أنا وهي والخريف.. كنا ورقتين على غصن أخضر


د. فؤاد خطيب


كَبرتها  بحولين . كانت عندما يَهبُ  النسيم  في اوقات عصر الصيف  ترقص  على حضني وتضحك ، تقترب فأرشف ماء  الورد من شفتيها ، تبتعد أمد  يدي وأحضنها  وأحميها  حتى من النسيم العابر والفراشات  والعصافير وورق  الخريف  التائه  في عوالمها. أحيانا كنت  أفرد جناحي وأخفيها عن الشمس وعن كل العيون.
كَبُرت ورقتي  وكَبُرت ورقتها وعَقد  ساقها وتحول  الى عود يلوح  بين  الخضرة والصُفرة وقد امتصت  كل شمس الصيف وسَرقت من القمر جماله ونوره. كنت في الليل أتوه  في عينيها التي عَكست حال  وجودي وجمال هذا الوجود وغايته. في  السحرِ كانت تخاف حَبات الندى وبرودة الصباح وتأتي الى حضني  كقطة سامية وتغفو  بين شوقي  وحنيني وشذرات  الوسن. في  الخريف  اصفر لونها  وغَدت مثل شمس غاربة.عندما هَبت رياح الشروق ونزل  الوسم  الأول  خبأتها كالسحر في معطفي  حمامة بيضاء. 
عَشقتها عِشقا  مَجوسيا  ناره لم تخب بعد،  مَددت من قلبي  عروقه كُلها ورَطبت  أجمل حناياها بماء العشق الأول والخلق الأول ورطبتها بنطفة الحياة حتى ضاعت من عروقي الحياة واصفرت.  ها هي اليوم ورَقتها  حَزينة تَنتظر في مواكب الفناء  بعد أن تكدست أوراق الخريف كلها في طريقها الى الفناء. قَبلتها  وتَركت  في عرقها اكسير الحياة  وقرأتها صلوات أدونيس  وعشتار لرحلة  بعد قادمة من شفافية اللوز. أخبرتها كل اسراري وحبي ووجدي  وقصة جلجامش وقصة  نوح والطوفان الكبير  وقصص الف ليلة وليلة والسندباد  وعلاء الدين  واسرار الشرق واسرار الحمام ورهبة اغصان الزيتون. وعَدتها  أن أنام معها نومة الشتاء الطويل  على محراب عشقها  فيه تَتكور وتلف جدار قلبي وتمتص رمق الحياة من دمي. قَبلتها  خِلسة كل  يوم باحثًا  عن شمس ضاعت بين الغيوم والعواصف. نمنا وهي في حضني ننَتظر  الاقحوانية الصفراء الأولى حتى نَخلع شرنقات الموت الصفراء ونَلبس لونًا سندسيا ونودع  أدونيس وعشتار هناك  في الشمال   القريب يرقصان  مع  الكنعانيات  في النبع   القديم. في الربيع أخذتها  وطِرنا على جناحي فراشة الى  الأم الحزينة الشجرة  صاحبة  الجذع القديم التي تقف منذ ألف وألف  عام  خلف جدار   القلب   تَسقيه وتَحميه. ركبنا عنان ذلك الغصن  الذي كَبُر واشتد عوده. يا الهي...سهوت مرة  في  الخريف  الأخير وتاهت  مني في الضياع  الكبير. بقيت  وحيدا  أنتظر عودتها  من رحلة  بعيدة ربما لن تأتي  قط. ربما تاهت  مني الى الأبد على لحن وتر  حزين .
 
10/10/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع