مقابلة مع رئيس دائرة العلاقات الدولية في الحزب الشيوعي الألماني، الرفيق غونتر بول:
مناهضة الحرب ما زالت حيّة وقوية في ألمانيا، لكن يوجد تنامٍ للمجموعات العنصرية والفاشية



مظاهرة للشيوعيين الألمان ضد الحرب




//خاص بـ"الاتحاد"
تُحضّر لجنة العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكجزء من العمل الجاري، لتعزيز العلاقات والتضامن الأممي مع الأحزاب الشيوعية في العالم، ومع القضايا التي يواجهها رفاقنا الشيوعيون في مختلف البلدان. ويأتي هذا التقرير ليتناول مواقف الحزب الشيوعي الألماني (DKP) من قضايا ألمانية، أوروبية وعالمية. يُشار إلى أن الحزب الشيوعي الألماني قد استضاف الأمين العام لحزبنا، الرفيق عادل عامر في بداية العام 2018 في مؤتمره، كما وشاركت الرفيقة ريم حزان، مسؤولة العلاقات الخارجية في الحزب، في المهرجان الـ20 لصحيفتهم "أونسيري زايت" الذي انعقد في أوائل شهر أيلول، حيث نُظّمت ندوة خلال المؤتمر حول قضايا الشرق الأوسط عامةً، وبالأساس حول سوريا، العراق وفلسطين مع تسليط الضوء على معاني قانون القومية اليوم بالنسبة للقضية الفلسطينية وللمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
فيما يلي الحوار الذي أجريناه في "الاتحاد" مع رئيس دائرة العلاقات الدولية في الحزب الشيوعي الألماني، الرفيق غونتر بول، على هامش المشاركة في المهرجان وننشره تزامنًا مع زيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الرسمية الى البلاد.


الاتحاد: كيف يرى الحزب الشيوعي الألماني المبادرة لتشكيل حركة يسارية وصفت بأنها "عابرة للأحزاب التقليدية" تحت اسم "أنهضوا"، بزعامة رئيسة كتلة حزب اليسار في البرلمان الألماني سارة فاجنكنيشت.


بول: نحن نحيّي كل مبادرة بإمكانها تناول النضال على أسس سياسية-اجتماعية وعلى أساس الصراع الطبقي، لا أحد يعارض ذلك. إن مضامين وأفكار "آوفستيهن" (انهضوا) ليست بجديدة وأقل ثورية، لكن تطبيقها على أرض الواقع قد يقدّمنا خطوة، بالطبع. حتى الآن، كل هذه الحركة مجرد سياسة علاقات عامة، لكن بالطبع، علينا أن نكون عادلين وأن نعطي المبادرة وقتًا لتتطوّر. بما أننا نتفق على الهدف، علينا أن نسأل ما هو الشكل الأفضل للوصول إلى هذا الهدف. سارة فاجنكيشت تعتقد بأن هذه الحركة بإمكانها جلب جماهير غفيرة جديدة، لكنها تبدو غير واعية إلى أن ألمانيا ليست فرنسا ولا إيطاليا ولا إسبانيا حيث للحركة السياسية تاريخ وتقاليد أوسع وأعرق من ألمانيا، التي يرتكز العمل السياسي فيها على النظام الحزبي-البرلماني.
عندما نحسب احتمالات النجاح، ونناقش هذا الأمر فهناك عدة توجهات: الأول، من هم الأشخاص الذين تريد سارة فاجنكيشت التوجه إليهم؟ إنها تتحدث عن الديمقراطيين-الاشتراكيين، الخضر وأعضاء حزبها هي. بالنسبة للديمقراطيين-الاشتراكيين كأعضاء حزبها – فهم لا يحبّون زوجها، أوسكار لافونتاين، مَن كان وزيرًا ورئيس الـSPD والآن هو من المناصرين لـ"آوفستيهن". بالنسبة لهم، ولسائر أعضاء الـSPD لافونتاين هو خائن منذ ترك الحزب. أما الخضر، فهم نيو-ليبراليون ويدعمون الحروب (ما يسمونها "حرب من أجل حقوق الإنسان"، أو "المسؤولية لأن نحمي")، وحزبها هي "دي لينكي" مُهدّد بالانقسام بسبب "آوفستيهن". ثانيًا، إن كنت تريد حركة، عليك أن تكون في النضالات اليومية في بلدك. لكن سارة فاجنكيشت لم تذهب أبدًا، لا لساعة أو يوم، للتضامن مع العمال المضربين لأسابيع طويلة في دوسلدورف، بالرغم من أن هذه البلدة تقع في مقاطعتها الانتخابية. ثالثًا، عليك أن تشمل الجميع (طبعًا ما عاد الفاشيين والعنصريين)، لكنها تفضل أشخاصًا يمكن تقديمهم للإعلام. هي لم تتوجه إلينا (الحزب الشيوعي الألماني) ولم تنتهز فرصة دعوتها إلى مهرجان صحيفتنا الذي عقد 3 أيام بعد إطلاق حملتها. من يريد خلق حركة واسعة وكبيرة لسياسية جديدة لا يستطيع تجاهل مهرجان شارك فيه 45000 رجل وامرأة ناقشوا خلاله القضايا الأساسية التي تشغل ألمانيا والعالم. لذا، فبالرغم من أننا نتفق على ضرورة التحرّك من أجل سياسية جديدة، لدينا بعض المآخذ والشكوك حول بدايات هذا التحرّك ونشاطاته.

الاتحاد: قبل أشهر دعت انجيلا ميركل الى مكافحة أسباب فرار اللاجئين والمهاجرين من خلال "خطة مارشال مع أفريقيا "! وهي تقصد ضرورة الاصلاح السياسي والاقتصادي هناك. أولا ما هو "الاصلاح" بمفاهيمها؟ وثانيا: هل يعبر هذا فعلا عن توجه يرتكز، ولو جزئيا، للعدالة نحو افريقيا، أم أنه تصريح دبلوماسي ليس أكثر.


بول: في العام 2015، قدم مهاجرون كُثر إلى أوروبا (غالبيتهم إلى دول الاتحاد الأوروبي)، المستشارة ميركل صرّحت بأنها قد أوقفت سريان معاهدة دبلين بشأن قضية اللاجئين ما يعني أنه وعلى مدار أشهر طالب الناس باللجوء إلى ألمانيا بالرغم من أنهم قد كانوا في "دول آمنة". من جهة، ميركل هي ابنة الدولة التي تربّت فيها: جمهورية ألمانيا الديمقراطية حيث تعلّمت عن التضامن، وبالرغم من المشاكل التي واجهتها داخل حزبها فقد دافعت عن سياستها –"الأبواب المفتوحة"- فهنا، لا يستطيع المرء أن يقول عنها أنها دون قلب أو باردة تجاه مصير اللاجئين. لكن في عبارتها الشهيرة " Wir schaffen das" – "نحن نستطيع التغلّب على ذلك" – في إشارتها إلى استيعاب 900 ألف لاجئ في ألمانيا– لم تعن بـ "نحن" طبقتها هي، وبالطبع ليس الرأسماليين. أما من الجهة الأخرى، فهي تعلم أن وجود مئات آلاف اللاجئين معناه ضغط أكبر بالأساس على الطبقة العاملة – فسيتشارك عدد أكبر من الناس نفس البيوت، والوظائف، مراكز التعليم والمستشفيات التي هي في حالة سيئة من الأساس. هذا الوضع جيد للطبقة الحاكمة والمهيمنة. الحزب الشيوعي الألماني يؤكد بأنه من خلال الترويج للتعصّب القومي فهم يهدفون إلى تقسيم الطبقة العاملة ضد مصالحها. لذا، فالطبقة العاملة فقط هي التي "تستطيع"!
إن سياسة ألمانيا في دول إفريقيا لا شأن لها بالاعتبارات الإنسانية. لو أرادوا مكافحة الفقر، فلم يكونوا ليبيعوا سلعا رخيصة (مدعومة) من الاتحاد الأوروبي هناك -مما يدمر الإنتاج والصناعة المحليين والضعيفين أصلا. على الحكومة الألمانية وقف سياسات الحرب في مالي، السودان والدول الأخرى والنظر مثلاً إلى ما تقوم به جمهورية الصين الشعبية في الدول الإفريقية: تطوير بنى تحتية دون اشتراط سلوكيات سياسية معينة. كحزب شيوعي ألماني، لا نعتقد أنك تستطيع إقناع الناس في الدول الإفريقية بأن يؤمنوا بمستقبل أفضل (وهو لا يعني أكثر من استمرار المعاناة وانتظار أن يؤتي هذا النظام عليك مباشرة أو أن فرصك بالبقاء هي قليلة) بينما تقوم بتدمير دول مجاورة لهم مثل ليبيا وسوريا.
على سبيل المثال، ابتزّ الاتحاد الأوروبي دولة غانا من أجل التوقيع على اتفاقية شراكة اقتصادية تمنع غانا من حماية صناعتها الوطنية. لذا، عن أي إصلاح تتكلّم ميركل؟
معلوم لديكم ما الذي يعنيه السياسيون اليوم عندما يتحدّثون عن الإصلاحات – هذه دائمًا خطوة إلى الوراء. في توجّه ميركل لـ"إفريقيا" (عادة لا يفرّقون بين الدول وهذا يعبّر عن الاستهتار بها، أي أن "كلها مثل بعضها") – هذه الإصلاحات تهدف بالأساس إلى تلويم الآخرين. فماذا عن إصلاح السياسة الخارجية الألمانية تجاه هذه الدول؟ كذلك، علينا ألا ننسى أن هذا يخدم الصورة التي ترسمها الدول الإمبريالية عن الدول الإفريقية: بأن الفوضى تعمّها، هذا إن لم يدعونها بـ"الفاشلة"، وهي في حاجة أبدية إلى مساعدتنا - وإن كانت دول من بينها لا توافق على إصلاحاتنا، عاجلاً أم آجلاً "ستضطر" الدول الإمبريالية إلى اجتياحها من أجل تلقينها درسًا.


الاتحاد: أعلنت الحكومة الألمانية الحالية انه سيتم بناء 1,5 مليون شقة ومسكن جديد خلال 4 سنوات، بتكلفة 6 مليارات يورو من أجل توفير السكن لذوي الدخل المنخفض. هل يشير هذا الى اقرار بضرورة السياسات الاجتماعية ووجوب تدخل الدولة في قطاعات كالإسكان وعدم تركها لما يسمى السوق الحرة؟


بول: كلا، لا ترى الحكومة الألمانية الحاجة إلى تدخّل طويل-الأمد من الدولة في سوق الإسكان. هذا فقط ردّها على ما فاتهم أن يقوموا به في العقود الثلاثة الأخيرة –لم يطبّقوا السياسات السابقة ببناء نسبة معينة من الشقق الأرخص سعرًا لذوي الدخل الأقل. لم تطالب شركات البناء بميزانيات الدعم الحكومي المخصّص لبناء المساكن الأقل تكلفة – نظرًا لتوقعات المردود المادي القليل بدل إيجار هذه المساكن. إن كانت الحكومة غير معنية بفرض مصالحها – لا نستطيع كحزب شيوعي القول أن لهذه الحكومة أي مساعٍ من أجل تحسين سياسات الإسكان على الإطلاق.


الاتحاد: تتحدث الصحافة كثيرا عن التوترات بين انجيلا ميركل ودونالد ترامب، ما مدى صحة هذا من ناحية وجود تناقض سياسي حقيقي بين السياستين؛ وهل يعني تنامي تقاطب اوروبي-امريكي. ونشير مثلا الى التوجه شديد الاختلاف نحو ايران.

بول: إن كنا بصدد العلاقة ما بين ألمانيا والولايات المتحدة بشكل عام، فيجدر اعتبار أن في الحزب الحاكم، الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، وملحقه البافاريّ – الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، تياران اثنان: "عابر-الأطلسي" –الداعم لملاءمة السياسات مراعاة للمصالح الأمريكية، والأوروبي – ليس مناهضًا للولايات المتحدة، لكنه يشد باتجاه سياسات تعنى بالمصالح الأوروبية/الألمانية. التيار الأوروبي يسعى لأن تكون هناك علاقات أفضل مع روسيا، ومن هنا سعيهم إلى مدّ خط الغاز "نورث ستريم" عبر البحر البلطيكي والذي يتفادى المرور عبر أوكرانيا أو بولندا – دولتان لديهما ارتباطات وثيقة مع الولايات المتحدة. انتقد ترامب وحكومته خط الغاز هذا- فمصالح الولايات المتحدة هي سياسية بما يتعلّق بروسيا، لكنها اقتصادية أيضًا في سعيها لبيع ما ينقبونه من النفط إلى الأوروبيين. إن السياسيين من الاتحاد المسيحي والذين يسعون إلى علاقات أفضل مع الجمهورية الروسية يعبّرون بجزء من ادعاءاتهم عن فهم للسياسة الدولية، وبجزئها الآخر عن العلاقات التاريخية ما بين الجمهورية الألمانية الاتحادية وبين الاتحاد السوفييتي، شعور سائد في القسم الشرقي من ألمانيا.
بالطبع، ميركل وترامب لا يستلطفان الواحدة الآخر لكن، من جهة أخرى، عليهما أخذ المصالح الوطنية لدولتيهما بعين الاعتبار (ضف على ميركل اعتبارات مصالح الاتحاد الأوروبي). بما أن ترامب هو رئيس الولايات المتحدة فألمانيا تبحث عن الابتعاد عن الولايات المتحدة اقتصاديًا، بينما تحافظ على التعاون العسكري. يعتبر الإعلام الألماني في هذه الأيام، جمهورية الصين الشعبية كالدولة التي تحافظ على التبادل الاقتصادي بينما تفضل الولايات المتحدة انتهاج سياسة "أمريكا أولاً".
كذلك، الموقف المختلف حول إيران، والمنوط بالعلاقات التاريخية بين ألمانيا وبلاد فارس منذ القرن التاسع عشر، والآن مع إيران. هذا يقف ضد موقف الحكومة الإسرائيلية، المطابق عادة لموقف الإدارة الأمريكية. كذلك بالنسبة للموقف من ليبيا (حيث رفضت ألمانيا العدوان في حينه)، والموقف من تدمير يوغوسلافيا في التسعينيات (وهنا ألمانيا هي التي دمّرت). ضف على ذلك الاختلاف في المواقف من روسيا، الصين، وفي التعامل مع تركيا ودول اليمين في الاتحاد الأوروبي (مثل بولندا وهنغاريا بالأساس).
هل هذا يعني الاستقطاب؟ تحليلنا يقول أن الإمبريالية الألمانية ما زالت غير قوية بما فيه الكفاية عسكريًا، لكنها ما زالت قوة اقتصادية عالمية بالرغم من الأزمة الاقتصادية عام 9/2008.
لذا، فألمانيا تمضي قدمًا وتبحث عن كل فرصة للاستقلال والتقدم العسكري بعيدًا عن الولايات المتحدة؛ فقد كان لألمانيا عدة تدخلات عسكرية منذ الغارات على صربيا عام 1999. الإمبريالية الألمانية مستعدة لأن تقوم بمحاولة جديدة، ثالثة، لكننا مقتنعون أن الشعب الألماني قد تعب من الحروب. التوجّهات المناهضة للحرب ما زالت حيّة وقوية. من جهة أخرى، هناك تنامٍ في المجموعات العنصرية والفاشية في ألمانيا، فقد يحمل لنا المستقبل آراء ومواقف مختلفة قد تصبح سائدة.
في الولايات المتحدة نلحظ تعاظم القومية واللا عقلانية. ضف على ذلك الرئيس الأمريكي الحالي، نحن أمام فجوة تتسع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وستتعمّق التناقضات بين هذه القوى الإمبريالية.





من اجواء المهرجان الـ20 لصحيفة "أونسيري زايت"


06/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع