الرؤية المغايرة (2-2)

د. فياض هيبي




ما يشبه الإجمال
نجحت رواية سهيل كيوان: "بلد المنحوس"، بتقديري، في صياغة رؤية مغايرة لحكاية النكبة الفلسطينية، إلى حدّ كبير، من خلال الأسس التي اعتمدت، والتي جئنا على مناقشتها وتفصيلها سابقا. ونؤكد في هذا المقام أنّ النص يحتمل أسسا أخرى قامت عليها هذه الرؤية، إضافة للأسس التي ذكرت، ولا تقلّ عنها أهمية ودورا، لكن لا نرى أنّ المجال يتسع لمناقشتها كلّها في هذه المقالة. فعمدنا إلى مناقشة ما كان مركزيا ويحتل مساحة بارزة في السرد، نذكر منها على سبيل المثال: الساتيرا (الساتيرا الجنسية بصفة خاصة)، الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة اليومية، الجرأة في تناول "المحظور" ومناقشته في العرف الفلسطيني العام (اغتصاب زهرة الخياطة مثالا)، والجرأة في اللغة الجنسية (رغم مواربتها ومراوغتها). لم يكن النصّ مفضوحا، رغم فكرته العامة المكرورة، وكانت أسس الرؤية المغايرة عموما محفزة لنشاط القارئ ودوره. لم يقع الكاتب في مطب" الثرثرة" الزائدة، إلى حدّ يضعف معمار النصّ وتماسكه، مما يمنحه انسيابا في السرد يضاعف من متعة القارئ عند القراءة.


سياسية وممنهجة
"العمل العربي" دالّ، في الإجماع "اليهودي" على أقلّ تقدير، على ما كان شاقا غير متقن (ص:182). صفة "المشقّة" تلمح إلى عجز العقل العربي، فلا يقوى على القيام بعمل يوجب إعمالا للعقل والتفكير. كما لا يقوى العربي على إتقان ما يقوم به، فكيف بمقدوره أن يبني مجتمعا ويقود دولة؟ أما "العربي الإسرائيلي" فأنها تلغي النسبة إلى الجغرافيا الأصلية، إلى الجذور (فلسطين) باعتراف العربي نفسه، مما يهدّد هويته ووجوده على حدّ سواء. هي سياسية ممنهجة يفضحها النصّ، ويحذّر من مغبتها وعواقبها الوخيمة حتما.


3.الشخصية اليهودية المغايرة: يقود الحديث عن الفضاء المغاير في هذه الراوية، باعتباره واحدا من الأسس التي تنهض عليها الرؤية المغايرة لرواية النكبة عند كيوان عموما، إلى الحديث عن الشخصية اليهودية المغايرة في هذا الفضاء بصفة خاصة. التأثير المتبادل بين الشخصية والفضاء، في العمل الأدبي، مؤكّد وبديهي. اليهودي في فضائه الأول (وارسو) ضحية، يتلمس سبلا كثيرة لينفذ بجلده من سطوة الوحش النازي الذي بدأ باجتياح أوروبا. كما يحرص النصّ على تجسيد هذه الوحشية بأمثلة عينية (إيزاكوراتشنسكي، ص: 48-51، وملاحقة إيزاكوشقيقتيه وراتشنسكي، ص: 92-102). ينبع حرص الكاتب السابق من ضرورة إثبات وعي الضحية بمأساتها. فالضحية تعي تماما ما تتعرض له من ظلم وملاحقة، والأهم تعي سبب الملاحقة! وبتالي تدفعها غريزتها الإنسانية إلى تطوير أو خلق آليات دفاعية، تمكّنها من البقاء والصمود قدر الإمكان. لكن بعض الشخصيات، في ظلّ هذا الفضاء الدموي، بالغت وتطرّفت في "إبداعها" لآلياتها الدفاعية. فلم تكن الآلية سوى الخيانة! خيانة المبدأ والعقيدة والجالية، وخيانة الهمّ العام والمصلحة اليهودية لصالح الخاص والمصلحة الشخصية الضيقة، التي تتمثل برفض فكرة الموت في سبيل الفكر والعقيدة. راتشينسكي ابن السيد ابراهام خيترمان، يتواطأ مع الآخر (النازي) في سبيل خلاصه هو، ويعمل مرشدا للعناصر النازية، بحق أبناء جلدته، ويكون بذلك شريكا مباشرا للمأساة التي تحلّ بهم لا مدافعا عنهم كما يفترض أن يكون! (ص: 102-103). لم تقف المفارقة الصارخة عند هذا الحدّ، ولم يكتف راتشينسكي بفعل الخيانة، بل بلغت حدّا لا يعقل في التطرف والغيريّة. بعد هزيمة الألمان في ستالينغراد، بدأت قوتهم بالتراجع (ص:104)فيحدث التحوّل الأغرب والأبشع في الحكاية الخاصة برتشينسكي. حاولت العصابات البولونية التابعة للنازية أن "تبدّل جلدها" وتظهر بمظهر المدافع عن اليهود والروس ضد النازيين. الرابح الأكبر من هذه المفارقة لم يكن سوى راتشينسكي نفسه، الذي جسّد اليهودي الضعيف المسكين الذي حاولت العصابة تخليصه من براثن النازية، كغيره من اليهود. أدرك راتشينسكي أبعاد اللعبة، فاستغلها أيما استغلال، فلم يتورّع عن انتحال شخصية إيزاك هيرش ابن خالته، ليمحو ماضيه الخائن: "ابتداء من هذه اللحظة سيكون اسمي إيزاك يوهان هيرش يا رفيق بيتروفسكي، أما راتشينسكي ابن خالتي، فهو الذي مات، قتله النازيون في الغابة" (ص:105). تكتسب هذه المفارقة بعدها الدلالي الهامّ مع التحرّك الجغرافي للشخصية (الهجرة إلى بلشتينا). الفضاء الجديد (فلسطين) تقلب الأدوار رأسا على عقب. تصبح الضحية جلادا ومحتلا لا يعرف الرحمة (إيزاك الجديد يغدو قائدا لمنطقة عكا، ويبدع في الانتقام والتعذيب والترهيب). ويمارس المغتصَب دور المغتصِب "ببراعة وإتقان".  وهكذا تصل المفارقة قمتها وتطرفها. يحدث التصوير المغاير للشخصية اليهودية في روايات النكبة، التناول المغاير. لم تعد شخصية اليهودي المحتلّ، كما عهدناها، الغازي الجبّار الذي يتفنن ويبدع أساليب التعذيب والانتقام، والولاء الأعمى لعقيدته وفكره. أضيفت لما تقدّم، صفة هامة هي الخيانة! التي تزعزع الكثير من المسلمات عند الطرفين، تفضح عقيدة المحتلّ (بصيغة اسم الفاعل)، وتعيد بعضا من التعزيز النفسي للمحتلّ (بصيغة اسم المفعول).
1. الشراكة العربية اليهودية: شكّلت هذه المعادلة محورا لكثير من النقاشات، الانقسامات والاعتبارات السياسية في الداخل الفلسطيني. ولا تزال هذه "الإشكالية" نقطة خلاف مركزية بين الايدولوجيات الفاعلة في المشهد السياسي الداخلي. يراها البعض ضرورة، لا يكتمل المشروع السياسي بدونها (الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة مثالا)، في حين لا تشكّل أولوية عند الآخرين أو ضرورة، متأثرين بذلك من النزعتين: القومية والدينية – الإسلامية. ولكن السؤال الذي يشغلنا في المقام الأول هنا، كيف تعاطت الرواية، بصفتها تحمل رؤية مغايرة كما نزعم، مع هذه المعادلة الإشكالية؟ يهمنا، قبل مناقشة السؤال السابق وإجابته، أن نشير إلى أنّ "أدب النكبة" (في مراحله الأولى بصفة خاصة)، يمجد الحزب وجريدته "الاتحاد"، باعتبارهما المتصدي العملي للاحتلال وسياسته (الحزب الشيوعي كان الحزب الوحيد الرسمي الناشط بين الجماهير العربية في تلك الفترة. وكثير من الكتاب في هذه الفترة كانوا منتمين فكريا للحزب الشيوعي أو قريبين منه على نحو ما). الادعاء لدى كيوان ان اليهودي الشيوعي (المتمثّل بشموئيل الأحمر في الرواية) لا يختلف عن أي يهودي آخر. يحمل الأفكار ذاتها، ويتبنى التصريحات الرسمية ذاتها: " بتصوري أنّ أحد مقاييس نجاح دولتنا، يكمن بتهذيب عرب إسرائيل..." (ص:129). واضح أنّ الكاتب عمد إلى التلميح والمواربة أكثر من التصريح، فيما يتعلق بجريدة الحزب "الاتحاد"، وهذا بخلاف نهجه في حديثه عن الحزب. وفي نظرة كمية (للسرد) نلاحظ أنّ المساحة التي احتلها الحزب (وفكرة الشراكة العربية اليهودية) أكبر بكثير من تلك التي شغلتها جريدة الحزب. فهل يعترف الكاتب، ضمنيا، بأهمية الجريدة رغم كلّ الإشكاليات والنقاشات حول الحزب ومفهوم الشراكة وحقيقتها؟ أم هي (الجريدة) معادل لإيمانه عن حقيقة الشراكة التي أشرنا إليها سابقا؟ نوضح أولا أن حكمنا في هذه المسالة أدبي وبأدوات أدبية، بعيدة عن أدوات البحث السياسية. بتقديري أنّ الكاتب يعي حقيقة الجريدة في المشهد الثقافي (والسياسي) في الواقع الفلسطيني الداخلي، لكن كونها ناطقة رسمية باسم هذا الحزب تنغّص عليه وعيه هذا! وهذا ما يفسر أسلوب التلميح المعتمد وكمية السرد التي تقلّ كثيرا عن الإشارة إلى الحزب نفسه. ولهذا نخالف الكاتب في توجهه في هذه المسألة بصفة خاصة، لأنّ إنصاف الجريدة (كمنبر ثقافي هام في المشهد الفلسطيني العام) له مبرراته الكثيرة التي تمتد لتاريخ طويل، تلك المبررات التي غفل عنها الكاتب قاصدا، بتأثير قناعته الأولى حول الحزب. على العموم، نؤكد أنّ مسألة "الشراكة العربية اليهودية" تثري الرؤية المغايرة عند الكاتب في هذه الراوية، كتقنية أدبية عامة يتبناها في عرض روايته، دون الخوض في صدقية المبدأ أو عدمها، لأنّه بذلك يغدو نقاشا سياسيا مباشرا له مقوماته وأدواته، والأهم له أدبياته الخاصة، التي تخالف توجهنا النقدي الأدبي الخالص في هذه المقالة.
2. المصطلحات المغايرة: يسعى النصّ في رؤيته المغايرة إلى رفض جملة من المصطلحات التي أفرزتها الحالة السياسية الجديدة (الاحتلال وقيام الدولة)، حتى باتت جزءا من السرد العام. يمكن أن نختزل تلك المصطلحات بثلاثة منها، هي الأبرز: "العمل العربي"، "العربي الإسرائيلي" و " النحسة". حرصُ الكاتب على تعيين هذه المصطلحات يهدف إلى تبني الموقف الرافض، وإثارة الوعي لخطورة رسوخها في السرد العام كمصطلحات أصلية. لأنّها بذلك تبدّد الكثير من الثوابت التي يقوم عليها وجود الأقلية عموما."العمل العربي" دالّ، في الإجماع "اليهودي" على أقلّ تقدير، على ما كان شاقا غير متقن (ص:182). صفة "المشقّة" تلمح إلى عجز العقل العربي، فلا يقوى على القيام بعمل يوجب إعمالا للعقل والتفكير. كما لا يقوى العربي على إتقان ما يقوم به، فكيف بمقدوره أن يبني مجتمعا ويقود دولة؟ أما "العربي الإسرائيلي" فأنها تلغي النسبة إلى الجغرافيا الأصلية، إلى الجذور (فلسطين) باعتراف العربي نفسه، مما يهدّد هويته ووجوده على حدّ سواء. هي سياسية ممنهجة يفضحها النصّ، ويحذّر من مغبتها وعواقبها الوخيمة حتما. لذا كان الكاتب حريصا على موقف الشخصية الرافض لهذا التعريف المشبوه (شكري، ص: 219). يدرك كيوان أهمية السرد اليومي ومفرداته، ودورهما في تأكيد الهوية والثوابت الوطنية أو نفيهما، حين يرسخ في أذهان العامة كلّ ما هو نقيض الوطن والجغرافيا، على نحو ما تقدّم سابقا. يرفض الكاتب، كما يرفض النصّ وشخصياته، محاولة "الدسّ" بمصطلحات تنزع العربيّ من جذوره، واستبدالها بواقع لا علاقة له به لا من قريب ولا من بعيد! يهتم الكاتب، إلى جانب هذين المصطلحين، بمصطلح لا يقل أهمية عنهما، يخالف فيه كيوان اللفظ المألوف عند العامة والكتاب والساسة وغيرهم، في سردهم وتوثيقهم للتاريخ والحكاية، وهو مصطلح "النكبة" أو "النحسة". لفظ "النحسة" ينسحب على أحداث الرواية كلّها، فلم يأت الكاتب على ذكر لفظ " النكبة" بتاتا في هذه الرواية. يرفض الكاتب لفظ "النكبة"، بتقديري، ويستعيض عنه بلفظ "النحسة". وهذا مردود لغاية إيديولوجية يؤمن بها كيوان. "النكبة"، لغة، أشدّ وطأة وتأثيرا من "النحسة"، كأنّها الضربة القاضية التي تصيب المرء،لا يقوي بعدها على النهوض. وهذا ما يرفضه الكاتب أيديولوجيا. فالشعب، رغم ما مرّ به من مصاعب ومصائب، صامد، يجذّر "أسطورة" وجوده في أرضه يوما بعد يوم.ما مرّ به شعبنا لا يتعدى كونه نحسا (وهو الضرّ بخلاف السُّعد، كما جاء في لسان العرب). وارتبط معنى اللفظ عند العامة بقلة الحظّ لا أكثر. النحسة أثرها أخفّ من النكبة نوعا وكما ومدة. يمتدّ تأثير النكبة زمنا أطول من النحسة، لأنّها أثرها النوعي أكبر بطبيعة الحال. ولا عجب أن يحتل اللفظ مساحة بارزة في العنوان: "بلد المنحوس". فالبلد المنكوب يوحي بمصيبة عظيمة جاءت على البلد كلّه دون استثناء، فلم تبق ولم تذر، بخلاف بلد المنحوس الذي يوحي تلقائيا بقلة الحظّ، كما تقدّم، وكما هو شائع عند العامة. هكذا يغدو الحرص على تسليط الضوء على هذه المصطلحات رؤية مغايرة، نظرا لأهميتها في الحفاظ على الهوية والوجود عموما.
3. النهاية المغايرة: برزت "النهاية السعيدة" في كثير من روايات النكبة، كتعبير عن معادل موضعي لإيديولوجية الكاتب، التي تسعى إلى تمكين الفلسطيني في أرضه، وإثبات حقّه فيها. لم تكن النهاية "سعيدة"، عند كيوان، بالمفهوم التقليدي المألوف في الأدب عموما، حين ينتصر الضعيف على القوي، ويحقق البطل هدفه كاملا غير منقوص. بل كانت السعادة فيها بخاصيتها الانتقامية. كما لا تقوم سعادة "البطل" فيها على حساب ضعف الآخر، إنما على تجريده من كلّ بطولة ووسمه بالعجز المطلق، من ناحية. والحرص أن يكون فردا من أبناء جلدته شريكا فاعلا في هذا التجريد، لتأكيد شمولية التجريد وعمقه. وهنا تكمن الرؤية المغايرة في النهاية، فعندما يقرّ أبناء جلدته بلاشرعية الشخصية، إلى جانب ضعفها وانكسارها، فإنّهم بذلك يضيفون الانتقام إلى النهاية السعيدة، مما يضاعف من السعادة والتعزيز النفسي عند الضحية. وهذا بالضبط ما كان مع "الضابط إيزاك"، الذي وعد وهدّد وشرّد وقتّل، حتى بات اسمه مرادف لكلّ ما هو ظالم وانتقامي. وهو مّن انتحل شخصية غيره وخان جاليته وعقيدته، على نحو ما أشرنا سابقا، في سبيل خلاصه هو لا غيره. ينتهي به المطاف في بيت المسن، حيث يلتقي الخائن بالضحية المنتقِمة (ص: 321-325). والضحية هنا طرفان: كرفدان شكري زيدان، وابنة خالته ريبيكا التي خانها وأختها وتركهما للمصير مجهول. لكلّ طرفين مبرراته الكثيرة الكثيرة للانتقام. تغدو ريبيكا، ابنة جلدته وخالته، شريكة لكرفدان في تجريد "إيزاك" من بطولته، فهي (ريبيكا) التي تفضح أمره وانتحاله لشخصية غيره، وتمكّن كرفدان من انتقامها، الذي ينطوي على رمزية أعم وأشمل تتمثّل في انتقام لشعب بأكمله على ممارساته المشوّهة بحقّهم: "كرفدان تناديه إيزاك عندما يكون مطواعا وطيبا، ولكن عندما تريد معاقبته، تناديه بغضب: راتشينسكي، فيكفهر وجهه ويجهش بالبكاء" (ص:325). وإن اقتصر "الانتصار" والانتقام على التعزيز النفسي، فإنّ ذلك لا يقلّل من كونه انتصارا وانتقاما في الوقت ذاته. 

الجمعة 14/9/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع