الرؤية المغايرة (1)

د. فياض هيبي


يكفي "المتخيّل"!
هناك إشكالية أو "مطبّ" وقع فيه الكاتب، تتمثّل في وصفه لمكان (وارسو) لم يزره من قبل (باعتراف الكاتب). اعترفُ مسبقا أنّ الوصف دقيق (ص:17)، يوهم القارئ بمعاينة الكاتب لتفاصيل المكان بصفة شخصية (مما دفعني أنا كذلك لاستفسر عن المسألة من الكاتب مباشرة!). ولا تزال هذه المسألة مثار نقاش وجدل جديين بين النقاد والكتاب: كيف يمكن لكاتب أن يصف مكانا لم تدسه قدماه؟ وهل يفي "المتخيل" بالغرض السردي في هذه الحالة؟ وكمن يصف مكانا له خاصيته الجغرافية، التاريخية والسياسية (القدس مثالا) وهو لم يزره فعليا! وهذا يتعارض، بتقديري، مع صلة الأدب بالواقع عموما.



يعود الكاتب سهيل كيوان مع إصدار جديد، رواية هي الرابعة في ترتيب إنتاجه الروائي، إلى جانب إنتاج أدبي غني، من مجموعات قصصية، وقصص للأطفال ودراسات أدبية. لا تهمنا المسألة الكمية في الإشارة السريعة السابقة، بقدر ما يهمنا حضور الكاتب في المشهد الأدبي القصصي المحلي والعربي على حدّ سواء. وبذلك نعيد ما أكدّناه في قراءتنا السابقة لمجموعته القصصية الأخيرة "مصرع حاتم طيّ"، بأنّ كيوان استطاع أن يدخل المشهد الروائي المحلي والعربي عموما، والكتابة الساتيرية منها بصفة خاصة، من أوسع الأبواب. وهكذا تكون العودة لنصّ الكاتب الجديد: بلد المنحوس (مكتبة كلّ شيء، حيفا، 2018) قراءة ونقدا، من باب الاستحقاق لا المجاملة، التي باتت، للأسف، معيارا مركزيا يحرّك الكثير من المقالات ويقضي على أخرى وإن كانت غاية في الجدية والمهنية.
كانت رواية كيوان الأخيرة "بلد المنحوس" امتحانا للكاتب أولا وأخيرا، ولأكثر من سبب، تفرضه تساؤلات عديدة مع كلّ إصدار جديد لأي كاتب. ما الجديد الذي يقوله الكاتب في نصّه الجديد؟ وهل نجح النصّ في الكشف عن هذا "الجديد" بأسلوب يستقطب القارئ ويستفزّ ذائقته؟ التساؤل في هذا المقام مردود لأمرين، الأول: إنّ الكاتب ملزم بالجديد عموما، كأساس العملية الإبداعية، ولأنّه "حافظ" على أسلوب متشابه بدرجة كبيرة في مجموعتيه القصصيتين الأخيرتين: "مديح لخازوق آخر" (2013)، و" مصرع حاتم طيّ" (2018)، خاصة فيما يخصّ التوجه الساتيري/ الساخر الغالب على نصوص المجموعتين. أما الثاني فمتعلق بموضوع النصّ الجديد / الرواية. تناول كيوان حكاية / مضمونا مألوفا لدى القارئ (النكبة). كثيرة هي النصوص التي تناولت هذه الحكاية من التاريخ الفلسطيني، بأعمال أدبية متنوّعة. ونحن على ثقة أنها ستشكّل (الحكاية) مضمونا لنصوص كثيرة قادمة. وهكذا يلتزم النصّ بمعيار "الجديد" و "المختلف" الذي أشرنا إليه سابقا. فهل فعلا نجحت رواية "بلد المنحوس"، بصفتها رواية من "روايات النكبة" (إن جاز الاصطلاح) أن تقدّم جديدا في مضمون مكرور؟ ومن هذا الباب يغدو النصّ امتحانا على نحو ما تقدّم. يقول الروائي العالمي الكبير "غابرييل غارسيا مركيز" مقتبسا "جان بول سارتر": يكفينا لنذكّر الفرنسيين بأهوال الاحتلال، أنّ حفلة موسيقى عسكرية ألمانية أقيمت في متنزه عام في باريس". يتابع "ماركيز" معلقاعلى قول "سارتر": " يبدو لي أنّ المثل ينطبق علينا. فقراؤنا في غير حاجة إلى أن نظلّ نروي لهم مأساة الاضطهاد والظلم، فهم يعرفون تفاصيلها غيبا. ما ينتظرونه من الرواية، أن تكشف لهم جديدا". نحرص على التأكيد أنّ حديثنا السابق لا يدعو إلى إهمال الحكاية (النكبة الفلسطينية) أدبيا، بل هي دعوة للتناول المختلف والتجديد في الطرح لحكاية حاضرة أبدا في المشهد الأدبي والروائي الفلسطيني عموما. وهي بذلك تغدو دعوة للتمسك بها والحرص على توريثها للأجيال القادمة، بصفتها قوام الوجود الفلسطيني. فالطرح المختلف يستقطب، والمكرور والمموج منه ينفّر. كان الاستقطاب بكلّ مفاهيمه ومستوياته، ولا يزال، غاية الأقلية، لا التنفير! وهنا بالضبط تكمن أهمية هذه الرواية، في الحكاية المغايرة التي طرحها الكاتب. عرضت الرواية مأساة الفلسطيني التي تتوارثها الأجيال، منذ سبعين عاما، من زاوية مغايرة لتلك المعهودة والمألوفة في رواية النكبة الفلسطينية عموما. الشخصيات مغايرة في توصيفها (شخصية اللابطل)، الفضاء مغاير، "زاوية السرد" مغايرة، النهاية المفارقة الانتقامية، وغيرها الكثير على نحو ما سنرى لاحقا.أدرك كيوان أنّ عرض حكاية النكبة بتفاصيلها المأسوية التي يعرف الفلسطينيون تفاصيلها غيبا (كما يقول ماركيز) لن تضيف للإنتاج الأدبي الذي تناولها شيئا، مما ينفي صفة الجديد والتجديد عن العمل الأدبي عموما، ويهدّد وجوده وقيمته تهديدا مباشرا. كأنّه بذلك رقم آخر ينضاف إلى إرقام كثيرة عرضت الظاهرة عرضا يقوم على تسطيح الظاهرة، دون الاهتمام بعمقها الإنساني، الوجودي،والأيدولوجي. فكان حريصا، من هذا الباب، على الرؤية المغايرة، على العرض المغاير، كشرط قبلي هام لوجود النصّ واستحقاقه. الرؤية المغايرة للحكاية عند كيوان تنهض على أسس متعددة، هي على النحو التالي:


1. العودة إلى التراث وأسلوب الحكواتي


تأثّر النصّ الأدبي المعاصر بالتراث واضح جلي لا لبس فيه، ولا يزال (التراث) مخزونا ثقافيا غنيا يمتح منه الروائي والشاعر والمسرحي وغيرهم، ليغنوا نصوصهم وأعمالهم دلالة وعمقا. أسلوب الحكواتي في الموروث الشعبي مستقطِب، ويخدم الحكاية العامة للرواية (حكاية النكبة). كأنّ كيوان بذلك يستعين بأسلوب يوافق الحكاية المقصودة شكلا ومضمونا. الحكواتي فلسطيني بامتياز (وبلاد الشام عموما)، ومضمون الحكي عند حكواتي كيوان في افتتاحية الرواية يؤكد هويته الفلسطينية: " قصة (وضحى الصفورية وحمد الطبراني)، التي اكتسحت، قصتيّ المهلهل، ووضّاح اليمن" (ص:9). اعتماد القصة التراثية الفلسطينية يدلّ على التناول المختلف، والرواية المختلفة التي تشكّل محور نقاشنا في هذه الراوية. وهذا يتطابق، كما أسلفنا، مع الحكاية العامة. القصة التراثية الفلسطينية (وضحى الصفورية وحمد الطبراني) تستبدل القصص التراثية الشعبية العربية المألوفة والمكرورة (المهلهل، ووضّاح اليمن)، وهكذا يسعى التراث، وأسلوب الحكواتي بصفة خاصة، إلى ترسيخ هوية التراث الفلسطينية، كإشارة جلية إلى الوجود التاريخي الفلسطيني وترسيخه. لنا تراثنا، وهذا يعني لنا تاريخنا، وجودنا، فضاؤنا وجغرافيتنا. وهكذا كانت القصة حريصة على النسب الجغرافي في عنوانها (الصفورية والطبراني، نسبة إلى بلدة صفورية ومدينة طبريا). الحكاية لا تمتح إلا من أصلها وجذورها، لا تستعين بموروث أعمّ (عربي) لأنّ في جعبتها ما يفي بضرورات الحكاية. نافية بذلك كلّ التهم والمزاعم التي تحاول أن تنفي وجود أهل البلاد، باعتبارهم لم يحظوا بوجود سياسي مستقل على مرّ التاريخ. تأتي الحكاية، وتأتي صفورية وطبريا، وضحى وحمد، ليثبتوا حركة إنسانيّة فاعلة، نشطة لمجتمع كامل يمتدّ لفترات زمنيّة ليست بالقصيرة. حركة بلغت، بكلّ مستوياتها وانعكاساتها مصاف الخبرة الإنسانيّة التي تمكنّها أن تتحوّل لاحقا إلى تراث يمجّد الوجود الإنساني في فضاء جغرافي بعينه، ويرسّخه. لم يكن فضاء الحكاية ولا الشخصيات عارض طارئ، بل مقيم، ثابت، كتراب صفورية وشاطئ طبريا. 


2. الفضاء المغاير: يعدّ الفضاء / المكان من الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها النص الأدبي عموما. ويكتسب أهمية مضاعفة حين يروي سيرتي الاحتلال والتشريد. كان الكاتب واعيا لأهمية الفضاء في روايته، فجعله متصدرا للعنوان، ما يعزّز ويرسّخ من حضوره ومركزيّته في العمل بصفة عامة. "انحازت" روايات النكبة، عادة، للفضاء المحتلّ (بصيغة اسم المفعول)، باعتباره الجغرافيا المحورية التي تمثّل مختلف الرؤى التي يسعى الكاتب إلى توضيحها وإثباتها. حرص كيوان في روايته "بلد المنحوس" على الاهتمام بنوعي الفضاء، الذي تفرضهما الخاصية السياسية في فلسطين. توجّب على المحتلّ (اليهودي) الانتقال / التحرك الجغرافي (المكاني) لتنفيذ مخططه الاحتلالي، باعتباره غير مقيم في الفضاء المحتلّ (فلسطين) كما هو حال الفلسطيني المقيم في وطنه. التحرك الجغرافي للمحتلّ حركة غاية في الأهمية بالنسبة لرواية التهجير، لا تكتفي بإثبات الأصيل والدخيل على الجغرافيا، بل ترصد المكان المغاير – الآخر بعين ثاقبة، وهو مدينة "وارسو" البولندية في هذه الرواية، باعتبارها معقلا أساسيا لليهود في أوروبا. نقل الكاتب زاوية السرد إلى قلب الأحياء اليهودية في العاصمة البولندية، فوصفها بعين ثاقبة متأنية، كمن خبر أزقتها وحواريها بتفاصيلها الدقيقة. يكشف الفضاء المغاير – وارسو عن مواقف متباينة مختلفة لقادة الجالية اليهودية في أوروبا، بخصوص الهجرة لأرض فلسطين (بلشتينا) لإقامة وطنهم المزعوم. وهنا بالضبط تبرز غاية الكاتب من رصد هذا الفضاء المغاير. الولوج إلى فضاء المحتل الداخلي (وارسو) يبدّد الكثير "الأساطير" التي قامت عليها الرواية الصهيونية، كالوطن الموعود، وغاية كل يهودي وحلمه أن يموت في وطنه المزعوم كما وعدته السماء. النقاش بين رجال الجالية اليهودية (النقاش بين يوهان هيرش، وعديله إبراهام -خيترمان وبن غوروين، ص:17-26) يفضح هذه المزاعم، فمنهم من دعا أصلا إلى الاندماج الكلي والتام في المجتمع البولندي بدلا من احتلال شعب آخر (ابراهام خيترمان ص: 19-20)، وتصريح "راتشنسكي" (ابن السيد ابراهام خيترمان) حول أصل اليهود في أوروبا الشرقية الذي لا يمت "لبلشتينا" بصلة تذكر (ص:91). وهذا ما يجسد القول المأثور: "من فمك أدينك!". فالإجماع المزعوم حول الهجرة وحق اليهود في إقامة دولتهم "في وطنهم"، يتزعزع بتصريح واضح، لا يقبل التأويل، من بعض أبناء الجالية أنفسهم. كان الكاتب مصيبا عندما منح الفضاء المغاير (وارسو) هذه المنصة، لفضح النقاش الداخلي بين اليهود أنفسهم. فلم تعد المسألة مجرد ظنّ وتأويل محتمل من قبل الفلسطيني لمطامع المحتلّ ومخططاته، بل هي اعتراف صريح وواضح بلسان أبنائهم. لا بدّ، في نهاية النقاش حول خاصية الفضاء في الرواية، من الإشارة إلى إشكالية أو "مطبّ" وقع فيه الكاتب، تتمثّل في وصفه لمكان (وارسو) لم يزه من قبل (باعتراف الكاتب). اعترفُ مسبقا أنّ الوصف دقيق (ص:17)، يوهم القارئ بمعاينة الكاتب لتفاصيل المكان بصفة شخصية (مما دفعني أنا كذلك لاستفسر عن المسألة من الكاتب مباشرة!). ولا تزال هذه المسألة مثار نقاش وجدل جديين بين النقاد والكتاب: كيف يمكن لكاتب أن يصف مكانا لم تدسه قدماه؟ وهل يفي "المتخيل" بالغرض السردي في هذه الحالة؟ وكمن يصف مكانا له خاصيته الجغرافية، التاريخية والسياسية (القدس مثالا) وهو لم يزره فعليا! وهذا يتعارض، بتقديري، مع صلة الأدب بالواقع عموما. فهل ألزم الكاتب سهيل كيوان نفسه "بما لا يلزم"، أو وقع في "مطبّ"، دون وعي منه، مدفوعا بخاصية المضمون في هذه الرواية؟ أولا لا نعفي الكاتب من "الخطأ" الذي وقع فيه. وصف المكان يلزم معاينة شخصية، لأنّ المتخيّل، مهما بلغت دقّته، عاجز عن توفير صورة موضوعية للواقع. وإن عمد الكاتب إلى "تشويه" المكان أو "تجميله" لغاية دلالية، فذلك يوجب معرفة بالأصل ليتمكن من إحداث التعديل المطلوب. فلا يمكن أن أشوّه أو أجمّل ما هو غائب عني أو مجهول، لأنّهما (التشويه والتجميل) يكونان لما هو قائم ومعروف مسبقا (فن الكاريكاتير مثالا). لكن يشفع للكاتب، دون أن يعيفه من الخطأ كليا، مضمون الرواية. أقصد أنّ المكان (وارسو) لم يشكّل "بيئة" الرواية المركزية، بل هي "عكا – فلسطين"، التي احتلت اثنين وعشرين فصلا من أصل خمسة وعشرون هي مجموع فصول الرواية.  يبرهن "الإحصاء" السريع السابق، للمكان في هذه الراوية، أنّ عكا هي المقصودة لذاتها، كما يبرهن مضمون النص عموما، وقد خبرها الكاتب كراحة يده تماما. وكما أسلفنا تشفع مركزية عكا كمكان، وثانوية وارسو، دون أن تعفيه، كليا، من الخطأ. (يتبع)

السبت 8/9/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع