جبال الريح (13)


محمد نفاع


عين سرطبا، بعدسة: حمد حرب


الجن واللقايا
اللقيّة في مغارة السّدير مرصودة بجانح طير، جانح واحد يطير ويهاول على الواحد في الليل. لقية عريض يوسف عبيد تحت كرمنا الدرجة مرصودة في حيّة العياذ بالله، تقرِّبش عليها بتقربش عليك، لقية مغر العيد رصدها جرذون فار ابيض مثل الطحين، فات عمي على المغارة، ومعه فنيار كاز ومسّاس، والمغارة غميقة، مشي قدر عشرين خَطمة صار الجرذون يشبّ عليه ونفخ على الفنيار وطفاه. كنا نحن الاولاد نحب الحكايا عن الجن واللقايا، عن خربة كتيم في ارض الجوانية وخربة الجرمق والصعبنية وباط الصور وسرطبا والسدير والسهلة.



كان المهرّبون من الحارتين، الشرقية والغربية، ومن بين الذين ضربهم مكس ضربا شديدا بالتقصيرة على ظهورهم خالي عقاب ونجيب بومنصور، جاء اولاد الحارة هَذيك الى عين الجرون وعقيدهم "منيب" ولعبنا معا وجرت صُلحة بين الاولاد على "مرميغة العين"، نِمنا هناك وصوت المزراب يزقح، والبوم بصوته الأجوف الصافِر على رأس شجرة الجوز الكبيرة، في وادي عين الجرون الكثير من الجوز حول القناة الجارية، وفي المنطقة خلّة اسمها خلة الجوزة، والجوزات، جوزة دار هاني الخطيب اكبر من الكل، تحوّش ثمان تلاف حبة، هذا غير جوزات النقرة وجوزات الجرمق، غنينا كل الاغاني التي نعرفها كلها عن سلطان باشا.
شَدّيتلَّك جِدعيّة
   بالكون مَنسوبّه
جِدعية تسبق هبوب
   الريح لو جابَا
لو تِسمع حِس الزّغاريت
   نوبه على نوبه
والخيل خاضت بالدّما
   كالسيل غدران
قوم اعْتَليها يا لِغْلام
   ودّي لي مكتوبا
حَيّوا بها راعي النّماس
   الباشا سلطان
عندما وصلت صورة جمال عبد الناصر مع سلطان الأطرش في "القْرَيّه" بلد سلطان، وهي معلقة اليوم في العديد من البيوت، صرنا نعيّد عيد رمضان، عيد الفِطر بناء على الموعد الذي يقرره الجامع الأزهر، حتى سيدي راشد تَغيّر.
قبل ان يعلّم الضّو، وينعرف الكلب من الذيب، أطلّ وحشان كبيران من الطريق الواصل من نواحي سَرْطَبا
- ضْباعَه!!
هجمنا كلنا ضَرْب جَمَش على الوحوش حتى هرَبوا وبدأ الحديث عن الضبع كما سمعناه من الكبار، كان نجيب بو منصور مروّح في الليل وعلى ظهره حِمل مهرَّب، لحِقَه الضّبع وحَشَره، صار يسبقه ويشبّ في وجهه، والدنيا عتمة وشتويّة، نجمها غاير، ثم فطِن ان معه ضوّاية – بطارية – ضوى في وجهه، مِلْحَه وذابت أما خالي صالح فراح "يقضي غرَض" في كروم السكْرانه، سَبّق له الضبع، زنْقَح على ذيله ورشقه، ثم جعله يركب على ظهره وأخذه الى الموكرة في خلّة الشمالية، وعندما تعوّق في العودة الى البيت، لحقه السُّهّار فسمعوه يضحك، لأن الضبع يظلّ يزكْزِك الواحد حتى يفقع من الضحك قبل ان يأكله، كَرتوا الضبع وعادوا مع الزّلمه، الضبع في النهار ضبع وفي الليل سبع.
كان أبي راجعا من صفد في الليل، وقع عن ظهر الدّابة في "النَّعصة" وانْطخّت إيده، فقدَ وعيه برهة من الزمن، والدّابّه مالية الملعون روّحت، وعندما أفاق قال له بوكامِل – لطف من الله، سمعت جوز ضباع يْقَعِقْعوا، كانوا أكلوك. كان في البلد الكثير من الضباع، في أرض المضبَعة، وضبع الجُرف، والجُرف هو الوادي ووعر المعاصي بين البلد والرامة وساجور، ولاحقا سأحكي كيف لاقيته وأنا في الصف التاسع.
في أحد الأيام عُدت طقّرية الظُهر، لم أوفّق في قتل أي عصفور، وكانت عمتي سديقة قالت لأهلي انها شافتني أنا وبنت (....) تحت ذيال الجوزة، أمي زلّ عقلها على الخَبرية، أما البنت فقد فَلفَلتها أمها، بفلفل زعيتري. من النادر ان تجد بيتا بدون قَلايد فلفل احمر معلقة على الحيطان، يدقّونه للكبّة ومرقة العدس، زعلت من عمتي سديقة ومن عدم التوفيق بصيد العصافير، كان الدّجاج مُقيّلا تحت العوسج والرمان على المُرميغة، نقفت ثلاث دجاجات على الرأس، ظلّوا على الدخّانِه، جاءت عمتي سديقة واتهمت شفيق وقد طار عقلها على الجاجة الرّزية والحمْرا والرّقْطا، البيّاضات، اما شفيق فقد أكل قتلة مْكلّفِه من أهله. أما البنات الزغار فقد وضعوا الدجاجات على سنسلة الصّيره وقامت التناويح:
مَحَلّ السلطان وصاحب الدكانِه مات. وأنا أقول في عقلي لعمتي سديقة: تَتِتْعَلّمي تفسدي لأهلي!!
أما البنت التي فَلفَلتها أمها في "أضيق المطارِح" فقد تَوّبَت في اللعب مع الصبيان.
ومع ذلك لم نسمع عن أي واحد أكله الضبع، واحد فقط مات من قرصة الحَيّه، هو "حمّود البُديه" وهو رجل شجاع بطل وأخو المختار أبو فرحان صالح لِبْراهيم، قرصته الحية في ارض الخيط وهو يلاحقها ليمسكها طيّبة.
كان بُفرحان من اكرم الناس في البلد، جاء خِلّو شَويش التركي ليجلد احدى النساء – فلَقه – لذنب ارتكبته، جاء بُفرحان وقال: إجْلدني محلّها، هاي حُرمة عَرْض، ونحن نحافظ على الارض والعرض والفَرض. والفَرْض هو زيارة المريض والمشاركة في الأجر، في الجنازة، وجلده خَلّو شاويش التركي، فالاتراك هم الاتراك مثل الانجليز واليهود، حَمّور أخو سمّور.
خالي بُعساف اراد ان يأخذ جرو نَمر صغيرا، جاءت أمه النّمرة ولطشته كَفا على رأسه بأظافرها قبعت له جلدة رأسه. أما عسّاف فقد كان مع الناس وهم يجلبون حجر البّبور من ترشيحا، حَسَنة ونَخوِة، عَصّه الحجَر في السنسلة وتوفي، وقد ألّفت الرحمات عليه، كان هذا على وعيي، اسمه عساف على اسم عمه الذي ظل في الأرجنتين.
أبو منصور حسن طافش من سوريا، كان ثالث لعّيب ربابة في جبل العرب، يحكي حكاية عبد الكريم الجَرْبا ويقصّد على الربابة، سَمّوها الجَرْبا لأنها أجمل صبية وخافوا من صيبة العين. وفي بلدنا كانت واحدة من أجمل الصبايا سَمّوها العورا ضد الحسد وصيبة العين، وأنا أسمع عنها من احفادها وكلهم رجال كبار في السِّن. وكذلك كان بونِمر حسين طافش – حسين الحوراني يلعب على الرّبابة ويقصِّد قصيدة لأحد البدو عن سلطان
يا سلطان بْلاد الشام
                 يا مشيّد دين الإسلام
إلَك كُرسي بجَبَلْنا
                من تونِس لبلاد الشام
للشام مكانة كبيرة في البلد، كسوة العرايس المقتدرات من الشام، وحَطّات وعُقل راغب الصفدي، وورق الدخان، دفاتر الشام، والمعزى الشامية الحلاّبه والثوم الشامي البلدي الحرّاق، وأخوص حاكورة في البلد اسمها الشامية، يزرعونها دُخّان وفيها مشمشة لوزية، نسرقها في الليل، ونتبعّر ورق دخان للكبار ولنا عندما بدأنا نمصمص تُتن من ورق الدخان والجعساس وورق العِنب، وكان "الشّامي" من أشجع الرجال في البلد وهو الذي قتل غولة عين النوم. كان عائدا على ظهر الفَرس من رْميش في الليل، رأى طفلة تبكي على العين وقالت له: دَخيلك وصّلني على البلد عند أهلي، ركّبها وراه على الفرس، راحت أرجلها تطول حتى تشحط على الارض، وإيديها تِطوَل وأسنانها تِطوَل وتطرطق، عرف إنها الغولة، وصل الى درجة في الطريق، كَدّ الفرس، وَقعتْ ورفشها عند جُرن ابليس، لحقنا جُرن ابليس ونحن اولاد ولم نشرب منه لأن دم الغولة شخَب فيه، لليوم اسمه جُرن بْليس تحت خلة الشمالية.
كان أبي وهو صغير عائدا من الوعر، من الارض الغربية، حسب حساب غولة عين النوم التي كانت تعيش في الدّخْنوس، ثم سمع حِسّ خيّال فتشجع، تخبأ ورمى حصوة على الخَيال لتخويفه. فقال الخيال: وَلَك الدنيا بَدْها أْواس، على عين أطَمون ما خِفت، بدّك تخوّفني على عين النوم!! كان يقرط في القاف، الدنيا بدها قْواس، على عين قَطَمون... طلع ان الخيّال هو الشامي. كانت عين قَطمون وكَمبِ الشّقَطي مرابط لقطاع الطرق والمهربين وبوليس الاتراك والانجليز، استحى والدي وأغْرش.
الجن موجود في مغارة عين النوم، وفي مُغر سَرْطبا كانوا يسمعون ديكا يصيح في مغارة سرطبا في نْصاص الليالي، في المغارة العِلم عند الله لقيّة ذهب، كنز، والديك هو الجن الذي يحرس الكنز، لأن عجوزا على حفة قبرها في الشام، تطلعت في شبّ من البلد كان في الشام وسألته: إنت من بلاد صفد؟ خذني على مغارة سرطوبة أغنيك لوِلد الوَلد، هناك سبع خوابي ذهب، بتسمعوا ديك بصيح في الليل، هذا الرّصَد.
في البلد الكثير من اللقايا، صالحة مرة عمي كانت سهرانة ليلة الجمعة، روحت من الخلوة، وحطت في الموقدة قرْقود حطب سنديان والدنيا برّة ثلج، نص الليل شافت على سِدة البيت عروس شلبية، سبحان الذي خلقها واللي خلقها أحسن منها، كل لبسها حرير في حرير، رقصت شوية على السدّة وتجلّت، وعندما قالت مرة عمي اسم الله الرحمن الرحيم، مِلحة وذابت، في الليل كنا نخاف نسهر على السدة. أما في النهار فكنا نلعب هناك في نهارات الصيف، نلعب الورق.
على رعن مغارة الغربية في ليلة شِتا وشميط، والدنيا عتمة مثل الكحل، لاقى خالي احمد غنمتين، غنمة سودا وغنمة بيضا بتغسّلوا في الجرن، ذكر اسم الله تعالى مِلْحه وذابت.
اللقيّة في مغارة السّدير مرصودة بجانح طير، جانح واحد يطير ويهاول على الواحد في الليل.
لقية عريض يوسف عبيد تحت كرمنا الدرجة مرصودة في حيّة العياذ بالله، تقرِّبش عليها بتقربش عليك، لقية مغر العيد رصدها جرذون فار ابيض مثل الطحين، فات عمي على المغارة، ومعه فنيار كاز ومسّاس، والمغارة غميقة، مشي قدر عشرين خَطمة صار الجرذون يشبّ عليه ونفخ على الفنيار وطفاه. كنا نحن الاولاد نحب الحكايا عن الجن واللقايا، عن خربة كتيم في ارض الجوانية وخربة الجرمق والصعبنية وباط الصور وسرطبا والسدير والسهلة.
عندما يأتي سيدي حسن للسهرة، كان يغيّر الحديث، عن النسوان ويغني: يا خَزنِه لِخطَيب والوِجه لِحْمَر طيّب. وستي فاطمة تقزَع لو في شواربه، هي فقيرة أدميّة وديّانة، فيرد عليها: يا فاطمة لحسين يا عجوزة النّبرتين، غارت العجوز!!
- تْغير عليك حيّة جَدرا تُلطشك وتظلّ في سهلتك.
- طالَك إشي من خزنَه يا بُعجايز!!
- طالتُه فردة صرماية عتيقة على راسُه، كان يتشبع فيها، إخوتها رَقعوه قتلة مكلّفه، والصبية هاشت عليه في الصرماية.
- نجمُه في الجدي كثير النطّ قليل الصيد.
- مَقولِه: عمري ما اتهمت وْليّه ولا ذبحت الطير عالمَبات.
- بكون الكاس رايق بيجي بشقلِب الحكي عالنسوان،
- كنا في غاية ونهاية إجا الدبّ معمَرْها.
- هذا دِب، مَهو مْسحنِف مثل بُمصَص، سَخّام الريح، مشَعْمِط لا شحم ولا لحم.
استحليت اسم النّبرتين وعين النبرتين، وزريف الطول عا عين النبرتين، عين النبرتين عند أذيال صفد والبيرة وخلة بير الشيخ على درب الخيط، قبل عين الطبول. (يتبع)

السبت 3/11/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع