جبال الريح (10)


محمد نفاع


"كل مرة أمرّ قرب دير القاسي المهجرة والمهدّمة، أفطن بعمل الخير"


يذكر الناس..
حراميّة الحارتين لم يسرقوا أبدا معاميل القهوة لأنها مشروب الأوادم، ولا زيت المونِه لأن الزيت قليل، والسميدة والزيت عامود البيت. ولا يسرقون البقر، لأن خير البشر على كْتاف البقر، ومن يفقد فدّانه تبور أرضه وهذا محرّم، كانت سرقة دجاج ومعزى. مرة واحدة سرقوا فدّان بقر في ليلة عرس وأوصلوه الى "الدّير القاسي" بهدف ان يهرّب من هناك الى لبنان.. ولليوم يذكر الناس ان اهل الدير القاسي عرفوا فدّان البقر، وجاء وفد منهم مع الذبايح والرّز والجريش والسمن والخبز والطناجر والطبّاخات، أعادوا فدان البقر وأقاموا وليمة على حسابهم. لم يكشفوا عن الحرامية، فهذا شبك عمل، وأصحاب البقر المسروق لم يسألوا عن ذلك فهذا عيب.



قالوا ان دولة اليهود تستقيم سبعة ايام، او سبعة اشهر، او سبع سنين، مرت الأيام السبعة، والشهور السبعة، ونصف السنوات السبع، وبقينا نتعلم الاناشيد اللبنانية:
ضيعتنا غامِرها النّور
مَشرورة على راس التل
مَدخلها درجِ زْهور
بْتضحكلك لما بتطلّ
وتشوف الندى بنيسان
عَمَدى المرج وطولُه
بتحسِّب فوق الريحان
دنيا مْشتّايِه لولو
عصافير لْوان لْوانْ
من زهر لزهرة يقولوا
مَحلا العيشِه في لبنان
شمّة هوا بْضيعتنا
جاء معلم متعوب عليه بتقنبَر مثل البلبل النّطواز، بلبل الخشب وليس البلبل العصفور وأنشد:
مَحْلا العيشِه في اسرائيل
شمة هوا بضيعتنا
جاء المعلم جهاد الذي كان واقفا في الباب وهتف:
مَحلا العيشِه في لبنان، وراح يُسكتِم ويشير بيده الى لبنان. وعلْمنا:
في الحُرشِ يا أصحابي
طيرٌ يغردُ
قد لذّ لفؤادي
ما كان يُنشدُ
وهو يرفُ دومًا
يدعو ولا مجيب
لبّى الربيعُ يومًا
نداءه العجيب
صديقنا الربيع
يفرّح القلوب
ولونه البديع
يجلو صَدا الكروب
وظل سعيد الخطار وعلي اعضاء الحزب القومي السوري يغنون في الليل.
نحن الأمّة ونحنَ الجيش، نحن سيوف الاستقلال.
جاء الضابط إيزي وجمع المخاتير والوجهاء في ساحة المدرسة بخصوص الشارع الموصل من موقع السّهلة الى اول البلد، هل يجب ان يكون رصْفِيّة او زِفْتِه، وسمعت ان المختارين نصحا الضابط بأن عقد الاجتماع سيؤدي الى طوشه عمومية، وهكذا كان، انقسمت البلد الى قسمين: جماعة الرّصفيّة لأن الناس الله يهوّنها بتطحن على السدّيك وحالتها صعبة، وجماعة الزّفتِه لأن الزفتة أمكن وأحسن. وظلت الطوشِه مولعة الى الليل. وعندي سخل سكّ اسود مْلكّع ومربوط تحت التوتة، الجَمَش على التوتِه والسخل يبعّق من الخوف، طلعت من البيت تحت زخّ الجمَش وأدخلتُ السخل الى البيت. والسخل الملكع هو المدلّل الذي يأكل الحشيش وقلوح العنب وسَبل القمح من يدي، يشبّ على صدري وأعلّمه المناطحة، كل ولد كان عنده سخل ملكّع. وتقرر تزفيت الشارع وفُرض على كل بيت مبلغ من المال – فَرضة الشارع – وكانت حصتنا ثماني ليرات. ورحتُ أدق البحص مع الاولاد والرجال والنساء، تحت مراقبة أبو غازي من عكا، وأبو موريس، والمدير فايزِنكِر وحبّوشي، دار حبوشي من يهود العراق، واحد يعمل مديرا في دائرة الاشغال، وآخر يعمل في ضريبة الدخل في عكا. نحضر الحجارة الكبيرة من الوعر وندقها بحجم كوز الرمان في كومات طويلة حتى يقيسها "الجَمَلون" وقد تبيّن في النهاية ان أجرتي بلغت من دقّ البحص 12 ليرة، ولأول مرة يكون معنا أربع ليرات فضلِة، قبّلني أبي وقد رغرغت عيناه بالدموع، لأننا لم نكن نستطيع دفع فرضة الشارع لولا هذه المساعدة، وهي أول ما قدمته من مال الى البيت، لأن أجرة درس القمح كانت حبوبا، وأجرة سراحة السخول كانت فَطّيمة، أي سخلة مفطومة.
بعد تزفيت الشارع جاءت وزيرة العمل غولدا مايرسون التي صارت غولدا مئير لتدشين الشارع، وجرى لها استقبال جماعي. وفجأة قامت الغاغَة، كل حمّال بيرق اراد ان يكون بيرقه على اليمين، وعلقت الطوشة من عند المُرميغة الى باب المدرسة، ومع غولدا مايرسون شرطي يهودي وشرطي عربي اسمه أبو عمر وتحت ضرب الجمش اختبأت الوزيرة في بيت الخارج الذي عمّره أبي في حاكورتنا قرب الطريق، وهو محل واسع ونظيف، أبي الذي عاش في الأرجنتين ربع قرن كان يهتم بالنظافة، وهذا المكان من أوائل بيوت الخوارج في البلد، مع باب خشب بني، وظلت الوزيرة هناك حتى استطاع المصاليح فك الطوشة، عدد قليل من الناس انفشخوا في الطوشة، حتى ان الواحد اذا هوى بالحجر على الآخر وهو متأكد انه سيؤذيه كان يقول: الله يخزي بْليس اللعين ولا يضرب عن قرب أبدا. وراجت بين الناس في البلد وخارجها ان البلد شيطانها زغير، ما بتقسي في بعضها البعض، حتى ان المتقاتلين يفزعون معا على صبّ الباطون، والوقوف على "خلاط المعزى" على العيون.
حراميّة الحارتين لم يسرقوا أبدا معاميل القهوة لأنها مشروب الأوادم، ولا زيت المونِه لأن الزيت قليل، والسميدة والزيت عامود البيت. ولا يسرقون البقر، لأن خير البشر على كْتاف البقر، ومن يفقد فدّانه تبور أرضه وهذا محرّم، كانت سرقة دجاج ومعزى. مرة واحدة سرقوا فدّان بقر في ليلة عرس وأوصلوه الى "الدّير القاسي" بهدف ان يهرّب من هناك الى لبنان، وقد حدثني واحد من السرّاقين وقال: عند دبّة الصوت فزعنا مع الفَزّاعة، وتعشّينا مع الناس.
ولليوم يذكر الناس ان اهل الدير القاسي عرفوا فدّان البقر، وجاء وفد منهم مع الذبايح والرّز والجريش والسمن والخبز والطناجر والطبّاخات، أعادوا فدان البقر وأقاموا وليمة على حسابهم. لم يكشفوا عن الحرامية، فهذا شبك عمل، وأصحاب البقر المسروق لم يسألوا عن ذلك فهذا عيب.
كل مرة أمرّ قرب دير القاسي المهجرة والمهدّمة، مئات المرات في هذا العُمر، أفطن بهذه النّفيلة وعمل الخير. وهذا ما كان مع اهل عرابة، إحدى العشائر سرقت بقر البلد، فما كان من شيخ عرابة الا ان أعاد البقر المسروق، وهذا معروف، هذا ما حكاه الرفيق توفيق كناعنة، وأبو صالح أحمد الجربوني الذي نشره في جريدة الاتحاد، وهذا ما ننقله الى طلاب مدارس عرابة وبيت جن، عن الحِلف بين البلدين، وعن الحلف بين بيت جن وسحماتا، كل سنة نشارك الاهل في سحماتا في ذكرى النكبة ومهرجان العودة.
الدولة الجديدة ألغت نشيد:
نحن جندُ الله شبان البلاد
نكره الذل ونأبى الاضطهاد
ورحنا نتعلم:
في حمى اسرائيل كلٌ قد رَبَى
في سلام "وأمان" وإبا
وبدأنا نتعلم اللغة العبرية، المعلمة الاولى كانت سهام خليل منصور، وسلمان ذيب دغش من المغار، وجهاد ابو حمدان من أصل لبناني، ومسعود ابو زيد من معليا .
اختلفنا مع المعلمة سهام وهي تترجم – كيشِت – قوس قُزح، فالمألوف عندنا قوس القَدَح وليس قُزَح.
علمتنا: بوكِر بوكِر بوكِر با
ميري رامي كومو نا
جاء الصباح، انهضوا يا ميري ويا رامي.
وجاء كتاب "مِكرؤوت حَدشوت آلِف"، وكتاب هَلِف – القلب. اختلفنا مع المعلمة أوجونيه وهي تعلمنا ان سكان الرامة اكثر من سكان بلدنا بمئة نسمة، وراحت تضحك بلطف. واختلفنا مع المعلم يوسف اسماعيل من الرامة عندما كتب في جريدة "اليوم" ان غُرف الدراسة المستأجرة عندنا أشبه بأقنان الدجاج!! ثارت فينا الوطنية ووقعنا على عريضة ضد المعلم، وهو أكثر من صادق، لكن الولد ولد.
المفتش الاول الذي زار مدرستنا كان "حنا الخازن" شعره مفروق في الوسط وفيه شيب، في احدى المرات جاء مع طبيب، وقاموا بفحص بطون الاولاد. يتمدد الولد على الطاولة ويُجعلكون بطنه: والنتيجة؟ لا نعرف، فقط عن واحد قال: تحت الفحَص طَحَل!! كيّف لها وليد فرهود.
المعلمان هايل حسون من دالية الكرمل ولطيف سلامة من طرعان، كانا رياضييْن في القفز العالي، نحن نمسك طرفي الحبل، والواحد يرفعه الى كتفه ويقفز فوقه.
الكتب الاولى التي طالعتها أعطتني إياها سلمى بنت عمي فريد القاسم، ومن هذه الكتب: الأجنحة المتكسرة، الفضيلة، ماجدولين، الأرواح المتمرّدة، ذات الزهرة البيضاء. أما عندنا فلم تكن هنالك كتب للمطالعة، كان عندنا كتاب جواهر الادب من خزائن العرب وكتاب الطب البيتي وقد قرأتها، لكنها لم تكن قصصا جذابة.
جاء مدير المدرسة حنا فارس مخول وعلّمنا لغة انجليزية ولغة عربية، وتفاعيل العروض مع تنغيمها:
- وزائرتي كأن بها حياءً
                  فليس تزور إلا في الظلام
- وكنا حَسِبنا كل بيضاء شحمةً
                         ليالي لاقيْنا جّذامَ وحِمْيرا
- فلما قرعْنا النبع بالنبعِ بعضُه
                        ببعضٍ أبت عيدانه أن تكسّرا
- سقيناهُمُ كأسا سَقونا بمثلها
                        ولكنهم كانوا على الموتِ أصبرا
- شكونا الى أحبابنا طولَ ليلنا
                           فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
- وذاك لأن النوم يغشى عيونهم
                        ولا يغشى لنا النومُ أعينا
- فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما
                  نُلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
وعلّمنا أنشودة من تأليفه خارج برنامج التدريس وضده:
نحن طلاب المدارسْ
نحن شبان الغَدِ
كلنا للعلم حارس
قاهر للمعتدي
ساهر منجز واجبه
لاعبٌ ناشط للعب
وعَلِمْنا ان أما
رُبّيت في المعهد
تجعل الطالب غِرْسا
صالحا للسؤددِ
وعلمنا ان جهلا
سائدا في البلدِ
يجعلُ الأمة حقلا
لفسادِ المفسدِ
المربون منار
ساطع كالفرقد
كم لهم من حسنات
وعلينا من يَدِ
نشرتُ هذا النشيد في مجلة الشبيبة وأبناء الكادحين، بعدها هاتفني وسأل: من اين لكَ هذه!!
-أنت علمتنا اياها في الصف السادس.
قلتها يوم تأبينه، ونشرها الاستاذ فراس مع قصتها في الكتاب عن والده ومعلمنا.
أول كتابيْ مطالعة اشتريتهما من الناصرة، من بَسطة في السوق عند دكانة أخي وصديقي وفيق نجيب الحكيم ابن أبو فوزي. الكتاب الاول "دولوريس" لتشارلس جارفيس، والثاني روبرت هِنتزو لأنتوني هوب، ضاع الكتابان، أفتش عنهما وعن كتاب "ذات الزهرة البيضاء او مذكرات مرغريت" في كل المكتبات التي ازورها، لم أجد هذه الكتب التي أحنّ الى قراءتها.
(يتبع)

السبت 6/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع