هجرة الشوام إلى مصر (1 )


تميم منصور


حارة المغاربة في القدس قبل أن تدمرها إسرائيل بعد احتلالها



المغرب-فلسطين
المغاربة في بلاد الشام، خاصة في فلسطين فرضوا ذاتهم، واندمجوا في المجتمع الفلسطيني، والكثير منهم تطوعوا في مليشيات محلية، اقامها رؤساء القبائل، كما انضم الكثيرون منهم الى أجهزة الأمن العثمانية، وانضم الى قبائل قيس التي كانت تقاتل قبائل يمن، وبالعكس حاربوا مع قبائل يمن ضد القبائل من أصل قيسي، وقد أثارت الدولة العثمانية هذه الحروب من منطلق سياسة فرق تسد، كما كانت تثير النزاعات بين العشائر الفلسطينية المختلفة، وأشعلت فتيل النزاع بين الطوائف اللبنانية.



عندما كانت الدولة العثمانية تسيطر على غالبية الأقطار العربية، لم تفصل بين هذه الأقطار حدودًا جغرافية سياسية، فكانت حرية التنقل من قطر لآخر مفتوحة، وقد تحول هذا التنقل في كثير من الحالات الى هجرة دائمة أو شبه دائمة بالمفهوم المتعارف عليه.
شملت هذه الهجرة قطاعات لا بأس بها من العرب المغاربة، الذين تركوا أوطانهم خلال القرن التاسع عشر وقبله، هربًا من الجوع والفقر، وهربًا من جور الحكام المحليين ومن الاستعمار الفرنسي، الذي استولى على الجزائر سنة 1830، وعلى تونس سنة 1883، وعلى المغرب مع بداية القرن العشرين.
حطت أقدام غالبية هؤلاء المهاجرين في بلاد الشام، خاصة فلسطين، أما لإسباب اقتصادية أو دينية، لهذا السبب استقر الكثير منهم في مدينة القدس، بالقرب من المسجد الأقصى، وقد اقاموا خلال القرن التاسع عشر ما أخذ يعرف حتى اليوم بحي المغاربة، وقد بقي هذا الحي مزدهرًا عامرًا حتى عدوان عام 1967، حيث اقدمت سلطات الاحتلال الاسرائيلي بعد احتلالها للمدينة بهدم هذا الحي، وأقامت حيًا لليهود على انقاضه، كما فعلت من قبل في قرى فلسطينية كثيرة عام النكبة وبعدها.
رغم خطوات اسرائيل الاجرامية، إلا أن هذا الحي بقي في ذاكرة القدس وسكانها، وترك سكانه العرب المغاربة بصمات في هذا الحي، لا يمكن ازالتها، سكن المغاربة أيضًا في عكا ومدينة يافا ومدينة حيفا، والعديد من المدن والقرى الفلسطينية، ولا زالت العديد من العائلات في فلسطين تحمل اسم دار المغربي.
المغاربة في بلاد الشام، خاصة في فلسطين فرضوا ذاتهم، واندمجوا في المجتمع الفلسطيني، والكثير منهم تطوعوا في مليشيات محلية، اقامها رؤساء القبائل، كما انضم الكثيرون منهم الى أجهزة الأمن العثمانية، وانضم الى قبائل قيس التي كانت تقاتل قبائل يمن، وبالعكس حاربوا مع قبائل يمن ضد القبائل من أصل قيسي، وقد أثارت الدولة العثمانية هذه الحروب من منطلق سياسة فرق تسد، كما كانت تثير النزاعات بين العشائر الفلسطينية المختلفة، وأشعلت فتيل النزاع بين الطوائف اللبنانية.
ظهرت سطوة المغاربة أيضًا عندما قاتلوا في صفوف الفصائل المسلحة التي أقامها ظاهر العمر عندما انشق عن الدولة العثمانية، كما قاتلوا في صفوف التشكيلات العسكرية التي أقامها أحمد باشا الجزار والي عكا، والذي أحبط هجوم نابليون على المدينة المذكورة، وقد لعب المغاربة دورًا بارزًا بالتصدي لهذا الحصار.
اضافة الى هجرة المغاربة الى بلاد الشام، عرفت أيضًا ظاهرة هجرة المصريين من مصر الى بلاد الشام، لنفس الأسباب التي دفعت المغاربة هجرة أوطانهم، استقر الكثير من المصريين في بلاد الشام، خاصة فلسطين، ولا زال أحفادهم متواجدين حتى اليوم، وما العائلات التي ينتهي نسبها الى مصاروة، أو مصري، سوى امتداد لهؤلاء الذين انتقلوا في يوم من الأيام من مصر قاصدين بلاد الشام، جدير بالذكر أنه في زمن حكم محمد علي باشا لمصر الذي امتد من سنة 1805 – 1849، هرب آلاف المصرين من مصر إلى بلاد الشام، وغالبيتهم من الفلاحين، بسبب سياسة الباشا الاقتصادية، فقد اتبع سياسة المقايضة معهم للاستيلاء على محاصيلهم الزراعية، مثلًا قمح مقابل مصنوعات مختلفة، كالحبال والطرابيش وغيرها، كما وصل الى بلاد الشام عدد لا باس به من المصريين هربًا من الخدمة العسكرية، وهربًا من العمل بالسخرة، خاصة في عهد الخديوي اسماعيل، الذي بدأ بحفر قناة السويس عام 1859.
هذا هو حال الشّوام، الذي جاءوا الى مصر من بلاد الشام، في القرن التاسع عشر، ومن المعروف ان بلاد الشام تضم كل من سوريا لبنان شرق الاردن وفلسطين، شكلت أثناء الحكم العثماني وحدة جغرافية واحدة، لكن الفرق بين المهاجرين المصريين والمغاربة الذين هاجروا الى بلاد الشام، بأن المستوى والوعي الاجتماعي لدى الشوام، أفضل بكثير من المستوى ذاته لدى المغاربة والمصريين، هذا ما أكده المؤرخون. ويعترف الكاتب المصري مصطفى نبيل بان غالبية المواطنين القادمين من بلاد الشام، يتميزون بالنشاط والذكاء، يعتمدون على الخدمات والنشاطات المصرفية.
وقد تم الحصول على معطيات من سجلات الكنائس، التي سجل فيها حالات الزواج والتعميد والوفيات، ونوعية الأعمال، خاصة سجلات الكنائس التابعة للأرمن الكاثوليك، وسجلات دير الفرنسيسكان في كل من القاهرة والاسكندرية، وسجلات البطركخانة المارونية في القاهرة.
وينسب المؤرخون بأنه كان للموجة الأولى من هجرة الشوام الى مصر ثلاثة أطراف ودوافع، الأول دور محمد علي باشا، والثاني دور الأمير بشير الشهابي، وهو زعيم لبناني اعلن العصيان على السلطة المركزية العثمانية، واسس دويلة انفصالية، كان مضطرًا للتعاون مع محمد علي باشا.
أما الدور الثالث الذي حمل تأثيرا كبيرا على هجرة الشوام إلى مصر، فهي مدينة دمياط  فقد استقبلت هذه المدينة غالبية المهاجرين الشاميين كونها واقعة على رأس إحدى فروع النيل الذي يصب في البحر المتوسط، اعتبرت هذه المدينة ثغرًا مائيًا هامًا قبل افتتاح قناة السويس.
لقد توطدت العلاقات بين محمد علي باشا والأمير بشير الشهابي، كان من نتائج هذه الصداقة فتح ابواب مصر، أمام المهاجرين من الشام، والسبب أن محمد علي باشا كان يعرف قدراتهم، وقد قدم لهم المجتمع المصري فرصة الاندماج وجمع ما أمكن من الثروات الطائلة وممارسة التجارة ومختلف أنواع الأعمال. (يتبع)

الجمعة 14/9/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع