإذا قبعت طوشة الصاج ينشعط ويحترق الخبز، عندها أكون جالسا قرب امي وهي ترقّ العجين على مرقّة الخشب، بصوت مألوف ومعروف وتَليحُه حتى يتسع وتلقحه على "الكارة" الثقيلة الخِمله الواسعة عن ذراعها، ثم على الصاج، فيروح الرغيف ينشّ ويُبقبِش بقابيش صغيرة كثيرة، وذلك يعني ان العجين خامر غير معوّص. والعويص خبز ضيق معجون وممسوح بالزيت على المرقة، رقّة الصبايا للعجين قوية منغمة جهّالية تختلط مع رنة الأساور على الزنود، اما النساء الورعات فلهن طريقة خاصة ونغم خاص روحاني.
ودوري انا ايام الجمعة والاحد، فأقعد قبال النار وأعدلها تحت الصاج بحيث لا تكون قوية ولا هامدة، والحطب اليابس على وِسع الموقدة وليس على جانب واحد. قمح ارض الخيط حيّيل، والرغيف المقلوع عن الصاج مدوّر غير مشرتح وبلا شلاطيف.
رق العجين عزام، ودقة المهباج عزّامة.
وعندما يستوي الرغيف اقول لأمي: إقلعيه.
لكن الاهم اني اتفرج وأستحَلي الخبز، يخرج الرغيف يابسا مقحمشا مجوّرا، قبل ان تفجّه على شرشف ابيض وتنمش كل رغيف برش نقاط الماء عليه بأصابعها وتتركه حتى ينشف وتصفطه على المخبزة الواسعة الملوية بقش القمح. فقط قبل ايام من اليوم تساءلت: كيف يصمد الخبز ولا يعطبن ولا يخضرن، ففي تلك الايام لم تكن هناك برّادات فقالت نوال ابنة اختي: كانت الخميرة طبيعية وليست إفرنجية مثل اليوم!!
- في ذمتي في وجداني الحَق معك!!
بعد ان يقلع الصاج تدمل أمي حبات بطاطا وبيت نجان وعرانيس ذرة من كرم النصيبة، اذا صادف ذلك في الموسم.
اليوم أنا واجيالي والاكبر مِنا من النساء والرجال، نتألم ونحن نرى اكياس الخبز معلقة على الدروب طعاما للمعزى والغنم، ترى ذلك في كل دروب وطرقات البلد، وفي قرى اخرى.
ايام قبل كنا نضبّ القحموشة عن الارض، نبوسها ونحطّها على راسنا، البعض يأكلها، والبعض يرميها للدجاج والحمام.
في زمن السّفربَرْلك كان عسكر الاتراك يستولي على الخبز ويسأل: يَكمك يَكمك وتعني الخبز، ومن هنا جاء اسم الكماج، أي خبز الفرن والكماج.
في تلك الايام جاء الجراد وأكل الاخضر واليابس، واضطر الناس الى اكل خبز البلوط وعاشت بعض البيوت على الشومر والشّنينِة أي المخيض وغنوا:
شومر وشنينِه طيّب
وسِعر القمح بشيّب
وأحد الفقراء قال يخاطب واحدا غنيا:
لا بد ما نِغْتني ويصير عِنا طحين
ويسمع الجيران رقرقة العجين
قبل سنوات جربت خبز البلوط الذي سمعت عنه، يسلقون بلوط المَلّ والسنديان حتى تخف مرارته، ويتركونه ليجف ويدقونه على بلاطة الكبة حتى ينعم، واي طعم رديء مُر له، وهو خبز خشن غليظ.
- ما أمْحنَك واكثر غلبتك!!
- الله لا يعيدها هذيك الايام، ايام الجوع.
مات واحد من اهل البلد من الجوع، في الطريق بين طيطبا والخيط. لأن الاتراك والجراد قضوا على الاخضر واليابس، خاصة الجراد الزحّاف.
في الصف الثاني تعلمنا بيتين من الشعر عن الجراد:
مَرّ الجراد على زرعي فقلتُ له
لا تعيثنّ ولا تشغَل بإفساد
فقال جراد منهم فوق سنبلة
إنّا على سفر لا بد من زاد
ومع ذلك هناك من يأكل الجراد مثل سليمان بن داود.
جاءت سليمان يوم العَرْض هدهدة
وأهدتْ له من جراد كان في فيها
وأنشدت بلسان الحال قائلة
إن الهدايا على مقدار مهديها
لو كان يُهدى الى الانسان قيمته
لكانَ يُهدى لك الدنيا وما فيها
سلامنا الى الاديب الفلسطيني وكتابه "الاطفال يطاردون الجراد" وأي جراد!! زحّاف وطيار غرز في فلسطين!!
وتحكي أمي: ستي زينب كانت "تقرط" في حرف القاف وتلفظها آف. كانت تقتل الجراد وتغني:
يا جراد الحندؤوء
إلْحأ امك وِلْحأ بوك
أي جراد الحندقوق الحق امك وِلحق بوك
وأين خبز الذرة والشعير من خبز القمح: رغيف الشعير يكفي لباب الدار، ورغيف الذرة لمشوار، ورغيف القمح لطول النهار. مع عدم الاستهانة بدكاكيك الذرة البيضا المغمسة في زيت طيب وحتى مع لبنة وجبنة بلدية، اكلت فطيرة ذرة مع جبنة في تفليس عاصمة جورجيا، عند تمثال الملكة تمارا ونهر قوره وقلنا: ديدي مادْلوب – أي شكرا جزيلا للتمادا نادار – رئيس الطاولة ومشروب التشاتشا القوي، ومعنا المدرّسة الرفيقة – فالنتينا ايفانوفا بكروفسكايا. (يتبع)

السبت 8/9/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع