يارا..

أسعد موسى عودة


اتّجاهان متزامنان
في مسألة العنف المستشري بين ظهرانَينا، وإذا ما أردنا أن نعمل على إنقاذ ما ومَن يمكن بعدُ إنقاذه، فلا بدّ أنّ نعالج نحن أنفسَنا بأنفسنا من أجل أنفسنا؛لا بدّ أن نعالج المسألة المعضلة الملتهبة في اتّجاهين متزامنين متوازيين متقاطعين؛ أوّلهما علاج جراحيّ سريع وساخن، وذلك من خلال اعتماد جميع أساليب الرّدع الممكنة، قانونيًّا وتطبيقيًّا واجتماعيًّا؛ باليد واللّسان والجَنان؛ وثانيهما فعل تربويّ – تعليميّ – تثقيفيّ – توعويّ بطيء وهادئ، يبدأ من الطّفولة ولا ينتهي عند الشّيخوخة



يارا فتاة من بلادي، عمرها من عمر الأمل، عالَم متكامل من المرح والفرح، ومن الضّحك للحياة وعلى الحياة..ويارا صارت ضحيّتنا الجديدة، التّليدة والعتيدة والبعيدة.. فتبّت أيدينا ألف تبّت أيدينا..
ليس لي سابق معرفة بالضّحيّة، ولا بأيٍّ من أهليها أو ذويها، وليس لي أن أطلق أنا الرّصاص إلّا بقلميَ الرّصاص، ولكن إذا ما حُمّت الحاجات وكان لا بدّ ممّا ليس منه بدّ، فأنا أوّل النّاس اعتقادًا وجهادًا بقول المتنبّيّ النّبوئيّ: "ووضعُ النّدى في موضع السّيف بالعُلا/ مُضرّ كوضع السّيف في موضع النّدى"؛ فإنّ هذا المجرم اللّا-إنسان، لا بل الأدنى من الحيوان، أيًّا كان ومهما كان، الّذي سوّلت له نفسه اقتراف هذا الفعل الجبان، إذا ما ثبت بالدّليل القاطع والبرهان السّاطع أنّه هو الفاعل، فيجب ألّا تأخذنا به رأفة ولا شفقة، ويجب التّنادي بإيقاع أقسى وأقصى العقوبة عليه وعلى مَن على شاكلته، من هؤلاء الأغبياء الجبناء؛ "مَن قَتل نفْسًا بغير نفْسٍ أو فساد في الأرض فكأنّما قَتل النّاس جميعًا ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعًا".فإنّنا – والله – ما لم نعرف الخلاص من الوَسْواس الخَنّاس، وما لم نُحسن القِصاص؛ بروح منطوق الآية الكريمة السّابقة واللّاحقة: "وَلَكُم في القِصاص حياةٌ يا أُولي الألباب"، فلن تقوم لنا بعدُ قائمة أو حياة.
فالأدهى من ذلك وأمرّ أنّ إدانة هذا القاتل بما فعل لَهيَ إدانة لنا نحن جميعًا بما لم نفعل؛ إدانة لنا بما لم نربِّ، وبما لم نعلّم، وبما لم نجرؤ، وبما لم نتصالح، وبما لم نتسامح، وبما لم نكن قدوة؛ إنّها إدانة لكلٍّ منّا، كما أنّها إنذار لكلّ منّا، أيضًا، أنّ أيًّا منّا قد يكون غدًا هو الضّحيّة.
فأرى في ما أرى أو لا يُرى أنّنا في هذه المسألة؛ مسألة العنف المستشري بين ظهرانَينا، وإذا ما أردنا أن نعمل على إنقاذ ما ومَن يمكن بعدُ إنقاذه، فلا بدّ أنّ نعالج نحن أنفسَنا بأنفسنا من أجل أنفسنا؛لا بدّ أن نعالج المسألة المعضلة الملتهبة في اتّجاهين متزامنين متوازيين متقاطعين؛ أوّلهما علاج جراحيّ سريع وساخن، وذلك من خلال اعتماد جميع أساليب الرّدع الممكنة، قانونيًّا وتطبيقيًّا واجتماعيًّا؛ باليد واللّسان والجَنان؛ وثانيهما فعل تربويّ – تعليميّ – تثقيفيّ – توعويّ بطيء وهادئ، يبدأ من الطّفولة ولا ينتهي عند الشّيخوخة؛ فالعنف– أيّها الدُّعاة والرُّعاة والحُماة،أيّها السّادة والقادة –لا يكون وليد لحظة؛ بل هو تراكم إحداثيّات تربويّة – تعليميّة –تثقيفيّة – توعويّة –سيكولوجيّة، فردانيّة واجتماعيّة، في محورَيِ الزّمان والمكان، وضحيّته كياننا برمّته، كيان البشر والإنسان.
فقبل مُلاومة ومُعاتبة حكّام أورشليم، فلينظُر كلّ منّا، ذكرًا أو أنثى، إلى نفسه في المرآة، صباحَ مساء، وليسأل نفسه: ماذا أرى؟وماذا أريد أن أرى؟ وكيف يجب أن أُرى؟
سامحينا يا يارا! على جهلنا ونفاقنا وجُبننا وقلّة حيلتنا، وعلى ما شئت من هزائمنا وخيباتنا..فعيب علينا أن نسامح نحن أنفسنا..
وأستحضر ههنا محمودنا الكبير، وأستأذنه بهذه المعارضة، فأقول:
يارا تكالبُ ماردَينِ على بَلَدْ
يارا نُزولُ الشّمسِ في قمرٍ
ويارا ما وَقَدْ
يارا شهادةُ مَوتِنا
حتّى الأحدْ..
[أسعد عودة]
ولِي عودة منكم إليكم أيّها الأعزّة – إن شاء ربّ العزّة – للحديث، أبدًا، عن لُغتنا ونحْن.


(الكبابير \ حيفا)

السبت 1/12/2018


© كافة الحقوق محفوظة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة
حيفا، تلفاكس: 8536504-4-972 بريد أليكتروني : aljabha.org@gmail.com

صحيفة الاتحاد: هاتف: 8666301 - 04 | 8669483 - 04 | فاكس: 8641407 - 04 | بريد الكتروني:aletihad.44@gmail.com

* المقالات والتعليقات المنشورة في موقع الجبهة تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع