عوالم السرد الفانتازي والأدب العجائبي


د. جهينة عمر الخطيب


*قراءة في المجموعة القصصيّة "ميلانخوليا الوجود رجفات ولوحات قصصيّة قصيرة"
للأديبة د.كلارا سروجي شجراوي


التشويق والإيحاء


غلب أسلوب التشويق في الحكايات العجائبية لدى سروجي  من خلال استعمال لغة إيحائية شائقة تحفّز القارئ على المتابعة ليعرف كُنه الحكاية: "... فتبعها مجذوبًا إلى جمالها، مندفعًا نحو اكتشافها، دون أن يعرف كنه الطّريق ولا طبيعته، يسير خلفها مغمض العينين مستسلمًا لدغدغات لذيذة يحسّ بها تسري في مسامات جلده كلّها.. ورائحتها العطرة تصل إلى منخريه وتتغلغل عميقا في رئتيه"


تابوهات وأعراف


من خلال مواضيع فلسفية وجودية اجتماعية ناقشت التابوهات الموجودة في أذهاننا وصعوبة تغييرها فنحن نرضعها مع الحليب، وتسري في دمائنا نابعة من الأعراف والتقاليد والدين، فمهما بلغنا من التطور لا نقوى على الانتصار عليها فكأنها اشباح تكبّل أذهاننا. فهل يتقبل عقلنا "المثلي" على أنه مريض يجب أن نعطف عليه، وهل نحن على استعداد لكسر الحواجز



* مقدمة


إن الأدب الفانتازي ليس بحديث العهد في عالمنا العربي، فتراثنا القديم مليء بالحكايات والأساطير عن الجن والعفاريت، فقصص ألف ليلة وليلة تعج بالمخلوقات الغريبة والأحداث الأكثر غرابة والتي تميل إلى أفعال خارقة بعيدة عن الواقع. ولكن طريقة توظيفها اليوم جنس أدبي متعارف عليه تحت مسمّى "أدب الفانتازيا" باتت أكثر إيحائية ورمزية، وإن تعددت المصطلحات  لهذا النوع من الآداب من فانتازيا إلى العجائبية، الغرائبية، السحرية الفانتاستيكية،لكن الهدف واحد. والسؤال هنا لماذا يلجأ الكاتب إلى الفانتازيا، فما السبب في اختيار كاتبتنا كلارا سروجي لهذا الأدب ليكون محورا أساسيا في قصصها؟!
سوف أتّبع في دراستي المنهج الوصفي التحليلي التطبيقي وستشمل المحاور  الآتية:
- مستويات حضور الفانتازيا وتجلياتها في السرد القصصي لدى  كلارا سروجي شجراوي
- دور العناصر الفانتازية في بنية النص القصصي وما هي العناصر الفنية الأبرز في قصص كلارا سروجي شجراوي
- ظواهر فاتنازية: التحول، المسخ، الرحلة....
- اختراق أنظمة  الحدوث الزماني والمكاني


الأدب العجائبي
يرى تودوروف  أنّ الأدب العجائبي يتراوح بين معنيين، الغريب أو العجيب" لتبدأ بالعجائبي الغريب وفيه تتلقّى الأحداث التي تبدو على طول القصة فوق الطبيعية تفسيرًا عقلانيًا في النهاية، أمّا إذا كانت هذه الأحداث قد أدّت بالشخصيّة والقارئ إلى الاعتماد في تدخل فوق الطبيعي، فذلك لأنّها كانت تحمل طابعًا غير مألوف" .
فمن هنا فإن الأدب العجائبي الذي يفسّر منطقيا ينتمي إلى الأدب الغريب أمّا الأدب العجائبي غير المفسر ينتمي للأدب العجيب.
ويعطي " تودوروف" أنماط التفسير التي تفسّر ما هو فوق الطبيعي أي ما أسماه الأدب الغريب وهي: الحظ، المصادفات- بما أنّها غير موجودة في العالم فوق الطبيعي-تأثير المخدرات، خداع الحواس، الجنون، الحلم .
وبهذا فهناك مستويان للأدب العجائبي" المستوى الذي يحكم فيه القارئ المضمر على أحداث معروضة وهو يتماهى مع الشخصيّة، وهذه الأخطار متناظرة ومتعاكسة: إمّا أن يقبل القارئ بأنّ هذه الأحداث فوق الطبيعية ظاهريًا يمكنها أن تأخذ تفسيرًا عقلانيًا، وعندئذٍ نميّز بين العجائبي إلى الغريب، وإمّا أن يقبل بوجودها على ما هو عليه ووقتئذٍ ندخل في العجيب" .
إنّ الأدب الفانتاستيكي" لا يتميّز فقط بغرابته إنّما هو رؤية مغايرة للأشياء لا يمكن أن تتركنا في نفس الحالة التي كنّا عليها  بخصائص خطابة وببنية الحكي واللغة، وإنّما هو رؤية مغايرة للأشياء لا يمكن أن تتركنا في نفس الحالة التي كنّا عليها قبل أن نقرأه" .


مكونات السرد الفانتازي في المجموعة
تضمّنت مجموعة كلارا سروجي تسع عشرة قصة في معظمها احتوت أدبا فانتازيا غرائبيا عجائبيا. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ما سبب لجوء سروجي إلى الفانتازيا؟
لابد أن تكون الكاتبة متابعة لما يحدث في الأدب العربي" فبالنسبة للأدب والنقد العربيين، يلاحظ أن مصطلح الفانتاستيك أصبح متداولًا ورائجًا خلال العقدين الأخيرين، كما أصبح يشكّل محورا بارزًا في استراتيجيّة الكتابة القصصيّة والروائيّة"  فلماذا اختارته كاتبتنا "؟!" قد يفسّر هذا الاهتمام بالنزوع إلى تكسير قوالب الواقعيّة الضيقة والبحث عن طرائق للترميز وتمرير الانتقادات الاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة" .
وهذا ما نجده لدى الكاتبة، فهي تنتقد ظواهر اجتماعية وسياسية ودينية  ووجوديّة فلسفية موظّفة الأدب الفانتازي المتخيّل فتخترق التابوهات والثالوث المحرّم: الجنس السياسة والدين: من خلال لجوئها إلى الأدب الفانتازي، فقد طرحت مواضيع متنوعة:
 وجودية فلسفية: عن وجود الله وإمكانية تخيله.
مواضيع اجتماعية فلسفيّة :المثلي- حرية المرأة والمطالبة بحقوقها ودورها في المجتمع- الخيانة، علاقة اليهودي بالعربي وإمكانية الزواج من بعضهما- علاقة المسيحي بالعربي وإمكانية الزواج- بكاء العربي على أطلاله التاريخية من خلال استدعاء أبطاله في الزمن القديم- عقوق الأبناء.
فناقشت من خلال هذه المواضيع الفلسفية الوجودية الاجتماعية التابوهات الموجودة في أذهاننا وصعوبة تغييرها فنحن نرضعها مع الحليب، وتسري في دمائنا نابعة من الأعراف والتقاليد والدين، فمهما بلغنا من التطور لا نقوى على الانتصار عليها فكأنها اشباح تكبّل أذهاننا. فهل يتقبل عقلنا "المثلي" على أنه مريض يجب أن نعطف عليه، وهل نحن على استعداد لكسر الحواجز الدينية وإعطاء المرأة والرجل إمكانية ممارسة حياتهما بالشكل الذي يرتضيانه، فالمسيحي يتزوج المسلمة، والمسلم يتزوج المسيحية. ولا تدعو الكاتبة هنا لتحقيق هذه الأمور بل تعبّر بتساؤلات فلسفية وجودية عن عجز الإنسان، فلا يمكنه التحرر مما تربّى عليه. فلو فكّرنا بالمثلي قبل أن نرفضه،وما سبب اتخاذه هذا المنحى سنكتشف أنه ضحية مرض نفسي فاختار الهروب من واقعه لعجزه عن التغيير، فمعظم من اتّجه إلى هذا الطريق  قد تعرّض لاغتصاب في طفولته ولانتهاكٍ لجسده، فيكمن الجوع الجنسي واختياره أن يسير ضد التيار نوعا من التمرد والهروب إلى عالم هو اختاره بنفسه ولم يُفرض عليه . والخيانة آفة المجتمع الحديث، فقد تخون المرأة نوعا من التمرد على وضعٍ فُرض عليها وزوج لم تختره، أو محاولة منها لإعادة هويتها الأنثوية التي فقدتها مع زوجها، كذلك الرجل قد يعبّر بالخيانة عن إحباط يعانيه في حياته الزوجية أو عن شهوة جنسية يتخذها قناعا ليخفي عجزه الفكري فيعوّضه بانحلاله الخلقي، وليس هذا دفاعا عنهما،فالإنسان العاجز قد يلجأ إلى عالم الخيال حينما لا يجد واقعا يرضيه،وقد يتمرّد على واقعه بانحرافات سلوكية.وكون كاتبتنا طرحت هذه المواضيع بجرأة فكأنها تهدف بهذا  إلى أننا يجب أن نقف مع أنفسنا ونفكر لا أن نقف عاجزين ونختار ردة الفعل الأسهل التي ورثناها عن عقائدنا.
مواضيع سياسية: الصراع العربي اليهودي، وتعرّض الفلسطيني للحواجز المكبّلة لإنسانيته وحريّته.فالفلسطيني لا يقوى على مجابهة الظلم والتمييز العنصري الذي يعاني منهما إلا عن طريق مخيلته، فواقعه مرير، وحتى في الحلم يقف عاجزًا:
"ابتسمت لي ثمّ قرّبت شفتيها من شفتي وامتصتهما بقوّة. ارتعدتُ.. لكنّني لم أجرؤ على التحرك هناك، على بعد عشرين مترًا شاهدت رجلين ضخمين يقتربان منّي ويصرخان بصوتٍ عالٍ: أيها العربي القذر ابتعد عنها" .


تجليات الفانتازيا في السرد:
الميلانخوليا: هي عبارة عن أعراض نفسيّة وجسديّة مفاجئة ومؤلمة، تبلّد للأحاسيس، عدم إمكانيّة وزن الأمور وسوء تقدير للزمان والمكان، الميل للانزواء والانطواء،تعب نفسي وجسدي شديد، وساوس وهواجس، خوف وهلع،الشعور بتأنيب الضمير وميول انتحاريّة.
نرى جميع هذه الأحاسيس من خلال شخصيات القصص المختلفة لدى سروجي. وعندما نربط الميلانخوليا بالوجود، أي ربط المشاعر الخاصة بالكائنات الحية بالوجود فكرة مجردة تستدعي الفانتازيا إضافة إلى الفلسفة، والمواضيع الاجتماعية  وهذا المزج بينهما يخلق سريالية وأبعادا متنوعة. وعند الرجوع إلى القصص  نلاحظ هذا الدمج بين الخيال والواقع وبين الفلسفة والفانتازيا، فنوقشت مواضيع فلسفية  اجتماعية، كوجود الخالق وهل ممكن تحويله من رؤية بالعقل إلى رسم نابع من تخيّل العقل، كذلك نوقشت مواضيع المرأة ومفهوم حرية المرأة والعلاقات بين الأديان والقوميات المختلفة  سواء كانت بين المسيحية والإسلامية في إحدى القصص، وبين العربية واليهودية في قصة أخرى، كانت الغلبة للفانتازيا في معظم القصص، ومن هنا جاءت أهداف الدراسة تسليط الضوء على الفانتازيا في سرد القصص.
وقد أشارت الكاتبة في أحد الحوارات معها عن سبب تسميتها للكتاب فقالت:جاءت فكرة مجموعتي القصصيّة الجديدة “ميلانخوليا الوجود” في معرِض قراءتي لأبي بكر الرّازي الطبيب والفيلسوف من القرن العاشر الميلادي عندما كتبَ عن العلاقة بين دراسة الفلسفة وإصابة الإنسان بالميلانخوليا أي السّويداء أو بلغتنا البسيطة الاكتئاب. لم يتكلّم وقتها في سياق رسالته “السيرة الفلسفيّة” عن الميلانخوليا كمرض، إنّما حالة نفسيّة تجعل الإنسانَ يشعر بالضّيق وبثقل عظيم يهبط على أكتافه عندما يُصمِّم على دراسة الفلسفة خلال سنة واحدة فقط، ليؤكّدَ على صعوبة الأمر من ناحية، وعلى إمكانيّة إصابة الإنسان بالاكتئاب. ونحن في حياتنا اليوميّة نعيش ضغوطات على مستويات مختلفة وفي مجالات متعدّدة ممّا دفعني لاختيار هذا العنوان. أنوِّه بأنّ الحزن يكون لسبب ما محدَّدا، بينما تكون الميلانخوليا حالة نفسيّة لا يستطيع المرءُ تحديد أسبابها، وبالتالي لا يجد وسيلة للتخلّص من هذا الشّعور الذي يكدِّر روحه" .
فانتازيا الشخصيات: تحمل  الشخصيات صفات أسطورية إلهية


استدعاء شخصيات تاريخية أسطورية:
 
1- استدعاء عنترة بن شداد في قصة"" أنفوزيا في شرايين الوطن":
" اقترب منها عنترة أكثر بجسمه القويّ الرّشيق، وبعضلاته المفتولة المثيرة، ثمّ احتضنها بقوّة في منتصف الطريق أمام المارّين والمارّات وصرخ عاليا: لا تستسلمي حبيبتي، قاومي، لا تغمضي عينيك، أنا معك" .
ولقد لجأت الشخصية الرئيسة لعنترة تماهيا معه فهي سمراء مثله  وتمنّت حضوره لكي يحميها في وطنها أمام الحاجز وما يتعرض له الفلسطيني فكأنه أصبح يستعين بأطلال بطولات العرب، فحين تقف عاجزا ليس أمامك إلا استدعاء التاريخ. وعندما اقترب منها عنترة" شعرت بنشوة غريبة تسري في كيانها.. تلفّعها بدفء لا مثيل له، لم تتأثّر بفحص الجنديّة الشقراء لها عند الحاجز، وهي تدعك ثدييها الصغيرين بحقد، وتشدّ على بطنها وردفيها بقوّة، أو تنخر بطرف العصا غطاء رأسها...لم تهتمّ لفتحهم حقيبتها وكسر الأقلام ..... لكنها توجّعت واغتمّت... عاد عنترة يشدّها إلى صدره من جديد، يحكي لها عن بطولاته العظيمة علّها تفيق. سيمنحها دمه الغزير ولن يبخل عليها.. سيضمّد جراحها ويعتني بها... سيسهر إلى جانب سريرها ويسلّيها بنوادر العرب وطرائفهم وبطولاتهم. لن يتركها ملقاة على الرّصيف بعد اليوم" .
2- استدعاء شهرزاد في ظل مجتمع قاهر وظالم للمرأة
"أنا وحكاياتي كائنان لا ينفصلان، إن نجحت حكاياتي فزت بالحياة، ورددت لبنات جنسي مكانتهن، الويل الويل إذا فشلت.. ستضيع الأوطان وتُستبعد النساء من جديد.. ستنتحر الكرامة وسيصيب الرجولة عقم دائم.. سيعمّ الخراب ملتهمًا النفس قبل الجسد. لن ينجو أحد هذه فرصتي التاريخية لإعادة ترتيب الأشياء" .
3- استدعاء شخصيات ثقافية في مجالي الفلسفة والفن:
قامت الكاتبة باستدعاء :
- الفيلسوف الألماني هيغل
- سيمون دو بوفوار
- الفيلسوف كانت
- الفيلسوف ابن رشد
- المطرب محمد عبد الوهاب
- المطربة أم كلثوم
- وقد جمعت الكاتبة هذه الشخصيات جميعها في قصة " جلسة أرواح" لتناقش من خلالهم دور المرأة في المجتمع ما بين معارض لعمل المرأة وسلب العقل والفكر منها إلى مؤيد للمرأة وعملها،و يراها بأنها نصف المجتمع وتتعرض لظلم مجحف.
- الملامح الغرائبية في الشخصيات:نلاحظ في شخصيات الأدب العجائبي ملامح تميّز هذه الشخصيات وتمتاز بالغرابة التي قد تُشعر الإنسان بالخوف وبأنه يتعامل مع كائن غريب، وقد يظهر هذا في تفاصيل معينة في  ملامح الوجه:
1- اتساع العينين بشكل غير طبيعي.
" أدارت وجهها إليه بشكل سريع فجائي فهالَهُ اتساع عينيها. لم يرَ في حياته مثل هذا الاتساع للعينين.شعر أنّه أمام امرأة غريبة لا تنتمي لهذا العالم بالرغم من جمال قوامها واستدارة وجهها الأبيض وانسدال شعرها الطويل على كتفيها البضّين المكشوفين. خاف من عينيها.. شعر فجأة بارتجاف شديد في أطرافه" .
2- عدم ثبات البؤبؤين في مكانهما:
" لم ير البؤبؤين بل بقعتين متعكّرتين تتحركان بكل اتجاه، تسارعت دقّات قلبه وأخذ نفسه يضيق مجددا" .
4-  الأنياب البارزة:
" وقد وقفت أمامه مخلوقة عجيبة ذات مظهر مرعب، أنيابها بارزة داخل فم كبير كأنه جوف كهف مهجور" ..... " فبرزت أسنانها الشبيهة بأسنان الذئب" .
- العلاقة بين المادة والروح:
تدخل الشخصية العالم الغرائبي العجائبي  فتفقد إحساسها بالجسد ويصبح الجسد مكبلا فلا يقوى على الحركة وتصبح الروح هي المحلّقة في هذا العالم:
" أدرك أن جسده قد انفصل تماما عن روحه، لكن ذاكرته لم تفارقه" ..... " لم يفهم فهو على يقين بأنه قد مات" .
- نرى تنوع القصص الفانتازية بحيث تضمنت الأفعال الآتية:


أفعال فانتازية:
- الاختفاء- الظهور: وظهر هذا التضاد الفانتازي في قصة "سفر " فتتلخص القصة باختفاء شخص يجلس مع أصدقائه أمام بحيرة طبريا  ليظهر من جديد بعد أن عاش قصة خيالية، فالاختفاء والظهور كان و"واقعا" بالنسبة للشخصية المركزية بينما كان وهما بالنسبة للأصدقاء، فبالنسبة لهم لم يختفِ بل كان يحلم واستيقظ.
- فانتازيا الأحداث: التحول - المسخ
وظهر في قصة "السفر" حيث تحولت  من مخلوق  ساحر أشبه بالجنيات "نظرت  إليه  بعينيها النجلاوين، ومالت برأسها إلى اليمين، ثمّ حرّكت جديلتها الشقراء الطويلة فتبعها مجذوبًا إلى جمالها، مندفعًا نحو اكتشافها، دون أن يعرف كنه الطريق ولا طبيعته"  إلى مخلوق مخيف" .. وقد وقفت أمامه مخلوقة عجيبة ذات مظهر مرعب، أنيابها بارزة داخل فم كبير كأنّه جوف كهف مهجور.... "
 الرحلة - وظهرت في رحلة الشخصية " عنتره البيروتي يبحث عن حبيبته في حيفا" ورحلته المتخيلة من بيروت إلى حيفا ومعايشته لنكبة 1948 وحتى اجتياح لبنان عام 1982 في بيروت .
الأسطورة:يكمن الحلم الذي واجهته الشخصيات في عالمهم الغريب نسيجا لخلفيات ثقافية، فعندما يحلم الشخص بجنيةّ، وبممارسة الحب بشكل خارق،لهي بواعث نبعت من خلفيتنا الثقافية حول الآلهة وقدراتهم غير الاعتيادية كالإله زيوس وقدراته الخارقة وإسقاطات من قبلنا تنفيسا لأحلامنا المكبوتة، عندما نقف عاجزين أمام تحقيقها.
- اختراق أنظمة  الحدوث الزماني والمكاني
يختلف في قصص الفانتازيا تحديد الأزمنة، فالشهور  في عالم الفانتازيا  قد تكون ساعتين في عالم الواقع، والعكس صحيح:
" ألا تزالون على جلستكم هذه بعد كلّ هذه الأشهر؟
عمّ تتكلّم؟ إنّنا هنا منذ ساعات الظهر فحسب.
ولكنّني غبت أشهرًا طويلة... كنت معها..مع حبيبتي..وقد حملت منّي. أخذت طفلي واختفت."
كذلك المكان فالانتقال من مكان إلى  آخر في عالم الفانتازيا قد يسبق سرعة الضوء.
وقد يفسّر في كونه حلما أو أحلام يقظة:" قبل أن تتوقّف ليندا عن الحياة بيومين رأت نفسها فيما يشبه المنام بأنّها داخل حديقة مليئة بالزهور الملوّنة، والأشجار تحنو عليها وتحميها من شعاع شديد كأنّه  وهج نار مشتعلة إلا أنّه لا يحرق" . فالمكان في متخيل الشخصية، ولا وجود له على أرض الواقع: "لم يقدر على تحريك قدميه فهو لا يعرف إلى اين يتّجه. هو والبحيرة وحدهما في مكان مجهول من العالم" .
الحلم والهروب الفانتازي من الواقع: وظّفت الكاتبة تبريرا واقعيا لقصص الفانتازيا وكان دائما الحلم، فإما أن تسيتقظ الشخصية  من سباتها لتكتشف أنها كانت تحلم أو يوقظها من حولها :
-" استيقظتُ مرعوبًا فوجدتها نائمة على كرسي قرب سريري وفي يدها تلك السلسلة الذهبية" .
" يبدو أنك " تقّلت" في الأكل فتعبت ونمت وشبعت أحلاما"
-" .. أرادت الخروج، لكنّ النفق المظلم الذي أحاط بها يكبس على صدرها ويجعلها تشعر بالاختناق، أرجعت رأسها إلى الوراء فاصطدم بحاجز خشبيّ.....ارتدّت إلى الأمام ولم تستطع الخروج من النفق.... ازداد شعورها بالاختناق.. لم تعد تحتمل السّجن، فصرخت عاليًا دون أن يُسمع صوتها.. فتحت عينيها لترى وجه أمّها  تهزّها وتزيح عنها اللحاف" .
-" أخيرًا بعد ثلاثة أشهر تفتح عينيك من غيبوبتك الطويلة...." .
ولكن الكاتبة هنا وكأنها وجدت  المخرج الأكثر سهولة لإيجاد تفسير منطقي لهذه الفانتازيا. وهي ليست مضطرة لهذا فكان باستطاعتها أن تنهيها نهايات مفتوحة موحية رمزية دون البحث عن منطق معين بحيث تخترق بذلك الأدب العجيب، أمّا إذا رغبت بالأدب الغريب وإعطاء تفسيرات لما هو فوق الطبيعي فكان بإمكانها عدم التقوقع في دائرة الحلم في معظم القصص بل كان يمكن أن تنوّع في التفسيرات التي حددها تودوروف، كالحظ والمصادفات وتأثير المخدرات والهلاوس وخداع الحواس والجنون.
- الجنس والقدرات الخارقة كمؤشر للعجائبية
دائما ما نلاحظ أن من ضمن الغرائبية إسقاط قدرات جنسية غير مألوفة في البشر على الشخصيات المتخيلة، وكأن بالجنس وسيلة للتغييب عن الوجود والواقع،والوقوع  في براثن العالم العجائبي لنحقق من خلاله الأحلام المشتهاة والتي نقف عاجزين أمامها في عالم الواقع:"شعر بيدها الناعمة كالحرير تمسك بيده بدفء وحنان. سارت به إلى البحيرة، خلعت ملابسها فبان جسدها الجميل البضّ بأنوثة لافتة تحرّك شهوة أيّ رجل. أشارت له فخلع ملابسه هو الآخر ونزلا معًا البحيرة. التصقت به فالتصق بها ونسي خوفه العظيم مفسحًا المجال للهفته بأن تعلو درجات ودرجات، امتصّت رحيق رجولته .. وقالت له بأنّها ستحمل منه فازداد نشاطه وعنفوانه. لن تتركه قبل أن يتحقق ذلك.. لكنّه لم يفهم عبارتها الأخيرة فالوَله قد سيطر عليه تمامًا"
-"أدرك أنّ جسده قد انفصل تماما عن روحه، لكنّ ذاكرته لم تفارقه، ولم ينسَ تلك اللحظة التي أحاطته بها بذراعيها القويين رغم رقّتهما الظاهرة، وطبعت على شفتيه قبلة جعلت جسده ينتفض نشوة ولذّة لم يختبرهما في الماضي  مع أي امرأة أخرى تفوّقت عليها جمالًا وعذوبة" .


بنية السرد في الأدب العجائبي
" إنّ من طبيعة اللغة ذاتها أن تقطّع المقول إلى قطع غير متوالية، والاسم في اختيارها لخصّيصة أو لخصّيصات متعددة للمفهوم الذي يشكّله، يلغي كل الخصّيصات الأخرى ويضع نقيض أطروحة هذا ونقيض أطروحة ضدّه، والحال أنّ الأدب إنّما يوجد بالكلمات، لكنّ نزعته الديالكتيكيّة هي أن يقول أكثر وأن يقول ما لا تقوله اللغة، وأن يتجاوز التقسيمات النحويّة العامة، هناك في داخل اللغة شيء ما يهدم الميتافيزيقا الملازمة لكلّ لغة" .وعندما توظّف أديبتنا الأدب العجائبي فلا بد للغة أن تكون طيعة لهذا النوع الأدبي.
ويذكر  الباحث د. أسامة عبد العزيز جاب الله  أن سمات السرد العجائبي تتلخص بالنقاط الآتية:
- تعددية الأصوات المشكّلة للنسيج الحي للحكاية.
- توشيح السرد بفكرة الإيحاء والإيهام.
- ربط السرد بالوصف المبالغ فيه
- إنتاج نوعين من علاقة السارد بالحكاية:
1 – السارد الملتحم بالحكاية فهو راوٍ ومشارك في الأحداث.
2- السارد غير الملتحم بالحكاية  فلا يشترك في أحداثها وإنما هو منظّم للحكي يعرض الأحداث ويربط بين أصوات الشخوص وله هيمنة في الأدب العجائبي باستعماله ضمير الغائب  .
وعند التّمعن في قصص كلارا سروجي نلاحظ الآتي:
تعدد الأصوات واختلاط الضمير ما بين ضمير الغائب وضمير المتكلّم، مع الغلبة لضمير الغائب.
ضمير المتكلّم:استخدمت الكاتبة ضمير المتكلم في ثلاث قصص: " عنترة البيروتي يبحث عن حبيبته في حيفا" و"جلسة أرواح" و"عذاب" ولكنها شكّلت جزءا بسيطا من الحكاية في الغالب في قصة الإطار  لتنتقل بعدها إلى الحكاية بضمير الغائب:
" كان لي الحظ  في التّنصت عليهم في إحدى المرّات القليلة ولن أخبركم كيف توصّلت إلى دخول عالمهم كي تبقى الحسرة في قلوبكم فأنا أحبّ استفزازكم وأتمتّع بذلك" وهذا صوت الراوي لينتقل مباشرة بعدها إلى الحكاية وضمير الغائب.

ضمير الغائب:" سارت هي وسار هو في زقاق ضيّق رفيع بين صفين من البيوت القديمة المتهالكة" .
والسارد في ضمير الغائب لا يلتحم في الحكاية بل كان يشاركنا في سرد الأحداث.

- أسلوب التشويق والإيحاء وإثارة الدهشة
غلب أسلوب التشويق في الحكايات العجائبية لدى كلارا سروجي  من خلال استعمال لغة إيحائية شائقة تحفّز القارئ على المتابعة ليعرف كُنه الحكاية:
" ... فتبعها مجذوبًا إلى جمالها، مندفعًا نحو اكتشافها، دون أن يعرف كنه الطّريق ولا طبيعته، يسير خلفها مغمض العينين مستسلمًا لدغدغات لذيذة يحسّ بها تسري في مسامات جلده كلّها.. ورائحتها العطرة تصل إلى منخريه وتتغلغل عميقا في رئتيه" .

الوصف في الحكايات العجائبية
شكّل الوصف دورا مهما في خلق الجو العجائبي من خلال مبالغاته الأسلوبية وانزياحاته المفارقة محاولةً من الكاتبة لإدخال القارئ إلى عالم اللا واقع والفانتازيا:
" شعر فجأة بارتجاف شديد في أطرافه.. أحسّ بأن الرمال تتحرك تحت قدميه. أخذ نفسه يتقطّع وانتابه شعور بالاختناق والغثيان" .
وتكمن المفارقات الدرامية في الحكايات عندما يكتشف القارئ في نهايتها أن بطل الحكاية كان يحلم.



خاتمة


خاضت الأديبة د.كلارا سروجي شجراوي عالم الفانتازيا والأدب الغرائبي، فجاءت تجليات الفانتازيا في السّرد متنوعة من خلال التركيز على النقاط الآتية:
استدعاء الشخصيات الأسطورية والتاريخية
اختراق أنظمة  الحدوث الزماني والمكاني
توظيف - فانتازيا الأحداث: التحول – المسخ
التضاد الفانتازي :الاختفاء - الظهور
العلاقة الغرائبية بين المادة والروح
توظيف الجنس معلما غرائبيا
وقد نجحت إلى حد كبير في دخول العالم الغرائبي، ولكن تنقصها التنويعات في قفلة القصص بدلا من التركيز فقط على الحلم، والانتقال لنهايات أخرى كالهاجس والجنون وفقدان الوعي .الحظ،المصادفات، وفقدان الحواس.
كلارا سروجي باحثة جادة وقاصّة مبدعة لا بد أن تخترقنا كتاباتها لندرسها أكاديميا وبانتظار المزيد من إبداعاتها.


السبت 6/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع