المتظاهرون فرضوا التسوية على «حماس» وإسرائيل


تسفي برئيل


*لقد تحول الجمهور في غزة إلى قوة إستراتيجية، فرضت حتى على الجيش الإسرائيلي الصراخ إزاء الضرر الإنساني في ظروف الحياة، وفرض في نهاية الأمر على "حماس" تأييد عملية تسوية لم تنته بعد*



وصل ممثلو البعثة المصرية في غزة لمشاهدة السحر الذي مارسته "حماس" على المتظاهرين، وقد سحروا من ذلك: حضور قليل للمتظاهرين، آلاف وليس عشرات الآلاف، ابتعاد كبير عن الجدار ودون قتلى. استنتاج مصر وإسرائيل هو أن "حماس" لا تمسك بيديها باب المعبر، فقط بل يمكنها أيضاً توجيه ارتفاع وشدة اللهب. فإذا أرادت سيشتبك الآلاف مع قوات الجيش الإسرائيلي، وحسب توجيهاتها يوقفون اندفاعهم نحو الجدار. إلا أن هذا استنتاجاً لا يحتاج إطلاقاً إلى إثبات، على الأقل ليس حسب الادعاء الإسرائيلي الثابت والذي يقول: إن "حماس" هي الجهة الوحيدة المسؤولة في قطاع غزة، وحسب تعليماتها يتم كل شيء.
هذا الاستنتاج كان يجب أن يجعل إسرائيل تفهم منذ سنوات أن نظرية العصيان المدني التي أرادت إسرائيل حدوثها في القطاع ضد "حماس" من خلال الإغلاق والعقوبات التي فرضتها على "حماس"، لن تصمد أمام امتحان الواقع. النظرية التي حلت محلها قالت: يجب عدم إلغاء العقوبات ولكن بدلاً من اعتبارها وسيلة لإسقاط حكم "حماس" على أيدي المواطنين، يتم اختبارها كوسيلة تهدف إلى الضغط على "حماس" وادخالها في وضع من شأنها أن تفقد فيه شرعيتها ودعم الجمهور لها، إذا لم تعمل من أجل تخفيف شروط الحياة في القطاع. هذه هي نفس النظرية ونفس الإستراتيجية الفاشلة مثل سابقتها، فيهما العامل المهم والتهديد الحقيقي هو المليونا فلسطيني الذين يعيشون في حصار شديد منذ 11 سنة. سواء كان الضغط الإسرائيلي على "حماس" من أعلى عن طريق تقليص قدرتها على السيطرة، أو النية بإثارة احتجاج جماهيري ضدها من الأسفل، تستندان على الدور الذي يجب على الجمهور القيام به. قدرة سيطرة "حماس" وقوة إسرائيل ضدها تنبع من توقع سلوك الجمهور.
لقد تحول الجمهور في غزة إلى قوة إستراتيجية، فرضت حتى على الجيش الإسرائيلي الصراخ إزاء الضرر الإنساني في ظروف الحياة، وفرض في نهاية الأمر على "حماس" تأييد عملية تسوية لم تنته بعد. على مدى ستة أشهر في نهاية كل أسبوع وكذلك في منتصف الأسبوع تجند الجمهور بعشرات الآلاف في استعراض للقوة سمي "مسيرات العودة". 20 – 30 ألف شاب وبالغ، نساء وأولاد يضعون أرواحهم على أكفهم، لم يصلوا إلى خط المواجهة فقط لأن "حماس" أمرتهم بالقيام بذلك. بل هم القوة التي تمثل المليونين من السكان الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه. يمكن التساؤل لماذا لم ينضم اليهم عشرات أو مئات آلاف الآخرين، ولكن هذا هو نفس السؤال الذي كان يمكن طرحه أثناء تظاهرات الربيع العربي في مصر والتي فيها في أفضل الحالات شارك حوالى نصف مليون إلى مليون شخص، الذين مثلوا حوالى 90 مليون مواطن.
بالمقارنة بين حجم السكان في غزة وحجمه في مصر يمكن القول: إن 20 ألف متظاهر من غزة يساوون في قوتهم مليون متظاهر من مصر، أي نصف عدد سكان القطاع. لدوام واستمرارية التظاهرات في غزة توجد قوة كبيرة أثبتت لإسرائيل و"حماس" أن الأمر لا يتعلق باستعراض قوة مؤقت، بل بظاهرة لم يكن لها مثيل في غزة أو الضفة منذ انتهاء الانتفاضة الثانية أو منذ سيطرت "حماس" على القطاع في 2007.
اختارت إسرائيل تجاهل القوة الجماهيرية هذه، وبدلاً من ذلك وضعت أمام القناصة أهدافاً تتمثل بمن يطلقون البالونات ومن شخصتهم كزعماء للمتظاهرين، أو من تجرؤوا على الاقتراب أكثر من اللازم من الجدار. هكذا نجحت في تجاوز الذريعة الجوهرية للتظاهرات بعرضها المواجهة وكأنها استهدفت التغلب على عدو "مسلح" يعرض للخطر أمن دولة إسرائيل. ليس هناك خلاف على أن البالونات تتسبب بضرر كبير، وعرضت حياة أشخاص للخطر. بهذا حصلت إسرائيل على مصادقة لعرض المواجهة كصراع ضد منظمة إرهابية وليس كمواجهة مع السكان. في نفس الوقت، فقد حيدت بذلك خطر الحرب، حيث إنه من الذي سيشن حرباً ضد مطلقي البالونات؟ يمكننا تتويج رأس نتنياهو بالمديح بسبب امتناعه عن شن الحرب، ولكن ما صده عن ذلك هو طبيعة المواجهة، التي لم تخلق الشرعية المطلوبة لحرب شاملة.
فصل التسوية الذي رافق طوال الوقت المواجهة العنيفة بطريقة حطمت النظرية الثابتة التي تقول: نحن لا نتفاوض مع منظمات إرهابية، تحول من مفاوضات مع "حماس" إلى مفاوضات مع السكان. إن السماح بإدخال الوقود، اتفاق دفع الرواتب من قبل قطر، الاستعداد المتبلور للسماح لخمسة آلاف عامل من القطاع للعمل في إسرائيل، التعهد بإنشاء ميناء وزيادة مساحة منطقة الصيد – كل تلك مواضيع مدنية هدفت إلى تهدئة الجمهور في غزة وإعطاء "حماس" وسيلة للسيطرة.
إسرائيل لا تطلب من "حماس" نزع سلاحها أو نزع سلاح منظمات أخرى مثل "الجهاد الإسلامي" و"لجان المقاومة". وهي لا تشترط التسهيلات المتوقعة بإلغاء ذراع "حماس" العسكرية، وهي لا تصمم على أن تحول "حماس" للسلطة الفلسطينية السيطرة على المعابر وعلى أجهزة جباية الضرائب. هذه طلبات يضعها محمود عباس أمام "حماس"، وليس إسرائيل. من هنا فإن سؤال "تعزز أو ضعف "حماس"" لم يعد يسأل، حيث إن إسرائيل تنازلت عن اختبار القوة الداخلية للمنظمة، عندما أزالت عن جدول الأعمال العملية السياسية وانتقلت إلى سياسة الفصل بين غزة والضفة، التي فيها توجد أهمية للحفاظ على قوة "حماس". هذه السياسة تلزم إسرائيل بالاهتمام برفاه السكان في غزة، ليس لأسباب إنسانية أو غيرية، بل كقرار إستراتيجي يعطي القوة للجمهور الفقير والمتعب، والذي من خلال ارتعاشة موته ينجح في تشكيل شبكة علاقات سياسية بين إسرائيل و"حماس" بصورة تضم حتى تنسيقاً أمنياً غير معلن.
هذه الإستراتيجية لا يمكنها أن تتحمل الآن تأخيرات أخرى. هي تتطلب الإعلان عن نية رفع الحصار بالكامل وفقاً لقيود أمنية عملية وفتح الأبواب لاستثمارات كبيرة وخلق أماكن عمل لآلاف السكان الغزيين وتطبيق خطة إعادة الإعمار التي تم الاتفاق عليها بعد عملية الجرف الصامد، والتي تم الاتفاق عليها مرة أخرى قبل بضعة أسابيع بين مصر وإسرائيل. لأن المواجهة لم تعد بين إسرائيل و"حماس"، بل مع الجمهور الكبير الذي أثبت قوته.

عن "هآرتس"

08/11/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع